Posted inالخبر الأبرز اليوم

فجوة تمويل الشركات الناشئة في الإمارات تمتد إلى الجولات اللاحقة

تراجع عدد جولات الفئة "أ" إلى النصف خلال النصف الأول من العام مع انخفاض مساهمة المستثمرين الأجانب في التمويلات، ما يضع عبئا أكبر على الصناديق الإقليمية لدعم الشركات الناشئة في مراحل التوسع

تواصل الشركات الناشئة الإماراتية جمع تمويلات ضخمة، إلا أن انتقالها إلى جولات التمويل التالية أمر مختلف تماما. فقد انخفض عدد الجولات التمويلية من الفئة "أ" إلى النصف خلال النصف الأول من عام 2026، رغم استمرار ارتفاع الحصيلة الإجمالية للتمويل بفضل الصفقات الكبيرة، وفقا لبيانات منصة ماغنيت التي شاركتها مع نشرة إنتربرايز الصباحية. ولا يزال المستثمرون الدوليون حاضرين في المشهد، غير أن مساهمتهم في جولات الفئة "أ" تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من خمس سنوات، ما يضع على عاتق المستثمرين الإقليميين مهمة مساندة الشركات الناشئة التي تواجه بالفعل صعوبة لتجاوز مرحلة التمويل التأسيسي.

تخفي الأرقام الإجمالية الكبيرة مدى التراجع الراهن في عدد الصفقات؛ إذ جمعت الشركات الناشئة الإماراتية 895 مليون دولار في النصف الأول من العام، بزيادة سنوية بلغت 53%، لكن انخفض عدد الصفقات بنسبة 37%، وفق تقرير صادر عن منصة ماغنيت للنصف الأول من العام. وتراجعت تمويلات الفئة "أ" بنسبة 20% مع انخفاض عدد الجولات التمويلية إلى النصف، واستحوذت شركات الذكاء الاصطناعي على نحو 60% منها، حسبما صرح فيليب بحوشي، مؤسس منصة ماغنيت ورئيسها التنفيذي، في تعليق لنشرة إنتربرايز. كما ارتفعت تمويلات الفئة "ب" رغم استقرار عدد الصفقات، مما يشير إلى توجيه استثمارات أكبر إلى عدد محدود من الشركات. وفي المجمل، مثلت المرحلتان مجتمعتين خُمس التمويلات في الإمارات فحسب.

لكن المشكلة أعمق من تراجع عدد جولات النصف الأول: بالنسبة للشركات الناشئة الإماراتية التي جمعت تمويلات في مراحلها المبكرة بين عامي 2015 و2025، لم تنجح سوى 10.6% فقط من تلك الشركات في الوصول إلى مرحلة جولات الفئة "أ"، وفقا لتحليل ماغنيت عن التمويلات على مدار السنوات العشر الماضية. ومن بين هذه الشركات، نجحت نحو 23% فقط منها في جمع تمويلات من الفئة "ب". ويعني انخفاض عدد الشركات التي تصل إلى مرحلة جولات الفئة "أ" اليوم قلة عدد الشركات التي ستصل إلى مرحلة النمو بعد عامين أو ثلاثة أعوام من الآن.

يعني هذا أن الكيانات الممولة "صارت اليوم تركز أكثر على تمويل الشركات عند التأسيس مقارنة بمراحل النمو التالية"، حسبما علق فيكتور سونير، شريك استثمارات النمو في شركة نواة كابيتال، في تصريح لنشرة إنتربرايز.

غياب المستثمر الرئيسي

المستثمرون الأجانب ما زالوا حاضرين، لكنهم يستثمرون أموالا أقل: شكل المستثمرون الدوليون 55% من المشاركين في جولات الفئة "أ" بالإمارات خلال النصف الأول، وهي نسبة قريبة من مستويات عام 2025، لكنهم استثمروا نحو 35% فقط من إجمالي رؤوس الأموال، وفقا لبحوشي. وفي جولات الفئة "ب"، استقرت حصتهم عند النصف تقريبا سواء من حيث عدد المستثمرين أو حجم رؤوس الأموال، بما يتماشى مع المستويات المعتادة.

وتكمن الفجوة الحقيقية في غياب من يقود الجولات التمويلية، فالمنطقة زاخرة بعدد من المكاتب العائلية وصناديق النمو والمؤسسات القادرة على المشاركة في جولات تمويلية كبيرة، حسبما يوضح سونير، لكن عددا أقل بكثير مستعد لقيادة هذه الجولات منذ البداية وإجراء الفحص النافي للجهالة وتحديد التقييم وجذب المستثمرين الآخرين للمشاركة في الجولة. وبالتالي قد ينجح مؤسسو الشركات الناشئة في جذب اهتمام عدد من المستثمرين، دون وجود مستثمر مستعد لقيادة الجولة وبدء عملية جمع التمويل فعليا.

كما أن بعض المستثمرين القادرين على قيادة هذه الجولات لا يعرفون حتى بوجود هذه الشركات: فيقول فارون ريكي، المختص بالاستثمار في الشركات بمراحل النمو لدى شركة سبيد إنفست الأوروبية لرأس المال المغامر، إن بعض الشركات الإماراتية التي تنمو أعمالها بمعدل 3-4 مرات سنويا لا تزال مجهولة إلى حد كبير بالنسبة للصناديق الكبرى في الخارج. ويرى أن هذه الفجوة المعرفية، إلى جانب صعوبة إقناع المستثمرين بجدوى الفرص المتاحة، من أبرز العقبات أمام جذب رؤوس الأموال الدولية.

وهذا يضع المؤسسين أمام حلقة مفرغة: إذ يقول ريكي إن "مستثمري الفئة "أ" يطلبون من المؤسسين العودة إليهم لاحقا بعد تحقيق المزيد من النمو"، غير أن الشركات الناشئة غالبا ما تحتاج إلى تمويل إضافي لتحقيق هذا النمو من الأساس. ويتوقع ريكي أن تسفر هذه الفجوة عن زيادة الجولات التمويلية الجسرية وجولات ما قبل الفئة "أ".

هل يستطيع رأس المال الإقليمي سد هذه الفجوة؟

نظريا، تدخل المستثمرون الإقليميون بالفعل لسد الفجوة؛ إذ ارتفعت مساهمتهم في تمويل الشركات الناشئة الإماراتية من نحو 20% في عام 2025 إلى أكثر من 80% في النصف الأول من 2026، وفقا لبحوشي. وقدم هؤلاء المستثمرون أكثر من 60% من رؤوس أموال الفئة "أ" وما يقرب من نصف تمويلات الفئة "ب".

لكن الجزء الأكبر من هذه التمويلات جاء من عدد محدود من الصفقات الكبيرة: فقد شكلت 3 صفقات مدعومة من شركة بلو فايف كابيتال نحو 60% من إجمالي التمويلات الإماراتية في النصف الأول، بما في ذلك جولة تمويل شركة كارغو إكس البالغة 250 مليون دولار، وجولة شركة مال البالغة 230 مليون دولار، وفقا لما أوردناه سابقا. وباستبعاد هذه الاستثمارات، تعود الحصة الأجنبية من إجمالي التمويلات الإماراتية إلى متوسطها المسجل خلال السنوات الخمس الماضية، كما يوضح بحوشي. وهذا لا ينفي أن التحول نحو التمويل الإقليمي في جولات الفئة "أ" حقيقي، إلا أن الأرقام الإجمالية تبالغ في تصوير حجم التغير الفعلي في مزيج المستثمرين.

قدرة رأس المال الإقليمي لها حدود: يرى سونير أن "الصناديق الإقليمية لا تمتلك حاليا القوة المالية الكافية لسد الفجوة بمفردها". صحيح أن شركات رأس المال المغامر التي تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها نحو 1.45 مليار دولار من السيولة الجاهزة للاستثمار، وهو ما يعادل 88% مما جمعه 17 صندوقا منذ عام 2024، وفقا لبيانات ماغنيت التي سلطنا الضوء عليها في أغسطس، لكن هذه الأموال موزعة بين استراتيجيات وأسواق ومراحل استثمارية مختلفة، وليست مخصصة حصريا لجولات النمو في الإمارات.

والتحدي الأكبر يتعلق بالشركاء المحدودين، وهم المؤسسات والأفراد الذين يدعمون صناديق رأس المال المغامر؛ إذ يفضل هؤلاء استراتيجيات التمويل التأسيسي، بدلا من توجيه أموالهم نحو صناديق النمو التي ستحتاج إليها شركات محافظهم الاستثمارية في نهاية المطاف، وفقا لسونير، في حين يفضل البعض الاستثمار مباشرة في الجولات المتقدمة "للاستفادة من العوائد الأعلى". كما أن ندرة التخارجات تزيد الوضع سوءا؛ إذ سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 16 صفقة دمج واستحواذ فقط للشركات الناشئة في النصف الأول، بانخفاض سنوي نسبته 56%، بحسب ماغنيت، مما يقلص المسارات المضمونة المتاحة للشركاء المحدودين لاسترداد أموالهم.

وتحاول شركة نواة تجاوز هذه الفجوة صفقة تلو الأخرى؛ إذ كونت الشركة تحالفا استثماريا لتمويل الشركات في مراحل النمو، يجمع المكاتب العائلية والمستثمرين الآخرين في صفقات فردية، مما يتيح تجميع استثمارات أكبر مع منح المشاركين مرونة في اختيار الشركات التي يدعمونها. ويشير سونير إلى أن البرنامج نفذ ثلاثة استثمارات حتى الآن ويهدف لدعم 6-8 شركات.

كذلك يمكن لرأس المال الإقليمي أن يمهد الطريق أمام الاستثمارات الأجنبية بدلا من أن يحل محلها؛ وهنا يشير ريكي إلى شركات إدارة الاستثمار مثل كي كابيتال وكوتو وآربور فينتشرز وبيلد، التي تربط الشركات الناشئة الإقليمية بالصناديق العالمية. وتقدم شركته نموذجا من نوع آخر؛ إذ يستهدف صندوق سبيد إنفست لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، المدعوم من شركة مبادلة وجهاز قطر للاستثمار وذراع الاستثمار الخارجي للبنك الأوروبي للاستثمار "إي آي بي غلوبال"، ضخ استثمارات أولية تبلغ نحو 5 ملايين دولار في الجولات التمويلية من الفئة "أ" و"ب" بالأخص، وهما المرحلتان اللتان تتسع فيهما فجوة التمويل مقارنة بباقي الجولات. ويضيف سونير أن "المستثمرين السياديين يمكنهم [أيضا] إحداث فرق حقيقي من خلال الاضطلاع بدور المستثمر الرئيسي في الجولات التمويلية وجذب رؤوس أموال أكبر".

التمويل مستمر.. لكن لعدد محدود من الشركات

بخلاف شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، كانت كيبر من الشركات التي نجحت في إتمام جولة تمويلية في مراحل النمو المبكرة خلال العام الماضي، ، وشهدت تلك الجولة مزيجا من المستثمرين الأجانب والإقليميين. فقد جمعت شركة تكنولوجيا العقارات 11 مليون دولار في يوليو في جولة قادتها سبيد إنفست، لتصبح أول مستثمر دولي يتولى قيادة جولة تمويلية للشركة، إلى جانب مستثمرين إقليميين واستراتيجيين، من بينهم الذراع الاستثمارية لبنك المشرق والبنك العربي الوطني وصندوق حي دبي للمستقبل وبروبرتي فايندر وإلينغتون العقارية. وجاء هذا الاستثمار في أعقاب جولة تمويلية سابقة من الفئة "أ" بقيمة 4 ملايين دولار.

وقد حملت سبيد إنفست على عاتقها العبء الأكبر لقيادة تلك الجولة؛ إذ أمضت الشركة نحو عام في التعرف على المؤسسين قبل قرار الاستثمار، حسبما يقول ريكي، مشيرا إلى أن ذلك القرار جاء مدفوعا بالإعجاب بتركيز شركة كيبر على الملاك بدلا من مجرد زيادة عدد المستأجرين، إلى جانب المقومات الأساسية الإيجابية للسوق العقارية الإماراتية. ويضيف: "بالنسبة لي، كانت كيبر في البداية رهانا على السوق الكلي، وعندما تعمقت في أعمالها وجدتها شركة تتمتع بأداء تشغيلي قوي". غير أن عددا قليلا من المستثمرين الإقليميين مستعد لقضاء كل هذه الفترة الطويلة في التقصي والتقييم على غرار ما فعلته سبيد إنفست، حسبما يرى سونير. كما اختلفت أولويات المستثمرين الأجانب والإقليميين أثناء طرح الأسئلة أثناء فترة التقصي، وفقا لما ذكره عمر أبو عناب، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، موضحا أن "المستثمرين الدوليين كانوا يقيمون السوق والشركة معا. أما المستثمرون الإقليميون، فكانوا على دراية تامة بالسوق بالفعل، ولذلك انصب تركيزهم على تقييمنا نحن".

واقع جديد لجمع التمويل

طريقة ترويج الشركات لنفسها تغيرت: "قبل ثلاث سنوات، كانت خطة التوسع الإقليمي تعد بمثابة ميزة إضافية عند عرض الشركة على المستثمرين، أما اليوم، فأصبح السؤال الأهم عما إذا كنت قد استنفدت فرص النمو في السوق التي تعمل بها بالفعل"، حسبما قال أبو عناب. ويلاحظ سونير التحول ذاته من جانب المستثمرين؛ صحيح أن نمو الإيرادات لا يزال مهما، لكن التركيز بات يمتد إلى معدلات الاحتفاظ بالعملاء، وهوامش الربح، والعائد على نفقات جذب العملاء، ووجود مسار واضح نحو تحقيق الأرباح.

وحتى النمو القوي لم يعد يضمن إتمام جولات التمويل سريعا: إذ يقول ريكي إن طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية تعيد تشكيل توقعات النمو في مختلف القطاعات، مما يجعل الشركات التي تنمو بنسبة تتراوح بين 70-100% سنويا تستغرق من أربعة إلى ستة أشهر لإتمام الجولات التمويلية، وسط سعي المستثمرين لإعادة تقييم معدلات النمو وحجم الفريق وسرعة التنفيذ.

لا ينبغي للمؤسسين التعويل على عودة سهولة التمويل: ينصح سونير الشركات الناشئة بتخصيص وقت أطول لإتمام الجولات التمويلية، وجمع أموال كافية لتعزيز أعمالها بشكل ملموس، وتجنب تشتيت رؤوس الأموال على عدد كبير من الأسواق أو المنتجات. ويضيف: "ينبغي النظر إلى أي انتعاشة واسعة في نشاط جمع التمويلات على أنها ميزة إضافية، وليست شرطا أساسيا تعول عليه الشركة لمواصلة أعمالها".

ختاما، يبدو أن النصف الثاني سيشهد المزيد من الاستثمارات الكبيرة المتركزة في شركات بعينها. فيوضح بحوشي أن "إجمالي التمويلات قد يظل مدعوما بالجولات الكبيرة لبقية العام". لكن المحك الحقيقي هو ما إذا كانت المزيد من الشركات الناشئة الإماراتية ستستطيع اقتناص حصة أكبر من التمويل خلال مراحل النمو، بدلا من استمرار استحواذ عدد محدود من الشركات الناضجة على تمويلات أضخم.