كانت قصة العام في مصر هي الدولار وتدفقاته إلى داخل وخارج البلاد. بدأ العام بمشهد يبدو قاتما لميزان المدفوعات في ظل تصاعد الدين الخارجي، واستمرار اختلال الميزان التجاري لصالح الواردات، وانحسار تحويلات المصريين بالخارج نتيجة تقييد سعر الصرف الرسمي، وتدهور إيرادات قناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، وتضرر السياحة بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة والذي اتسع نطاقه على عدة جبهات خلال العام.
دخلنا عام 2024 مع سوق موازية لسعر الصرف خارجة عن السيطرة، إذ جرى تداول الدولار عند 70 جنيها فيما ظل السعر الرسمي عند نحو 30.95 جنيه. وجاء هذا وسط شح النقد الأجنبي وتكدس البضائع في الموانئ وحذر المستثمرين من دخول السوق المصرية. وشهد شهرا يناير وفبراير تكهنات حول محادثات جديدة بين مصر وصندوق النقد الدولي حول حزمة تمويلية أكبر.
شح النقد الأجنبي كان ملموسا أيضا في أزمة نقص الأدوية وفي انقطاعات التيار الكهربائي التي ضربت البلاد بالكامل منذ يوليو 2023 وامتدت حتى الأسبوع الثالث من يوليو 2024، إذ عانت البلاد لتأمين موارد النقد الأجنبي لاستيراد الغاز والمازوت لتشغيل محطات الكهرباء لتعويض النقص المحلي في إنتاج الغاز الطبيعي.
أول الغيث لم يكن مجرد قطرة: في فبراير، أبرمت الحكومة "أكبر اتفاقية استثمار مباشر في مصر" بقيمة 35 مليار دولار مع شركة أيه دي كيو القابضة الإماراتية (صندوق أبو ظبي السيادي) تحصل الشركة بموجبها على حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي الممتدة على مساحة 170 مليون متر مربع من خلال مجموعة متنوعة من المشروعات السياحية والسكنية والتجارية - وتحت إشراف شركة مدن القابضة، التابعة لصندوق أبو ظبي السيادي، كمطور رئيسي للمشروع. كانت الصفقة بمثابة طوق النجاة للاقتصاد المصري، وأصبح نموذج رأس الحكمة حاضرا منذ ذلك الحين في ذهن الحكومة وتسعى لتكراره في مشروعات جرى الكشف عنها مثل رأس بناس بالبحر الأحمر ورأس جميلة في جنوب سيناء.
ثم جاء التعويم: وفي يوم الأربعاء 6 مارس أعلن محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قرار التعويم، مع وعد جديد بالالتزام بسعر صرف مرن و"ترك تحديد سعر الصرف وفقا لقوى السوق"، وصاحب القرار رفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس. فقد الجنيه نحو 33% من قيمته دفعة واحدة في يوم التعويم ليتداول عند مستوى بين 49.5-50.85 مقابل الدولار، بعد أن ثبت سعر الرسمي في البنوك عند 30.95 جنيه منذ وقت مبكر من 2023. ويتداول الدولار حاليا عند متوسط 50.92 جنيه، بعد تراجعه قليلا على مدار الأسابيع القليلة الماضية.
وصاحب التعويم اتفاق أكبر مع صندوق النقد الدولي، بشأن حزمة تمويلية بقيمة 8 مليارات دولار، لتتمكن البلاد من مواصلة "قدرتها على تحمل الديون، واستعادة استقرار الأسعار، وإعادة نظام سعر الصرف". وجاء هذا بالتزامن مع اتفاق آخر على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين المؤجلتين منذ فترة طويلة لبرنامج القرض البالغة قيمته 3 مليارات دولار، لتتسلم البلاد الشريحة الثانية بقيمة 820 مليون دولار في أبريل. استكمل الصندوق مراجعته الثالثة لبرنامج القرض في أواخر يوليو، لتصل الشريحة البالغة 820 مليون دولار إلى خزينة الدولة بعد أيام من ذلك. وقبل أيام من نهاية 2024 جرى التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الرابعة، التي ستمكن البلاد من الحصول على 1.2 مليار دولار — وهي أكبر شريحة من الشرائح الأربع لبرنامج القرض — بعد أن يمنح المجلس التنفيذي للصندوق موافقته عليها.
الأبواب أصبحت مشرعة أمام المزيد من تمويلات الشركاء الدوليين الآخرين: حرص الاتحاد الأوروبي على دعم مصر في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. وبعد أقل من أسبوعين من الاتفاق مع صندوق النقد أعلن عن حزمة قروض ومنح واستثمارات بقيمة إجمالية 7.4 مليار يورو لمصر حتى عام 2027، بموجب اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي تضمنت 5 مليارات يورو كقروض ميسرة لدعم الإصلاحات الكلية، قد نتلقى مليار يورو منها قريبا. وكذلك تعهدت مجموعة البنك الدولي بحزمة تمويلية بقيمة ستة مليارات دولار على مدار الأعوام الثلاثة المقبلة سيذهب 3 مليارات منها إلى الحكومة لدعم الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية وبرامج الحماية الاجتماعية والتحول إلى الاقتصاد الأخضر، والـ 3 مليارات الأخرى ستذهب عبر مؤسسة التمويل الدولية — ذراع القطاع الخاص التابعة للبنك الدولي — إلى القطاع الخاص في صورة استثمارات مباشرة وقروض من المستثمرين. وأقر البنك الدولي في يونيو حصول مصر على 700 مليون دولار ضمن الحزمة المتفق عليها.
سمح التعويم لمصر باستعادة جانب كبير من تدفقات النقد الأجنبي، فعاد جزء كبير من تحويلات المصريين بالخارج ليمر عبر القطاع المصرفي الرسمي. وتحول صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي لتحقيق فائض للمرة الأولى منذ 2022 بدعم من نمو تحويلات المصريين بالخارج وعودة الأموال الساخنة عبر استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية بعد تحرير سعر الصرف ورفع الفائدة. وتحسن احتياطي النقد الأجنبي كثيرا، إذ بلغ 47 مليار دولار في نهاية نوفمبر ارتفاعا من 35.22 مليار دولار في أول يناير 2024. وبلغ إجمالي تحويلات المصريين في الخارج 23.7 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2024، بزيادة 45.3% على أساس سنوي.
عودة الأمور إلى طبيعتها بعض الشيء: في أعقاب التعويم بدأت الحكومة في سداد جزء من المستحقات المتأخرة لكبرى شركات النفط الأجنبية العاملة في البلاد، وبدأت البنوك تخفيف قيود تدبير العملة، ورفعت حدود السحب النقدي وحدود بطاقات الائتمان بالعملة الأجنبية، وفي نوفمبر وجه البنك المركزي المصري البنوك المحلية للمرة الأولى منذ عامين بتوفير الدولار للاعتمادات المستندية لاستيراد السلع غير الأساسية دون الحصول على موافقة مسبقة منه، ما يحفز التوقعات بتصفية طلبات الاستيراد غير الأساسية المتراكمة منذ عام 2022 وحتى الآن. ونجحت مصر في سداد 38.7 مليار دولار من مديونياتها الخارجية في 2024 وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الأسبوع الماضي. انحسرت أزمة الأدوية مع قرب انتهاء العام بعدما ارتفعت أسعارها، أما انقطاعات الكهرباء أعلنت الحكومة انتهائها للأبد نهاية الصيف الماضي.
غلق الأبواب أمام خروج الدولار: سارت كل إجراءات الحكومة في طريق تقليص خروج الدولار، سواء عبر فرض تدابير جديدة على قطاعات بعينها مثل واردات السيارات والهواتف الذكية، هو ما سنشير إليه لاحقا في نشرتنا اليوم ، أو عبر إصلاحات هيكلية للموازنة إذ بدأت الحكومة في نهاية يناير بترشيد الإنفاق الاستثماري بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية حتى نهاية العام المالي 2024/2023، وتمديد سلسلة إجراءات ترشيد إنفاق النقد الأجنبي على أي احتياجات غير ضرورية أو لا تحمل طابع "الضرورة القصوى"، ثم قررت وضع سقف عام للاستثمارات العامة للحكومة والهيئات الاقتصادية داخل والخارج الموازنة عند تريليون جنيه في العام المالي 2025/2024، في ضوء اتفاقها مع صندوق النقد، لإفساح مجال أكبر للقطاع الخاص للمساهمة في الاقتصاد.
… أو عبر حلول مستدامة: كان توطين الصناعة أحد الاتجاهات العامة لمصر في 2024، مدفوعا بالحاجة إلى خفض الواردات وتعظيم العائد الدولاري من الصادرات. وبدأت الحكومة باستهداف 23 صناعة لتوطينها في مصر، في حين حاول عدد من الشركات المصرية الاستفادة من دعوات مقاطعة المنتجات الأجنبية للتوسع في الإنتاج ورفع حصصها السوقية. ومع ذلك، ظل توطين الصناعة أمام عقبة الاعتماد الكبير على مدخلات الإنتاج الأجنبية.
** سنلقي نظرة أعمق على جهود توطين الصناعة في 2024 لاحقا في فقرة "في المصنع" في نشرة إنتربرايز المسائية مساء اليوم.
ماذا عن 2025؟
تهيمن على التوقعات بشأن العام المقبل الحروب المستمرة، وعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياساته الحمائية، بحسب مذكرة صادرة عن الأهلي فاروس، أشارت فيها إلى أن تصاعد الصراع في غزة سيواصل التأثير سلبا على إيرادات قناة السويس وإمدادات الغاز الإسرائيلي، وأن أي تصعيد محتمل للحرب الروسية على أوكرانيا، سيعقد الأمور بالنسبة للحسابات الجارية للدول المستوردة للسلع. ومن المتوقع أن ينتهج ترامب سياسات مالية توسعية من خلال خفض الضرائب وتطبيق بعض الإجراءات الحمائية التجارية بما يؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، وما سيخلقه من ضغوط تضخمية، وبالتالي قد يستدعي إعادة النظر في وتيرة خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
أسعار الفائدة من المتوقع أيضا أن تنخفض إلى ما يتراوح بين 12-13% بحلول نهاية عام 2025، بما يتماشى مع الجهود الوطنية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتشجيع التنمية، وفقا لما قاله رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي خلال اجتماعه مع رجال الأعمال يوم الخميس الماضي. لكن، توقعات المحللين جاءت متفاوتة على نحو أوسع، فبينما يرجح عدد منهم خفضا بما يتراوح بين 300-400 نقطة أساس خلال العام المقبل بأكمله، يرى البعض الآخر أن الخفض قد يتراوح بين 800-1000 نقطة أساس في 2025.
التضخم: يرجح المحللون وصول التضخم السنوي إلى ما يتراوح بين 16-24% في عام 2025، بدعم كبير من تأثيرات سنة الأساس.
سعر الصرف: تباينت توقعات سعر الصرف في العام المقبل، فبينما يرجح غالبية المحللين أن يتداول الجنيه عند مستوى بين 53-58 أمام الدولار بنهاية العام المقبل، يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن التحديات الراهنة قد تنخفض بقيمة الجنيه خلال العام المقبل إلى مستويات ما بين 60 و70 للدولار الواحد، ما قد يشكل ضغوط تضخمية أوسع نطاقا.
تقدر إجمالي الالتزامات الخارجية لمصر بنحو 33.2 مليار دولار خلال عام 2025، وما يقرب من 55 مليار دولار إجمالا حتى نهاية عام 2026، بحسب تقديرات الأهلي فاروس، التي ترى أنه ينبغي تمويل الالتزامات المرتفعة إما من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو المزيد من الاقتراض، مما يجعل صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الضخمة الأخرى أو صفقات بيع الأصول أمرا لا مفر منه، بما يساعد على استقرار الاقتصاد على المدى القصير.
الاتفاق مع صندوق النقد الدولي: تتفاوض الحكومة مع صندوق النقد الدولي بشأن تأجيل المواعيد النهائية للإصلاحات الرئيسية، وفقا لما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز. كما أشارت تقارير محلية إلى أن المفاوضات تطرقت أيضا إلى تمديد الإطار الزمني للبرنامج، أو إيقاف بعض الإجراءات المطلوبة لمدة عام واحد لتشجيع النمو وخفض أسعار الفائدة، أو الإبقاء على متطلبات البرنامج كما هي، حسبما أوردت تقارير محلية، بحسب الأهلي فاروس.
وسط حاجة إلى المزيد من الإصلاحات الهيكلية: يمكن إطلاق المزيد من الإمكانات الصاعدة إذا نفذت الحكومة المزيد من الإصلاحات الهيكلية لمعالجة المشاكل الأساسية، ولا سيما العجز المزدوج (عجز الحساب الجاري وعجز الميزانية)، بما في ذلك المزيد من التسوية لكل من الكيانات العامة والقطاع الخاص، ووضع سياسة ضريبية مستقرة، ومراجعة تسعير الطاقة للقطاع الصناعي وخاصة المصدرين، وتعزيز الحوكمة والقدرة على التنبؤ بالسياسات الاقتصادية، بحسب الأهلي فاروس.