أجرت إنتربرايز حوارا مع الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي هشام عز العرب (لينكد إن) لاستيضاح المنطق الاستراتيجي وراء خطط أكبر بنوك القطاع الخاص في البلاد لإطلاق بنك رقمي، وأسباب استمرار توسع شبكات الفروع في مصر بينما تتقلص في الغرب، وكيف سيبدو شكل القطاع المصرفي المحلي بنهاية العقد. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:

إنتربرايز: بحلول عام 2025، بلغ عدد عملاء البنك التجاري الدولي نحو 2.5 مليون عميل. هل التوجه إلى إطلاق بنك رقمي هو خطوة دفاعية للحفاظ على العملاء الحاليين في مواجهة منافسة شركات التكنولوجيا المالية، أم أنها خطوة توسعية تستهدف جذب شرائح جديدة وموجة الشباب الذين يدخلون النظام المصرفي لأول مرة؟

هشام عز العرب: يتعلق هذا التحرك في المقام الأول بتوسيع السوق وليس مجرد حماية الحصة الحالية. تتمتع مصر بتعداد سكاني كبير يفتقر إلى الخدمات المصرفية الكافية. ويبلغ عدد سكان البلاد أكثر من 100 مليون نسمة، وتتمتع بقاعدة استهلاكية شابة وملمة بالتكنولوجيا الرقمية، لكن لا يزال جزء كبير منها خارج النظام المصرفي الرسمي.

لذا، صُمم البنك الرقمي التابع للبنك التجاري الدولي للوصول إلى شرائح جديدة تواجه النماذج التقليدية صعوبة في خدمتها بفعالية. تعتمد هذه الفئات بشكل متزايد على الوسائل الرقمية، لكنها غالبا ما تواجه عوائق، مثل الإجراءات المعقدة لفتح الحسابات البنكية وصعوبة الوصول إلى الائتمان.

إنتربرايز: في أوروبا والولايات المتحدة، تعمل البنوك التقليدية على خفض عدد فروعها بشكل حاد. لكن في مصر، يحدث العكس. ما السبب؟

عز العرب: تمر مصر بمرحلة مختلفة من تطور السوق المصرفية مقارنة بأوروبا أو الولايات المتحدة. ففي الأسواق الناضجة، وصلت معدلات الانتشار الخدمات المصرفية إلى مستويات مرتفعة بالفعل، وكذا الاعتماد على الوسائل الرقمية، لذا غالبا ما تكون الفروع غير ضرورية. أما في مصر، فلا تزال البنوك تعمل على توسيع نطاق الوصول إلى خدماتها، وبناء جسور الثقة، والوصول إلى العملاء الذين يدخلون النظام المصرفي الرسمي لأول مرة.

لذا، فإن الطريقة الصحيحة للنظر في وضع السوق المصرية ليست المقارنة بين التواجد الفعلي والرقمي، بل هي الدمج بين الاثنين في خضم هذه الفترة الانتقالية. فتستمر الفروع التقليدية في لعب دور رئيسي، في حين يمكن للنماذج الأحدث مثل المساعدة في فتح الحسابات، والشراكات، وأجهزة الخدمة الذاتية أن توفر نفس إمكانية الوصول بتكلفة أقل وبشكل يتناسب أكثر مع العملاء الذين يفضلون القنوات الرقمية في المقام الأول.

إنتربرايز: أصبحت البنوك الرقمية جزءا حيويا من الصناعة المصرفية في دول عديدة، لكن ليس في مصر بعد. لماذا؟

عز العرب: البنوك الرقمية حديثة العهد في مصر، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن المنظومة البيئية لم تصل إلى النضج اللازم إلا مؤخرا. على مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذ البنك المركزي المصري خطوات مهمة لتمكين هذا التحول، عبر طرح تراخيص البنوك الرقمية، وتعزيز الضوابط الخاصة بالتكنولوجيا المالية، وإتاحة تقنيات مثل "اعرف عميلك إلكترونيا" (e-KYC) والبيئة التنظيمية التجريبية (sandboxes) لدعم الابتكار في الخدمات المالية.

في الوقت ذاته، تسارعت جاهزية المستهلكين بشكل ملحوظ. فمصر لديها حاليا أكثر من 96 مليون مستخدم للإنترنت وشريحة شابة من السكان تعتمد بشكل متزايد على المدفوعات الرقمية وخدمات الهاتف المحمول. مصر على أعتاب نقطة مفصلية بفضل الزخم التنظيمي، والرياح الديموغرافية المواتية، وسلوك المستهلكين الذي يتجه نحو تسريع وتيرة التحول الرقمي في جميع أنحاء البلاد.

إنتربرايز: مع اتخاذ أسعار الفائدة مسارا هبوطيا بشكل عام — بغض النظر عن الاضطرابات المحتملة الناجمة عن الحرب على إيران في الأسابيع المقبلة — هل يضغط ذلك على هوامش ربحية البنوك المحلية التي تمتلك شبكة فروع ضخمة؟

عز العرب: أسعار الفائدة المنخفضة قد تضع بعض الضغوط على هوامش الربحية، إذ تميل عوائد الإقراض إلى التكيف بشكل أسرع من تكاليف التمويل. ومع ذلك، من المرجح أن يكون التأثير في مصر تحت السيطرة. فالبنوك دخلت هذه الدورة بمعدلات ربحية صحية وميزانيات عمومية قوية. وبما أن انخفاض الفائدة يحفز عادة الطلب على الائتمان، فإن ذلك سيساعد في تعويض تراجع الهوامش.

إنتربرايز: هل يؤدي تأسيس البنوك الرقمية في مصر إلى ضغوط إضافية على البنوك التقليدية؟

عز العرب: ستزيد البنوك الرقمية بالتأكيد من المنافسة في مجالات محددة، لا سيما فيما يتعلق بتجربة العملاء، وسرعة فتح الحسابات، واستخدام البيانات لتقديم خدمات مالية أكثر تخصيصا. إذ تكون النماذج الرقمية قادرة في الغالب على إطلاق المنتجات بشكل أسرع، والعمل بهياكل تكلفة أقل، وتسهيل المعاملات للعملاء الذين يعتمدون على الهواتف المحمولة كخيار أول.

ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية إيجابية للقطاع المصرفي الأوسع. في مصر، لا يزال السوق يعاني من نقص كبير في الاختراق المصرفي، لذلك هناك مساحة كبيرة لنمو كل من النماذج التقليدية والرقمية على حد سواء.

من الناحية العملية، فإن النتيجة المرجحة هي بيئة مصرفية أكثر تنوعا وابتكارا، حيث تواصل البنوك التقليدية الاستفادة من الثقة، وحجم الأعمال، وقوة ميزانياتها العمومية، في حين تدفع البنوك الرقمية الصناعة نحو خدمات مالية أسرع وأكثر سهولة في الوصول وتركيزا على العملاء.

إنتربرايز: هل هناك وظائف وشرائح سكانية لا تستطيع البنوك الرقمية خدمتها بنفس كفاءة البنوك التقليدية القائمة على الفروع؟

عز العرب: البنوك الرقمية فعالة للغاية في تلبية الاحتياجات المصرفية اليومية، لكن بعض الوظائف والشرائح لا تزال تستفيد من النماذج التقليدية القائمة على الفروع. على سبيل المثال، غالبا ما تتطلب الاحتياجات المالية المعقدة، مثل إقراض الشركات الكبرى، أو التمويل المهيكل، أو الخدمات التي تتطلب استشارات، إدارة أعمق للعلاقات وتواصلا مباشرا وجها لوجه.

إنتربرايز: كان 2026 عاما حافلا بالأحداث بالفعل. هل أدى ذلك إلى تغيير خطتكم بشأن الموعد المقرر لإطلاق البنك الرقمي رسميا؟

عز العرب: لا تزال رؤيتنا واستراتيجيتنا وطموحنا للبنك الرقمي ثابتة بينما نحرز تقدما في تحقيق أولوياتنا الاستراتيجية والجداول الزمنية للإطلاق. يعمل الفريق بوتيرة سريعة ويحرز تقدما جيدا في جميع المحطات الرئيسية، مع التنسيق الوثيق مع البنك المركزي المصري كجزء من عملية الترخيص.

إنتربرايز: بالنظر إلى عام 2030، ما الدور الذي تتوقع أن تلعبه البنوك الرقمية في مصر؟

عز العرب: بحلول عام 2030، يتوقع أن تلعب البنوك الرقمية دورا محوريا في تعزيز معدلات الشمول المالي وإحداث تغيير تدريجي في منظومة الخدمات المالية الرقمية بالبلاد. فتتمتع مصر بشريحة سكانية شابة تعتمد على الوسائل الرقمية، يخلق زخما قويا للخدمات المالية التي تعتمد على الهواتف المحمولة. ومع نضوج المنظومة، ستصبح البنوك الرقمية منصات رئيسية تربط بين المستهلكين والتجار ومؤسسات الخدمات المالية والخدمات الحكومية.