تجاوزت رأس الخيمة خطر خفض تصنيفها الائتماني، على الأقل في الوقت الحالي؛ إذ ثبتت وكالة فيتش تصنيف الإمارة عند +A، واستبعدتها من مراجعة خفض التصنيف، لكنها أبقت على نظرتها المستقبلية السلبية، وفق ما ورد في بيان للوكالة. وجاء هذا القرار في ظل استمرار الصراع الإقليمي وما يحمله من تهديدات لآفاق النمو القائم على السياحة والاستثمار، التي كانت وراء رفع تصنيفها خلال عام 2024. وأوضحت فيتش أن المخاطر المباشرة المرتبطة بالحرب هدأت منذ شهر أبريل الماضي، غير أن تقييم تداعياتها على الوضع الائتماني للإمارة "سيستغرق وقتا أطول".
لا تؤثر الحرب في رأس الخيمة تأثيرا مباشرا، لكن تداعياتها تمس القطاعات الحيوية لاقتصاد الإمارة؛ لا سيما أنها غير مصدرة للنفط والغاز، ومن ثم فإن تأثرها بالحرب ينبع في الأساس من تراجع حركتي التجارة والسياحة وارتفاع تكاليف المدخلات، فضلا عن تأثر موانئها وأنشطتها البحرية والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وتفترض وكالة فيتش أن القيود المفروضة على حركة العبور عبر مضيق هرمز ستشهد انفراجة خلال النصف الأول من عام 2027، ما سيتيح تعافيا تدريجيا لحركة التجارة والسفر في المنطقة.
صحيح أن النمو تباطأ بشدة، لكن اقتصاد رأس الخيمة صمد بشكل أفضل مما توقعته فيتش. وتتوقع الوكالة حاليا أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.5% هذا العام، نزولا من 6% في عام 2025، لكنها تظل توقعات أفضل من تقديراتها السابقة بأن تسجل الإمارة انكماشا بنسبة 1.8%. كما أسهم الطلب المحلي القوي وزيادة النشاط الاقتصادي بين دول الخليج في التخفيف من حدة التباطؤ خلال النصف الأول، لا سيما في قطاع التعدين والمناطق الاقتصادية. من المتوقع كذلك أن يتعافى النمو ليبلغ 5% في 2027 و4.5% في 2028، وهي معدلات تظل أقل بكثير من المتوسط البالغ 7.5%، الذي توقعته فيتش لعامي 2026 و2027 قبل نشوب الصراع.
ثم نأتي إلى مشروع جزيرة المرجان الذي يفرض نفسه على المشهد، والذي كان له نصيب هو الآخر من تداعيات الصراع الإقليمي: ارتفعت ميزانية مشروع منتجع شركة وين في جزيرة المرجان مقارنة بنحو 5.1 مليار دولار قبل الصراع، نتيجة ارتفاع التكاليف جراء الحرب والتحسينات التي شهدها المشروع، في حين أدت اضطرابات الشحن وسلاسل التوريد إلى تأجيل موعد افتتاحه من الربع الأول من 2027 إلى سبتمبر 2027. ومع أن الصراع تسبب في تأخير طفيف لموعد افتتاح المشروع الذي تصفه فيتش بأنه "مشروع استثماري قد يُحدث تحولا جذريا"، فإن تراجع التدفقات السياحية الأجنبية قد يهدد نجاحه.
يلقي هذا التأخير بظلاله على الإيرادات الحكومية أيضا؛ فقد أُرجئت التوقعات بدعم الموازنة من إسهامات الضرائب المفروضة على أنشطة الألعاب والرسوم السياحية، وغيرها من الإيرادات المرتبطة بالوجهات السياحية، إلى عام 2028 على أقل تقدير، بل وتتوقع فيتش أن تأتي هذه الإيرادات أقل من تقديراتها السابقة. وتحذر الوكالة من أن جاذبية رأس الخيمة بالنسبة للسياح الأجانب أصحاب الإنفاق المرتفع الذين تستهدفهم الإمارة "تظل مرهونة بالأوضاع الأمنية في المنطقة".
الموازنة تتعرض لضغوط.. لكنها تظل متماسكة: تتوقع فيتش أن تتحول موازنة رأس الخيمة من تسجيل فائض قدره 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى عجز بنسبة 1.2% خلال عام 2026، نتيجة لضعف إيرادات التجارة وأرباح الشركات الحكومية وحصيلة ضريبة القيمة المضافة ومبيعات الأراضي. لكنها ترجح عودة الموازنة إلى التوازن في عام 2027، قبل تحقيق فائض قدره 2.8% في عام 2028. ومن المنتظر أن يبقى دين القطاع العام عند نحو 11% فقط من الناتج المحلي الإجمالي حتى عام 2028، وهو مستوى يقل بكثير عن متوسط 59% للدول الحاصلة على تصنيف A، في حين تبلغ الودائع الحكومية حوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي.
كذلك تستند رأس الخيمة إلى القوة المالية لدولة الإمارات. وتوضح فيتش أن ربط الدرهم بالدولار والاحتياطيات الخارجية والأصول السيادية لإمارة أبوظبي تدعم التصنيف الائتماني للإمارة، إلى جانب ما تنفقه الحكومة وحصة رأس الخيمة من الإيرادات المشتركة، ومنها ضريبة القيمة المضافة. ولذا فإن هذه العوامل توفر قدرا من الحماية من الصدمات التي قد يتعرض لها اقتصاد الإمارة.
تذكر: تبدو وكالة ستاندرد آند بورز أقل تشاؤما؛ إذ ثبتت تصنيف الإمارة في الشهر الماضي عند A/A-1 مع نظرة مستقبلية مستقرة، رغم خفضها توقعات النمو إثر ضعف التجارة الدولية والسياحة. وتتوقع ستاندرد آند بورز نموا بنسبة 1.8% هذا العام، وهو أعلى بقليل من توقعات فيتش البالغة 1.5%.
متى تحسِّن فيتش نظرتها المستقبلية؟ تبحث الوكالة عن مؤشرات تؤكد أن الصراع لم يؤثر بدرجة كبيرة في آفاق النمو والإيرادات على المدى المتوسط، مما يدعم خطط توسع رأس الخيمة. وفي المقابل، من شأن استمرار المخاوف الأمنية في المنطقة وتأثيرها على الاستثمار والسياحة، أو ظهور أدلة على أن الصراع أضعف النمو والإيرادات بشكل دائم، أن يضع تصنيف الإمارة تحت ضغوط متجددة.