📹 بينما تدخل الحرب على إيران أسبوعها الثاني، سرعان ما تحولت وقائعها من أنباء عاجلة إلى أخبار يومية معتادة ما بين عدد الهجمات الصاروخية وأعداد القتلى. وفي مثل هذه الحروب، من السهل أحيانا تجاهل معاناة شعب يشبهنا في كثير من النواحي. فإيران دولة غنية ونابضة بالحياة ومتنوعة ومرنة، رغم العقوبات التي أثقلت كاهلها طوال 45 عاما والصور النمطية التي رسمتها ممارسات نظامها الاستبدادي.
نظرة على الداخل: في مقابلة مع إنتربرايز مصر، تناول الصحفي الإيراني والباحث في الدراسات الإعلامية بجامعة كولومبيا، كوروشزياباري، التحولات العميقة في المجتمع الإيراني وطريقة تناول وسائل الإعلام لإيران والصراع الدائر، فضلا عن الصمود المستمر للمجتمع المدني الإيراني.
وفي حديثه إلينا من نيويورك مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أشار زياباري أن الصورة النمطية "أحادية البعد" التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية — وغالبا الإقليمية — لبلده قد ضللت الرأي العام، وجردت شعبا قوامه 90 مليون نسمة من إنسانيته، ما مهد الطريق للعدوان وسقوط القنابل التي تنهال على طهران الآن.
تغيير السردية الجامدة
أكثر من مجرد سياسة: لا تزال الرؤية الغربية لإيران عالقة في دائرة ضيقة من القضايا الأمنية، حسبما يرى زياباري، الذي نشأ في إيران قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة في عام 2022. "لا نسمع سوى عن النووي والوكلاء والصواريخ"، حسبما قال، موضحا أن هذا التأطير الاختزالي يتجاهل عمدا جوانب الحياة التي تعكس جوهر التجربة الإيرانية، كالفنون والطعام والثقافة والموسيقى.
من خلال تهميش الواقع الداخلي في إيران، بما يضمه من حركات طلابية نشطة وإنجازات علمية وحياة يومية للمجتمع المدني، تخلق وسائل الإعلام فراغا لا يبرز فيه سوى الدولة. عندما يختزل أي بلد في قيادته أو قدراته العسكرية، يصبح من السهل على الجمهور الأجنبي تبرير المعاناة التي تلحق بمدنييه دون تمييز، بحسب زياباري.
الواقع مختلف تماما: بعد انتفاضة "المرأة الحياة الحرية" في عام 2022، أحدث النشطاء تغييرا ملموسا في الحياة بإيران لم نعهده من قبل، بحسب زياباري. تحدى النشطاء والمحتجون الحكومة، وأقنعوا إدارة الرئيس مسعود بزشكيان برفض إقرار تشريع يشدد قيود الحجاب بعد مقتل مهسا أميني. وخطوة تلو أخرى، حقق المجتمع المدني الإيراني مكاسب ملموسة وأرسى معايير جديدة وسجل إنجازات غير مسبوقة.
"أسبوع طهران للتصميم" خير دليل: كان الحدث، الذي أقيم في نوفمبر الماضي وجمع بين تصميم المنتجات والأزياء والجرافيك والحرف المعاصرة في العاصمة الإيرانية، مساحة استثنائية تجلى فيها الإبداع الإيراني بكل المقاييس، كما جاء ممثلا لإيران الجديدة التي يقودها شباب جريء يكسر التابوهات.
ولم يقتصر الأمر على أسبوع التصميم، بل امتد ليشمل الحفلات الموسيقية ومهرجانات الجاز وعروض الأزياء، وحتى الحفلات الصاخبة التي وثقتها حسابات الإيرانيين على منصات مثل إنستجرام. وفي مقال نادر حول الوجه المتغير للمجتمع الإيراني، وصفت صحيفة نيويورك تايمز ذلك بأنه "تغيير جذري يقوده جيل جديد من الإيرانيين الذين تواصلوا مع العالم الخارجي عبر وسائل التواصل الاجتماعي".
ثم كانت الحرب
لطالما وجد المجتمع المدني الإيراني سبلا لإثبات وجوده وإظهار براعته، لكن كل هذا تبدد الآن. انهار كل شيء بين عشية وضحاها بسبب حالة الحرب الفعلية التي دمرت العديد من هذه الأماكن الثقافية الجديدة، إلى جانب المواقع الأثرية المدرجة ضمن قائمة اليونسكو. كما تضررت بشدة المقاهي والمكتبات وميدان انقلاب، الذي يضم مركزا ثقافيا ضخما قبالة جامعة طهران، بحسب زياباري، الذي أشار إلى تفاقم معاناته الشخصية بسبب صعوبة التواصل مع عائلته في مدينة رشت نتيجة القيود الصارمة المفروضة على الإنترنت.
ازدواج المعايير أو غيابها: ينتقد زياباري الخطاب الجيوسياسي الحالي، معتبرا أن المثل الأكاديمية العليا كالموضوعية والديمقراطية والقانون الدولي قد ماتت ودفنت. فحتى عندما تكون معاناة المدنيين واضحة للعيان، وعندما يدرك الجميع الطبيعة العشوائية وغير القانونية لهذه الحرب، لا تزال هناك أصواتا تسعى بنشاط لتبريرها وتجميل الواقع باستخدام مصطلحات ملطفة، للادعاء بأنها ليست حربا بل مجرد عملية عسكرية.
معارضة النظام لا تعني أبدا الترحيب بالتدخل الأجنبي: هناك ملايين الإيرانيين المؤيدين للتغيير الديمقراطي والابتعاد عن نظام الجمهورية الإسلامية، لكنني لا أعتقد أنهم طلبوا يوما تدخل قوى أجنبية، وفقا لزياباري، الذي حذر من إعطاء أهمية مبالغ فيها لإيرانيين الخارج المشجعين على الحرب: "إنهم من قادوا حملات نشطة ليس فقط لدعم الحرب الأخيرة، بل لفرض عقوبات قبلها أفقرت إيران بشكل كبير، لأنهم في النهاية ليسوا من يتحملون تبعات ذلك".
والحل؟ يتطلب الأمر من وسائل الإعلام التخلي عن الانحياز والتصورات النمطية المسبقة، والبدء في تصوير إيران بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات. كما أن تقديم تغطية أكثر دقة وشمولية سيسلط الضوء على صمود مجتمع مدني قادر على قيادة التغيير بنفسه دون الاعتماد على أي وصفات أجنبية.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **