Posted inرسالة من المشرق

عام الأسرة يضع استدامة الثروات في صدارة أولويات المؤسسات

تشكل مبادرة عام الأسرة في الإمارات دعوة صريحة للمؤسسات لتبني رؤية تتجاوز الحسابات ربع السنوية؛ إذ تركز على مبادئ الرعاية والترابط والقيم الإيجابية والتواصل بين الأجيال، وذلك تماشيا مع الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031. وإذا كانت حلول الادخار والتأمين والتمويل تعد المدخل الطبيعي للبنوك للتعامل مع أهداف المبادرة، فإن الأمان الحقيقي للأسر يرتبط بعوامل تتخطى حدود الخدمات المصرفية التقليدية.

لنبدأ بالأسرة ذاتها. عادة، تقوم الأسرة بالتخطيط لمسؤوليات متعددة، تشمل الزواج، وتأمين المسكن، وتكاليف التعليم، ورعاية الأقارب، والتقاعد، وتحديد ما سيتم توريثه للأجيال القادمة. وهنا يلعب الادخار، وبرامج التأمين المناسبة، والتسهيلات الائتمانية المسؤولة، إلى جانب الدراية بإدارة الشؤون المالية، دورا محوريا في تجاوز التحديات.

غير أن مسألة الإرث تزداد تعقيدا حال دخول الجانب التجاري في المعادلة. تتفاوت أحجام الشركات العائلية بين المشروعات الناشئة والمؤسسات الكبرى. وفي جميع الأحوال، لا تقتصر التركة على انتقال الأصول والأسهم؛ بل تمتد لتشمل ثقافة المؤسسة وآليات التشغيل ورصيد العلاقات والخبرة في إدارة الأزمات، وهي مقومات لا تنتقل تلقائيا، بل تتطلب تخطيطا لتعاقب الأدوار القيادية ونظم حوكمة فعالة وثقافة مالية ونقلا منهجيا للخبرات.

ربما سمعت عن "قاعدة الأجيال الثلاثة"، والتي تفترض أن ثروات الأسر نادرا ما تصمد لتصل إلى الأحفاد؛ وهي مقولة تستوجب التعامل معها بحذر. إذ يشير باحثون في كلية هارڤارد للأعمال إلى أن هذا المفهوم غالبا ما يفهم بشكل خاطئ، وأنه يستند في معظمه إلى دراسة أجريت قبل عقود. ومع ذلك، لا تزال الأسر بحاجة إلى التخطيط لمسألة انتقال الثروة، ويمكن للبنوك المساعدة في ذلك من خلال برامج التوعية المالية وإجراء النقاشات المبكرة ووضع آليات لنقل الثروة على نحو آمن.

علاوة على ذلك، يرتبط مستقبل الجيل الجديد بالبيئة التي ينشأ فيها. فوفقا لمنظمة اليونيسف، يمكن للضغوط البيئية وتلك المرتبطة بالمناخ أن تعيق الحصول على الغذاء الصحي والمياه النظيفة، وتزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض، وتضر بالبنية التحتية والمنازل، وتضعف كفاءة أنظمة الرعاية الصحية والتعليمية. ويعد الأطفال، الذين لا يزالون في مرحلة النمو ويعتمدون على البالغين من حولهم، الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر.

وهنا تبرز أهمية تمويل مشروعات الإسكان المستدام والبنية التحتية وكفاءة الطاقة والمياه وخدمات الرعاية الصحية والتعليم ودعم الشركات الصغيرة في مساعدة الأسر على مواجهة تلك الضغوط. على صعيد الحياة اليومية، يتحقق استقرار الأسرة بمقومات أساسية: إمدادات مياه موثوقة منازل مجهزة لمواجهة حرارة الطقس ومراكز طبية قريبة ومشروعات مستدامة.

وفي هذا السياق، يعيد التخطيط طويل الأجل تعريف مفهوم الرخاء؛ فالمال مهم ولكن الثقة والصحة والتعليم والشعور بالأمان في المستقبل لا تقل عنه أهمية. ولا يقتصر إرث الأسرة على ما تملكه فحسب، بل يمتد ليشمل قدرة الجيل القادم على إدارته، ومدى جاهزية المنظومة التي يرثونها للبناء عليها.

ومن هنا، يقف القطاع المصرفي أمام سؤال جوهري: ما تأثير قراراتنا التمويلية على الأسر؟ إذا كانت هذه القرارات تساعدها على تجاوز الصدمات والتخطيط للمستقبل ومنح أبنائها حياة أفضل، فإننا نكون قد أدينا دورنا على أكمل وجه.

فيصل الشمري، رئيس الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، المشرق