Posted inرسالة من المشرق

مردود "البعد الاجتماعي" في الاستدامة: حين تتحول الالتزامات إلى أثر ملموس

البعد الاجتماعي هو الجانب الذي ينعكس فيه أثر الاستدامة على حياة الأفراد؛ عبر إتاحة فرص متكافئة، وتوفير بيئة عمل عادلة، وتعزيز الشمول المالي، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وترسيخ الأمان، وبناء مجتمعات أقوى. لذا، لا تكتفي المؤسسات المالية بالتعهدات النظرية؛ فالإنجاز الحقيقي يقاس بقدرة قراراتها المتعلقة برؤوس الأموال والتحول الرقمي وتطور الوظائف على تحقيق أثر ملموس في هذه المجالات.

يضاعف الذكاء الاصطناعي حجم التحدي. فبينما يفتح آفاقا جديدة للنمو ويرفع معدلات الإنتاجية، فإنه يعيد تشكيل الوظائف والمهارات المطلوبة. ومن ثم، فإن أي خطة تركز فقط على تحقيق الوفورات التشغيلية تغفل السؤال الأهم: هل ينعكس هذا التحول إيجابا على معيشة الأفراد؟

وهنا تتجلى أهمية مفهوم الثورة الصناعية الـ 5 الذي أطلقته المفوضية الأوروبية لتطوير ركائز الثورة الصناعية الـ 4، مستندة إلى 3 أولويات: تلبية احتياجات الإنسان، والاستدامة، والمرونة. يضع هذا المفهوم رفاهية العاملين وتنمية مهاراتهم وتمكينهم في صدارة الأولويات ضمن أطر بيئية محددة، انطلاقا من مبدأ راسخ: التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وليس العكس.

يرتبط الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بمستقبل الكوادر البشرية. فعندما تتسبب التكنولوجيا في تغيير طبيعة الوظائف أو إلغائها، يتعين على القيادات الاستثمار في تطوير وإعادة تأهيل المهارات وتيسير التنقل الوظيفي، وإعداد خطط عمل تضمن مشاركة الموظفين في العائد الذي تحققه التكنولوجيا. وعندما يدمج هذا التحول مبكرا ضمن استراتيجية المؤسسة وخطط تبني الذكاء الاصطناعي، فإنه يتحقق بأقل كلفة؛ بينما يتسبب تأجيله في مضاعفة الأعباء المالية والأضرار الوظيفية.

عندما يدار هذا التحول بكفاءة، فإنه يعزز النمو. فمع تطور المؤسسات، يسهم إعادة تأهيل المهارات وتولي مهام وظيفية مختلفة في استثمار الخبرات التراكمية في أدوار جديدة. ورغم أهمية التعيينات، فإن الاستجابة لاحتياجات العمل الجديدة لا تعني دوما استقطاب كوادر من الخارج.

ينطبق هذا التوجه على الشركات التي نمولها خلال تحولاتها الرقمية. إذ لا تقتصر استراتيجياتنا للتمويل المستدام على تقييم الإنتاجية والأداء البيئي فحسب، بل نراعي أيضا مدى حمايتها لسبل عيش الأفراد وتطوير مهاراتهم وتأمين احتياجاتهم المالية.

على صعيد القوائم المالية، يتجسد "البعد الاجتماعي" في مشروعات وتمويلات فعلية. يدمج الشمول المالي شرائح أوسع داخل الاقتصاد الرسمي، كما أن تمويل قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان ميسور التكلفة يعزز الخدمات الأساسية، في حين يساعد دعم الشركات الصغيرة في حماية سبل العيش وتعزيز مرونة الاقتصاد المحلي. عند دمج الأثر الاجتماعي ضمن هياكل التمويل، تبرز الحاجة إلى مقاييس ذات صلة تتسم بالشفافية ومكفولة بأدلة واضحة.

تمتلك البنوك الأدوات اللازمة، مثل تخصيص رأس المال، وتقييم المخاطر، والتمويل طويل الأجل، وبناء الشراكات؛ لكن العبرة بكفاءة استخدامنا لهذه الأدوات. فالمصداقية تستمد من النتائج الفعلية التي تحققها هذه القرارات، وليس المصطلحات المعتمدة في تقارير الاستدامة.

هناك سؤال جوهري يختصر كل ذلك: من هو الطرف الأكثر قدرة على النمو بفضل هذه القرارات؟ إذا كان من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، فهذا دليل على اتساع الفجوة بين التقارير المعلنة والأثر الفعلي. فالبعد الاجتماعي لا يتحقق إلا عندما يلمس الأفراد مردودا إيجابيا في أعمالهم ومهاراتهم وأوضاعهم المالية ومجتمعاتهم.

فيصل الشمري، رئيس الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، المشرق