قد يحقق قطاع العقارات الإماراتي قيمة اقتصادية إضافية تصل إلى 53 مليار درهم بفضل تكنولوجيا العقارات، وفقا لورقة بحثية جديدة (بي دي إف) صادرة عن مركز دبي المالي العالمي ودائرة الأراضي والأملاك بدبي، إلا أن الإقبال المتزايد على تبني هذه التقنيات لم ينتظر إثبات جدواها المالية. وينطبق ذلك على فئة واسعة من التقنيات، تشمل برمجيات إدارة علاقات العملاء، والمباني المتصلة بتقنيات إنترنت الأشياء، وأدوات التكنولوجيا المالية، وصولا إلى التقنية الأحدث والأكثر إثارة للاهتمام، ألا وهي الذكاء الاصطناعي. وتختلف سبل تحقيق العوائد من تقنية إلى أخرى، إلا أن القطاع لم يتفق بعد على معيار لقياس العائد الذي تحققه أي منها.
السياق: تتطلع الحكومة إلى مضاعفة حجم سوق تكنولوجيا العقارات لتتجاوز 4.5 مليار درهم خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يمثل معدل نمو سنويا مركبا يبلغ 13.2%. وقد بلغت قيمة المبيعات العقارية في دبي وحدها 225.7 مليار درهم في النصف الأول من العام، فيما اقترب عدد المعاملات من 82 ألف معاملة، وفقا لبيانات شركة ريدين. وفي ظل هذه المعاملات الهائلة، فإنَّ تحقيق أي مكاسب إضافية في المعاملات حتى لو كانت طفيفة يعد مسألة تستحق السعي؛ إذ سيسفر ذلك عن مكاسب مالية كبيرة في المجمل.
عقلية الشراء تغيرت من التساؤل عن الجدوى إلى التركيز على السرعة: حين انطلقت منصة بروب سبيس في عام 2012، كان السؤال الجوهري حينها يدور حول مدى حاجة الوكالات العقارية لبرمجيات من الأساس، إذ كانت قوائم الوحدات لا تزال تُدار عبر جداول البيانات والملفات الورقية، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي باتريك كولفيلد في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية. لكنه أشار إلى أن الوضع تغير اليوم؛ فالوسطاء يبحثون عن وسائل أسرع لتوجيه العملاء المحتملين، ويرغب المطورون في متابعة الوحدات المطروحة عبر قنوات البيع المختلفة، فيما يعتمد الملاك على الأدوات الرقمية لحماية إيراداتهم من خلال متابعة مواعيد تجديد العقود والمتأخرات.
أين تتركز المكاسب الأكبر؟
تتركز معظم المكاسب التي يمكن قياسها حتى الآن في ثلاثة جوانب: استقرار التدفقات النقدية، وكفاءة تشغيل المباني، وخفض الأعباء الإدارية.
بالنسبة للتدفقات النقدية، تتمثل المكاسب في ضمان الإيجارات وحماية المدفوعات، حسبما أوضح راكيش مافاث، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة تاكيم لإدارة الإيجارات. فهذه التقنيات توفر تدفقات نقدية متوقعة وأكثر استقرارا للملاك، لأنها تتيح لفريق واحد إدارة محفظة عقارية أكبر بفضل الأتمتة، وبالتالي فإن التكاليف الإدارية لا ترتفع بصورة طردية مع حجم المحفظة.
أما على صعيد كفاءة تشغيل المباني، فيوضح سانديب جادواني، رئيس الاستشارات الاستثمارية في شركة إتش كابيتال ليمتد، أن أحد المطورين في الإمارات يعتمد على أكثر من 75 تقنية متصلة عبر 2.5 مليون سجل للمشاريع شهريا، مما ساهم في الحد من أخطاء التصميم وتجنب إعادة تنفيذ أعمال البناء، فضلا عن متابعة استهلاك الطاقة وأعطال المعدات. كما أن الأنظمة الذكية للتدفئة والتهوية وتكييف الهواء، وأجهزة كشف التسرب، وإنترنت الأشياء الصناعي، والصيانة التنبؤية، كل هذا يسهم في خفض استهلاك الطاقة، والإصلاحات الطارئة، وفترات التوقف، إلى جانب تقليل العبء الإداري. وتعد تكاليف التبريد والمياه والصيانة من بين أعلى تكاليف التشغيل في الإمارات، وهو المجال الذي يرى فيه جادواني الفرصة الأفضل لتوظيف الصيانة التنبؤية.
وعلى مستوى الوساطة العقارية، يرى كولفيلد أن التأثير المالي الأبرز يتجلى في التعامل مع العملاء المحتملين وعمليات التأجير. ويوضح أن الاستجابة السريعة تحسن العائد على الأموال المنفقة بالفعل في جذب العملاء، كما تساعد المتابعة المبكرة للمتأخرات ومواعيد تجديد العقود مديري العقارات على التدخل قبل خسارة الإيرادات.
لكن المشكلة الأكبر أمام قطاع تكنولوجيا العقارات لا تزال غياب معيار النجاح: فمعدلات التحميل والاستخدام والنشاط على لوحات المتابعة لا تكشف وحدها ما إذا كانت التكنولوجيا تحقق عائدا أفضل وتخفض تكاليف العقارات فعليا. ويرى جادواني أنه ينبغي التركيز على مؤشرات مثل إعادة تنفيذ الأعمال وطلب التعديلات وتكاليف البناء ومدى الالتزام بالجداول الزمنية، بينما يجب على الملاك قياس استهلاك الطاقة والصيانة الطارئة ونسب الإشغال ومعدلات الاحتفاظ بالمستأجرين وصافي الدخل التشغيلي. وفي هذا السياق، يؤكد كولفيلد أن الاختبار الأبسط هو الأفضل دائما، قائلا: "المهم ليس ما ينجزه البرنامج، بل التكلفة التي أتكبدها اليوم لإنجاز هذه المهمة يدويا".
الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية الوسطاء.. لكنه لا يقلل التكاليف بالضرورة
عند تقييم جدوى الذكاء الاصطناعي بشكل منفصل عن بقية تقنيات العقارات تصبح الصورة أكثر ضبابية. فقد كشف مسح تكنولوجي أجرته الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين لعام 2025 أن 68% من أعضائها يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل ما، إلا أن 17% فقط منهم أبلغوا عن ملاحظة تأثير إيجابي كبير، بينما أشار 46% إلى عدم وجود فرق ملحوظ. ورغم أن هذه البيانات مأخوذة من السوق الأمريكية، فإنها توفر معيارا مفيدا في ظل غياب الدراسات المماثلة في الإمارات.
ما المهام التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولاها؟ يمكنه التعامل مع تأهيل العملاء المحتملين والرد على استفساراتهم وترشيح العقارات المناسبة وغير ذلك من المهام الإدارية، مما يتيح للوسطاء التعامل مع حجم أكبر من الأعمال دون زيادة أعبائهم. ويفسر كولفيلد ذلك بقوله: "يستطيع الوسيط التعامل مع عدد أكبر من الاستفسارات بكفاءة، مع تقليل فرص فقدان العملاء بسبب بطء الاستجابة". ويضيف أن النتيجة تتمثل في انخفاض تكلفة إتمام الصفقة الواحدة، وليس بالضرورة انخفاض تكلفة جذب العميل المحتمل من الأساس، خاصة في دبي، حيث ما زال الوسطاء يعتمدون بكثافة على منصات العقارات ذات الخدمات المدفوعة.
أما على المدى الأبعد، فسيواجه الوسطاء الذين يقتصر دورهم بالأساس على إتاحة قوائم العقارات ضغوطا متزايدة. فمع اتجاه عمليات البحث والمطابقة نحو الأتمتة، يتوقع جادواني أن تتحول القيمة البشرية نحو تقديم المشورة والتفاوض وتوفير الخبرة المتخصصة. بعبارة أخرى، قد يقضي الوسطاء مستقبلا وقتا أقل في البحث عن المعلومات ووقتا أطول في تحليلها.
الذكاء الاصطناعي يحسن دقة التقييمات لكنه لا يلغي دور العنصر البشري
الأتمتة لها حدودها: توفر قواعد البيانات المتطورة للمعاملات العقارية في دبي أساسا أقوى للذكاء الاصطناعي في إجراء التقييمات العقارية مقارنة بمعظم الأسواق العالمية، إلا أن التنوع الكبير في المعروض العقاري بالمدينة يحد من المدى الذي يمكن أن تصله الأتمتة. ويشير كولفيلد إلى أن "عوامل مثل مستوى الطابق وإطلالات العقارات والتصميم الداخلي والتجهيزات وخطط السداد يمكن أن تحدث فروقا جوهرية في قيمة عقارين قد يبدوان متشابهين في قاعدة البيانات". كما تفتقر العقارات قيد الإنشاء غالبا إلى ما يكفي من المعاملات لإجراء مقارنات دقيقة.
ويتمثل الدور الأكثر واقعية للذكاء الاصطناعي في "الوصول إلى تقديرات سعرية أدق من خلال تحليل بيانات المعاملات والإيجارات والمواقع والمباني بشكل أسرع وأكثر اتساقا"، وفقا لما يراه جادواني. ويضيف قائلا: "لكن يجب أن يقدم الذكاء الاصطناعي نطاقا سعريا للتقييم، وليس رقما لا يعكس الواقع بدقة".
دبي تواكب الركب بالفعل: طرحت دائرة الأراضي والأملاك منصتها الجديدة للتسجيل المبدئي هذا الشهر، مستعينة بالذكاء الاصطناعي لقراءة المستندات واستخلاص البيانات ودعم معالجة المعاملات المستوفية للمتطلبات.
ماذا يحمل المستقبل؟
مع نضوج السوق، ستنجح شركات تكنولوجيا العقارات التي تصبح خدماتها جزءا من البنية التحتية الأساسية للقطاع؛ مثل خدمات المدفوعات الرقمية، وضمان الإيجارات، والتمويل، والتحقق من الهوية، وبيانات المعاملات، وأنظمة إدارة العقارات، حسبما يرى مافاث، أما الأدوات الأبسط، مثل القوائم المولدة بالذكاء الاصطناعي وبرامج الدردشة الآلية والمنصات الافتراضية والتحليلات الأساسية، فمن المرجح أن تُدمج ضمن المنصات الأكبر.
ويؤكد كولفيلد أن العامل الحاسم لاستمرار هذه التقنيات لا يتعلق بمدى تطورها، بل ما إذا كان الاستغناء عنها سيعرقل العمل أو يعطله تماما. وجدير بالذكر أن معظم الأدوات المذكورة هنا لم تُختبر بعد خلال دورة سوق كاملة حتى الآن. ومع استمرار ارتفاع أحجام المعاملات في دبي، ستكون الشهور الاثني عشر أو الثماني عشر المقبلة أول اختبار حقيقي لتحديد التقنيات التي ستنجح، وتلك التي ستُدمج أو تُستبعد. واختتم جادواني حديثه قائلا: "يتمثل الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت التقنيات تحقق مكاسب ملموسة يمكن تكرارها باختلاف الأصول ودورات السوق".