Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

مساع جديدة من المستثمرين لاستغلال الإمكانات المعطلة لحقوق الملكية الفكرية العربية

بدأت موجة من رؤوس الأموال الإماراتية تركز على حقوق الملكية الفكرية غير المستغلة في المنطقة، باعتبارها فئة جديدة من الأصول

بدأ خيار جديد يبرز على الساحة الإماراتية أمام المستثمرين؛ ألا وهو أغانيك وأفلامك المفضلة. إذ يتجه صندوقان لتأسيس أعمالهما في الإمارات هذا العام للاستثمار في حقوق الملكية الفكرية للمواد الترفيهية، مثل نصوص الأفلام وكتالوجات الموسيقى وأشكال وصور وأصوات الفنانين، تماما كما تستثمر الصناديق في العقارات. ويسعى أحد هذين الصندوقين إلى شراء حقوق الكتالوجات العربية الحالية لتعظيم الاستفادة منها، بينما يخطط الآخر لإنتاج أعمال ذات حقوق ملكية فكرية جديدة، متخذا من الإمارات قاعدة لأعماله.

تذكر: أسست شركة سيني ناو مقرها الرئيسي في الإمارات الشهر الماضي، ضمن مساعيها لتحويل حقوق الملكية الفكرية لصناعة السينما الهندية إلى أصول مرمزة، مستهدفة تأسيس صندوق بقيمة 150 مليون دولار، جمعت 60% منها بالفعل في الجولة الأولى. كما ستؤسس شركة "آي بي نيشن" بالإمارات منصة استثمارية تركز على حقوق الملكية الفكرية للموسيقى والمواد الترفيهية العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال الاستحواذ على كتالوجات الموسيقى العربية الشهيرة والحالية، وتعظيم إيراداتها عبر تحسين عمليات التحصيل والتوزيع وإعادة الترويج، مستهدفة استثمارات بملايين الدولارات.

كتالوجات عالية القيمة

تستند رؤية "آي بي نيشن" إلى أن حقوق الملكية الفكرية العربية لا تحقق العوائد المتوقعة منها. ويوضح الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة خوسيه ماريا دوت: "لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تفتقر إلى المؤسسات في هذا المجال مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء من آسيا. فهناك صناديق عالمية كبرى تركز على حقوق الموسيقى في أماكن أخرى، لكن المنطقة لا توجد بها بعد منصة واسعة النطاق مخصصة للاستحواذ على الكتالوجات المحلية الشهيرة وإدارتها". ويرى دوت أن الاستهلاك لم يكن أبدا هو العقبة، فالموسيقى العربية "دوما ما تنتشر عالميا"، وإنَّما ما ينقص المنطقة هو البنية التحتية اللازمة لتحصيل العوائد وإعادة استثمارها.

وبمجرد الاستحواذ على الكتالوجات يصبح النمو ممكنا عبر إعادة الترويج، من خلال إنتاج مزيج جديد منها، واستخدامها في الأعمال المرئية والإعلانية، وتنظيم العروض الحية. والمثال المفضل لدوت في هذا الصدد هو عرض آبا فوياج الهولوغرامي في المملكة المتحدة، والذي ساهم بنحو 2.1 مليار دولار في اقتصاد المملكة حتى نهاية العام الماضي، ما يثبت أن سقف أرباح الكتالوجات القديمة غير محدود. وبالنسبة للمستثمرين، تطرح "آي بي نيشن" نموذجا هجينا بدلا من مجرد التركيز على العوائد المباشرة، يجمع بين التدفقات النقدية المتكررة من الكتالوجات القديمة كتلك المحققة من مشروعات البنية التحتية، إلى جانب تحقيق عوائد من الإدارة النشطة للحقوق كما في حالة الاستثمارات المباشرة.

ليس مجرد صندوق.. وإنما منظومة متكاملة

تتخذ سيني ناو نهجا أقرب إلى شركات الإنتاج؛ إذ تستخدم رؤوس أموال المستثمرين لاستحداث منتجات ذات حقوق ملكية فكرية جديدة، ثم ترمز الصندوق الذي يمتلكها. وهذه الفكرة القائمة على الاستثمار في حقوق الملكية الفكرية الجديدة لا تشكل هاجسا لمدير الشركة روهيت دالميا كما قد يحدث مع أي ممول تقليدي، إذ يرى أن مخاطر دعم الأعمال التي لم تصدر بعد مأخوذة في الحسبان بالفعل ضمن استثمارات الشركة، لتستفيد بعد ذلك من استثمارها المبكر وحقوق الأعمال ومكاسبها إن تحولت إلى سلاسل في المستقبل.

والأكثر إثارة للاهتمام في نموذج سيني ناو بالإمارات هو ما تطلبه من المنتجين مقابل التمويل؛ فالأمر لا يقتصر على دعمهم بالأموال لإنتاج الأفلام في الهند، وإنما تشترط الشركة أيضا على جميع المنتجين الذين تتعاون معهم "تأسيس أعمالهم هنا ليكون لهم حضور اقتصادي ملموس"، حسبما أوضح دالميا، مضيفا: "السبب في ذلك أننا لا نمولهم في الهند، بل نمولهم محليا هنا". ويصف هذا النهج بأنه توليد للثروات وليس مجرد جذب لرؤوس الأموال، قائلا: "هذه ليست رؤوس أموال، ولا نفقات أو تدفقات نقدية، بل هي ثروات".

ويبدو أن هذا النهج يحظى باهتمام السلطات المحلية. إذ أوضح دالميا أن سيني ناو تجري محادثات متقدمة مع مجلس دبي للإعلام ومكتب أبوظبي للاستثمار، من أجل إبرام شراكة رسمية مدعومة من الحكومة، معربا عن أمله في إتمامها خلال الشهر الجاري.

لكن كيف يمكن ترميز الأصول الإبداعية؟

السؤال المحوري الذي تطرحه شركة سيني ناو يتعلق بكيفية تحديد سعر حقوق الملكية الفكرية. والترميز هدفه حل هذه المعضلة من خلال العرض والطلب. ويشرح دالميا ذلك قائلا: "كلما حقق فيلم نجاحا، ترتفع قيمة الرمز. وفي المقابل، إذا أخفق الفيلم، فقد تنخفض القيمة أو تظل مستقرة. وهذا يعكس مستوى الطلب على تلك الحقوق". أما ديفيد بينتليف، المساهم في مكتب غرينبرغ تراوريغ والمتخصص في قوانين الإعلام والترفيه والتكنولوجيا، فيطرح المشكلة ذاتها من منظور قانوني، قائلا إن "التقييم ينبغي أن يتسق مع الأرباح المعروضة"، وأن يتأثر بعدة عوامل تشمل "طلب الجمهور، والتوزيع، وانقضاء الحقوق"، إضافة إلى "النزاعات والانتهاكات ومعدلات الخصم".

ويوضح دالميا أن الخطوة الأولى قبل البدء في الترميز هي "التحديد الدقيق لما يمتلكه كل طرف، وفترة امتلاكه، والنطاق الجغرافي لذلك". بعدها يبدأ وضع هيكل استثماري لتنظيم هذه الحقوق وتحديد آلية تحصيل الإيرادات، وعملية استرداد التكاليف، وتوزيع العائدات. ويضيف أن "الرموز لا تخلق القيمة بطريقة سحرية، بل تستمد قيمتها في نهاية المطاف من الحقوق التعاقدية الأساسية والإيرادات التي تدرها حقوق الملكية الفكرية".

ويرى بينتليف أن شراء الرمز "لا ينقل في حد ذاته حقوق الطبع والنشر أو الملكية القانونية للعمل الإبداعي الأساسي". فما يحصل عليه حامل الرمز يعتمد كليا على الشروط المدونة، والتي "قد تتراوح من مشاهدة العروض الشخصية إلى امتلاك حقوق واسعة النطاق للتسويق التجاري وإنتاج الأعمال المشتقة". ويستشهد في هذا الصدد بمثاله المفضل من عالم كرة السلة، وهو التذكارات التي يحصل عليها المشترون من منصة "إن بي إيه توب شوت"، إذ يحوزون معها حقوقا محدودة خاصة باللقطات المرتبطة بتلك التذكارات، ولا يملكون اللقطات نفسها.

كما أن الترميز هنا يتعلق بالصندوق نفسه وليس حقوق الملكية الفكرية، فالمستثمرون "يمولون الشركة برأس المال لإنتاج حقوق الملكية الفكرية"، من خلال "التعاقد على النص واختيار الممثلين وطاقم العمل وتمويل جزء من مرحلة ما قبل الإنتاج"، مع تحديد آلية تخارج لاحقة عندما "يستثمر حملة الرموز على نحو مشابه للاكتتابات العامة"، وفقا لدالميا. وقد صُمم هذا النموذج ليكون مستداما أيضا، إذ يؤكد دالميا أن "الأمر لا يقتصر على صندوق واحد يستمر لست سنوات. فرأس المال يتدفق باستمرار، والعوائد تتحقق، ويعيد المستثمرون توجيه أموالهم نحو المجموعة التالية من حقوق الملكية الفكرية، ليصبح لديك دورة متكاملة".

الموقف القانوني

يرى بينتليف أن هناك تقدما حقيقيا يتحقق في المنطقة، لكنها لم تصل بعد إلى حالة النضج الكامل. ويقول إن "سنغافورة وسويسرا والمملكة المتحدة والإمارات" تبرز عالميا فيما يتعلق بتنظيم عمليات الترميز، مؤكدا أن "الإمارات تحديدا اتخذت خطوات مهمة على صعيد التنظيم والبنية التحتية لدعم هذا المجال". لكن التقدم التنظيمي لا يعني اليقين القانوني بالضرورة؛ فتحديد ما إذا كان الرمز سيُعامل كورقة مالية أم كوحدة في صندوق أم شيء آخر يتطلب "تحليلا مخصصا لكل حالة على حدة".

أما فيما يخص شركة "آي بي نيشن"، فلا ترتبط البنية التحتية بقانون الترميز، وإنما بعمليات التحصيل. ويشير دوت إلى منظمات الإدارة الجماعية المرخصة حديثا في الإمارات، مثل جمعية الإمارات لحقوق الموسيقى، وميوزيك نيشن، معتبرا إياها "خطوات مهمة نحو بناء اقتصاد حقوق أكثر قابلية للاستثمار".

وكلا هذين الكيانين حديث العهد؛ إذ أصبحت جمعية الإمارات لحقوق الموسيقى أول منظمة إدارة جماعية مرخصة في الإمارات في أبريل 2025، وهي منظمة غير ربحية مخولة بتحصيل وتوزيع العوائد المالية عن الأداء العام والإذاعة واستخدام الموسيقى عبر منصات البث بالنيابة عن الملحنين والمؤدين والمنتجين. ولحقت بها ميوزيك نيشن بعد شهرين لتصبح المؤسسة الثانية في هذا المجال، وإن كانت تخضع لإدارة كيان تجاري، وعقدت بالفعل شراكات مع هيئات الحقوق العالمية "بي إم آي" وساوند إكستشينج. إلا أن تحفظ بينتليف هنا ينطبق بغض النظر عن الهيكل؛ فمنظمات الإدارة الجماعية "كيانات راسخة"، لكنها لا تزال تحاول مواكبة آليات تجميع دخول الحقوق وتوجيهها للمستثمرين، مضيفا أن "التحدي يتمثل في ربط الأنظمة الموثوقة لتقارير عوائد حقوق الملكية الفكرية والمدفوعات باستحقاقات المستثمرين واجبة الدفع".

وفيما يتعلق بالنزاعات، يؤكد بينتليف أن "الهياكل الجديدة قد تثير تساؤلات لم تحسم بعد بشأن العلاقة بين الرمز والحقوق نفسها". ومع ذلك، يرى أن "الموقف سيتحسن كثيرا في حالة وجود مستندات واضحة، وسندات ملكية موثقة، ومسارات تنفيذ قابلة للاستخدام".

ماذا بعد

عصر منصات البث: يوضح دوت أن "منصات البث غيرت النموذج الاستثماري لأصول الموسيقى والمواد الترفيهية، بجعل حجم الطلب أكثر وضوحا". إذ أصبح بإمكان ملاك الحقوق والمستثمرين رؤية مدى تفاعل الجمهور وحجم الطلب بوضوح أكبر، مما يساعد في تسليط الضوء على الإمكانات غير المستغلة. أما بالنسبة للأفلام، فقد وسعت منصات البث سبل وصول الجمهور إليها وخيارات تحقيق الأرباح، وفقا لدالميا.

الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه المعاكس: مع تباهي صناع المحتوى الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي بإنتاج أفلام كاملة دون أي تدخل بشري، يرى دوت أن الندرة هي مكمن القيمة الحقيقية. ويقول عن ذلك: "في بيئة يمكن لأي شخص فيها توليد المقاطع الصوتية، تزيد ندرة مقاطع الموسيقى الخالدة... وبالتالي فإن القيمة تكمن في الكتالوجات التي لها تاريخ وجمهور مخلص وثقل ثقافي".

الخلاصة: يؤكد دوت أنه "إن توفرت بنية تحتية سليمة لإدارة الحقوق، ومعها رؤوس المال والإدارة النشطة، يمكن للمنطقة تحويل تأثيرها [الثقافي] إلى قيمة اقتصادية مستدامة".