🏫 يمثل الذكاء الاصطناعي موضوعا حساسا لأي معلم أو طالب أو ولي أمر، فمع تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي وتغلغلها في حياتنا بوتيرة مذهلة، تصبح مهمة المواكبة أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة المؤسسات الأكاديمية التي تتسم بالبطء والمنهجية بطبيعتها. كل ذلك يطرح تساؤلا: هل يعد المعلمون الطلاب لثورة الذكاء الاصطناعي التي تنتظرهم بمجرد التخرج ودخول سوق العمل؟
المشكلة باختصار
أكثر من نصف طلاب الجامعات في الولايات المتحدة أفادوا بأن جامعاتهم إما لا تشجع استخدام الذكاء الاصطناعي (42%) أو تحظره تماما (11%)، حسبما أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة جالوب وشمل مجموعة من الطلاب الجامعيين في وقت سابق من هذا الشهر. ورغم عدم توفر إحصاءات خاصة بمصر، يمكننا الرهان على أن الوضع لا يختلف كثيرا. يتفق أولياء الأمور الذين تحدثنا إليهم بالإجماع على أن معظم الجامعات المصرية لا تنصح باستخدام استخدام الذكاء الاصطناعي أو تحظر تماما استخدامه إلا في أضيق الحدود.
على أرض الواقع؟ ينتشر استخدام الذكاء الاصطناعي بين الطلاب، بينما يدرك المعلمون ذلك، لكن لا يوجد مسار واضح لكيفية التعامل مع هذا الأمر، فما معيار وحدود الغش من عدمه في عصر الذكاء الاصطناعي؟ "الأمر مثير للجدل بالتأكيد، لكن الحظر التام لاستخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي يعني ببساطة إعدادهم لعالم لم يعد له وجود"، حسبما قال معتز الهلالي، الأستاذ المشارك في كلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ومستشار الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، لإنتربرايز.
لكن تظل المخاوف قائمة، إذ يرى 95% من أساتذة الجامعة الأمريكيين أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي من شأنه تقليص مهارات التفكير النقدي وتقويض النزاهة الأكاديمية والتقليل من القيمة الفعلية للشهادة الجامعية، حسبما أشار استطلاع رأي أجري في يناير 2026 وشمل أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الأمريكية.
يستخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي في كل شيء، بداية من كتابة الأبحاث وحتى البرمجة والعروض التقديمية، ورغم استخدام معظم المعلمين والأساتذة لبرامج كشف نصوص الذكاء الاصطناعي، فهناك أدوات يستخدمها الطلاب لتجاوز تلك البرامج، وفقا لما ذكره ولي أمر طالب جامعي لإنتربرايز.
تحايل: لا تعد أدوات إضفاء الطابع البشري على الذكاء الاصطناعي موثوقة بنسبة 100% أو مضمونة النجاح، ناهيك عما تغرسه في نفوس الطلاب بشأن أخلاقيات العمل والبحث، وحتى برامج كشف نصوص الذكاء الاصطناعي نفسها ليست دقيقة، وفي كثير من الأحيان تصنف المحتوى الأصلي عن طريق الخطأ بأنه من إنتاج الذكاء الاصطناعي.
يبدو الأمر مربكا للجميع.. الطلاب وأولياء الأمور والمؤسسات التعليمية: "أستخدم الذكاء الاصطناعي لتعليم أبنائي رغم أنني وإدارة مدرستهم نمنعهم من استخدامه"، حسبما قال أحد أولياء أمور طالبين في سن المدرسة. توفر المنصات الشهيرة مثل سيف مايإكزامز لطلاب الشهادات الدولية مثل الثانوية العامة البريطانية ملاحظات للمراجعة وبطاقات تعليمية واختبارات سابقة ونماذج امتحانات تجريبية. كما يتمتع نموذجا الذكاء الاصطناعي كلود وتشات جي بي تي بالقدرة على تقديم نفس مهام التدريس، إذ يستخدمهما طلاب المدارس الثانوية والجامعات على نطاق واسع.
"الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لمساعدة الطلاب على تلخيص وفهم المواد الدراسية في المنزل، نظرا لقدرتها على التكيف مع وتيرة كل طالب، ونحن نشجع طلابنا على استخدامه لهذا الغرض"، وفقا لما قاله كريم مصطفى (لينكد إن)، الرئيس التنفيذي لشركة إديوهايف لإدارة المؤسسات التعليمية التابعة لشركة سيرا للتعليم. "رسميا لا يسمح للطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الأبحاث أو إنجاز الواجبات، كما يمكننا بسهولة التمييز بين الطلاب الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بهدف التعلم والدراسة، وبين أولئك الذين يكتفون بالنسخ الأعمى، وذلك لأننا نعتمد على الامتحانات التحريرية والشفوية التقليدية، وهي أساليب لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم المساعدة فيها".
ما الحل؟
"لن يتمحور المستقبل حول البشر أو الآلات، بل حول التعايش والتعاون مع الآلات لخلق إمكانات جديدة"، حسبما قال شريف كامل، عميد كلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي يرى أن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعلني أؤدي وظيفتي بشكل أفضل؟
تحول في العقلية: مع تزايد تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، ستعمل نماذجه على أتمتة المهام الروتينية وتحليل البيانات على نطاق واسع وبسرعة فائقة، إلا أن هذا لن يقلص الدور البشري، بل سيحدث تغييرا جذريا فيه، بحسب كامل، الذي أكد أن قيمتنا تكمن في التفكير النقدي والإبداع وحسن التقدير والتعاطف، وهي قدرات لا يمكن للآلات محاكاتها. كما تحتاج الجامعات إلى إعادة النظر في القيمة التي تقدمها للطلاب، لأن الأمر لم يعد يتعلق بالمعرفة فحسب، بل بنوعية المهارات التي نريد أن يتمتع بها الخريجين، حسبما قال الهلالي.
على صعيد المؤسسات التعليمية، يتفق مصطفى على ضرورة التكيف مع التطورات المتلاحقة للذكاء الاصطناعي في كافة الجوانب، مضيفا أن المجموعة تعمل حاليا على تطوير سياسة شاملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، من المقرر البدء في تطبيقها اعتبارا من العام الدراسي المقبل. ومع ذلك، استبعد إمكانية الاستغناء عن الامتحانات التقليدية القائمة على الورقة والقلم، مؤكدا أن الطلاب لا يزالون بحاجة إلى إتقان مهارات الكتابة اليدوية والتفكير النقدي.
منهج مرن
تتبنى معظم الجامعات حاليا نهجا مرنا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بحسب ما يرى الهلالي: "في بعض المقررات، نضطر إلى الاعتماد على الورقة والقلم أو الامتحانات المغلقة لضمان استيعاب الطلاب للأساسيات دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. أما بالنسبة للتكليفات المفتوحة أو التقييمات أو الأبحاث، فيسمح بعض الأساتذة للطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي مع ضرورة الإفصاح عن استخدامه، بل ويطلب بعض الأساتذة الاطلاع على الأوامر النصية التي أُدخلت، لتقييم مدى دقة ومنطقية تفكير الطلاب في حل مشكلة معينة".
بينما نتفق على أن التعامل مع هذه التحولات الجديدة أمرا صعبا، فلا ينبغي في الوقت ذاته تجاهلها أو التظاهر بعدم وجودها، خاصة من قبل القائمين على العملية التعليمية، في ظل التحول المتسارع للذكاء الاصطناعي الذي بات يرسخ نفسه كعنصر أساسي في مختلف الوظائف وعلى جميع المستويات.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **