أعلنت الإمارات في وقت متأخر من يوم الثلاثاء قطع علاقاتها التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، ردا على أول هجوم مباشر على أراضيها منذ أشهر، رغم نفي طهران مسؤوليتها عن الهجوم. ويأتي توقيت هذا القرار في لحظة حرجة للغاية؛ إذ تفصلنا أسبوعان فقط عن بدء العام الدراسي وعودة المقيمين من عطلاتهم الصيفية، كما يتزامن مع محاولات البلاد الحثيثة للتعافي والعودة إلى مسارها الطبيعي بعد التداعيات الاقتصادية التي خلفتها الحرب.
وضع القرار نهاية مفاجئة لانفراجة في العلاقات، أشارت بعض التقارير إلى أنها جاءت بعد تقديم الإمارات "تسهيلات مالية" لإيران، وهي ادعاءات استغل المسؤولون الإماراتيون الأحداث الأخيرة لنفيها علنا. ففي منشور على منصة إكس، أكد الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، زيف هذه الادعاءات، مشددا أنها تأتي ضمن "حملات إعلامية يائسة" روجت أيضا لإلغاء الإمارات إقامات العمالة دون سابق إنذار، في إشارة إلى شائعات تداولتها منصات التواصل الاجتماعي وبعض الصحف حول إلغاء إقامات عمال مصريين أثناء تواجدهم خارج الإمارات لقضاء إجازاتهم السنوية.
توقيت الهجوم الصاروخي يرفع من سقف المخاطر: تقول أمانديب أهوجا، المحللة الجيوسياسية والمستشارة الاستراتيجية لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنه "مع اقتراب شهر سبتمبر واستعداد المقيمين والشركات للعودة إلى الإمارات بعد انتهاء العطلة الصيفية، من شأن الهجمات الصاروخية أن تلحق أضرارا بسمعة البلاد وبنيتها التحتية المادية، في وقت تسعى فيه للتعافي من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب".
ومثل الرد الإماراتي السريع غير المعتاد رسالة واضحة مفادها، أن الدولة سترد بسرعة وحسم على أي تحركات أخرى من جانب إيران، مع وضع الضغط الاقتصادي كخيار مفضل، حسبما أضافت أهوجا. وتتضاعف فاعلية هذه الضغوط في ظل قفزة التضخم في إيران إلى 69% هذا العام. وهو ما يتفق معه السفير الأمريكي السابق لدى سلطنة عُمان ومحلل شؤون الشرق الأوسط مارك سيفرز، معتبرا التحرك الإماراتي امتدادا لحملة الضغط الاقتصادي الأمريكية على إيران.
واشنطن وأبوظبي ربما تتبعان استراتيجية طويلة الأمد
أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان محادثات في وقت سابق من يوم أمس. وفي وقت لاحق، بحث مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو "استمرار التنسيق بين الولايات المتحدة والإمارات لمحاسبة إيران ووكلائها الإرهابيين على هجماتهم المستمرة".
وإذا ثبت ذلك، فإنه يمثل بداية للعبة طويلة الأمد. ويوضح سيفرز: "إذا صح أن هذه الخطوة جاءت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وهو ما أرجحه، فإنها تأتي ضمن خطة أطول أجلا لاستخدام سلاح الاقتصاد لإجبار طهران على التخلي عن مساعيها للهيمنة على مضيق هرمز، والانخراط في مفاوضات جادة بشأن برنامجها النووي". ويتزامن ذلك مع وصول المحادثات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، وغياب أي تجديد لوقف إطلاق النار أو جدول زمني لمحادثات جديدة، لا يبدو أن أيا من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات.
سنراقب من كثب ما إذا كانت إيران ستعود إلى طاولة المفاوضات أم ستنفذ تهديداتها بتصعيد عسكري عنيف عقب قرار الإمارات بقطع العلاقات التجارية مرة أخرى. وتتوقع أهوجا أن تصاحب القطيعة التجارية "مفاوضات عبر قنوات خلفية" مع السلطات الإيرانية، مرجحة أن يُرفع هذا التجميد "بهدوء" بمرور الوقت. وتضيف: "إلا إن هشاشة وقف إطلاق النار وديناميكيات المنطقة قد تدفع الإمارات الآن، ربما بموقف أكثر حزما، إما للانخراط في مفاوضات أوسع نطاقا أو قيادتها، أو الشروع في ترتيبات ثنائية تضمن استمرار الحياة والأعمال في البلاد".