سحب المستثمرون الأجانب أموالهم من جميع أسواق الأسهم الخليجية الرئيسية خلال يوليو، لكن خسائر الإمارات كانت الأقل بفارق كبير. ومع تجدد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، سجلت أسواق الأسهم الخليجية إجمالي تدفقات أجنبية خارجة بقيمة 415 مليون دولار، في تحول معاكس لتدفقات شهر يونيو الواردة التي بلغت 144 مليون دولار. ورغم ذلك، اقتصرت التخارجات من السوق الإماراتية على 26 مليون دولار فقط، بحسب شركة إريديوم المتخصصة في استشارات علاقات المستثمرين. وتكبدت جميع الأسواق الخليجية الكبرى الأخرى خسائر أكبر، إذ سجلت السعودية تدفقات خارجة بقيمة 129 مليون دولار، لتنهي بذلك سلسلة من التدفقات الوافدة استمرت 11 شهرا من أصل 12 شهرا ماضية، وتصدرت الكويت المنطقة بعد خروج تدفقات قدرها 153 مليون دولار، في حين سجلت قطر تدفقات أجنبية خارجة بقيمة 72 مليون دولار.
دلالة الأرقام: يقول فيجاي فاليشا، رئيس قسم الاستثمار لدى سنشري فايننشال، إن "حجم التدفقات الأجنبية في الإمارات خلال يوليو يمثل مؤشرا قويا على أن المستثمرين الدوليين ينظرون إليها كسوق مستقرة نسبيا خلال فترات التوترات الإقليمية".
لكن هذا الرقم الإجمالي المحدود للإمارات يخفي تباينا واضحا؛ إذ استقطبت سوق أبوظبي استثمارات أجنبية بقيمة 148 مليون دولار، لتكون البورصة الخليجية الوحيدة التي تسجل صافي تدفقات وافدة في يوليو، بينما شهدت دبي تدفقات خارجة بقيمة 174 مليون دولار.
خلفية: يقلب هذا الوضع النمط الذي شهدناه في الربع الثاني، عندما كانت السعودية السوق الخليجية الوحيدة التي جذبت تدفقات أجنبية بلغت قيمتها الإجمالية 1.6 مليار دولار، بينما سجلت بورصتا الإمارات تدفقات خارجة، بلغت 641.5 مليون دولار في دبي، و187.3 مليون دولار في أبوظبي، وفقا لتقرير أنشطة التداول في البورصات الخليجية في الربع الثاني من العام الصادر عن شركة كامكو إنفست. وبعد مرور 4 أشهر، أصبحت السعودية هي السوق التي تنهي موجة التدفقات الوافدة، بينما باتت أبوظبي الوجهة المفضلة للمستثمرين الأجانب.
ثلاثة عوامل تفسر هذا التباين
أولا، صمود الاقتصاد بصورة فاقت التوقعات: لم يتراجع مؤشر مديري المشتريات الإماراتي الصادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش طوال فترة التصعيد، إذ سجل أدنى مستوى له عند 52.1 نقطة في أبريل قبل أن يرتفع مجددا إلى 52.7 نقطة في يوليو. وأثبتت صادرات الطاقة مرونة مماثلة، إذ بلغ إنتاج الخام أعلى مستوى له منذ سنوات متجاوزا 3.8 مليون برميل يوميا في يونيو، مع استمرار مرور نحو 3.7 مليون برميل يوميا عبر مضيق هرمز رغم اضطرابات الشحن. وأوضح فاليشا أن "ظروف الأعمال على أرض الواقع لم تتدهور بالقدر الذي أشارت إليه التغطية الإعلامية".
ثانيا، أبوظبي تجذب شريحة أوسع من المستثمرين: شكل المستثمرون الأجانب 77% من المستثمرين الجدد المسجلين في سوق أبوظبي للأوراق المالية خلال النصف الأول من العام الحالي، و48% من قيمة التداولات، وهو ما يراه فاليشا مؤشرا على أن رؤوس الأموال العالمية تبني مراكز استثمارية طويلة الأجل بدلا من التداول السريع خلال فترة قصيرة.
ثالثا، تنوع القطاعات يصب في مصلحة أبوظبي: يمنح مؤشر أبوظبي المستثمرين الأجانب فرصة للاستثمار في قطاعات الطاقة والمرافق والشركات المالية ذات رأس المال الكبير والبنية التحتية الحكومية، في حين يرتبط مؤشر دبي بالعقارات والسياحة والنشاط الاستهلاكي والخدمات المصرفية. وقال فاليشا إنه "بعد الصراع الجيوسياسي الأخير، فإن القطاعات المتوقع أن تجذب التدفقات الأجنبية تتركز داخل أبوظبي"، وهو ما تدعمه أرقام يوليو، مع تسجيل أبوظبي تدفقات وافدة بقيمة 148 مليون دولار مقابل تدفقات خارجة من دبي بقيمة 174 مليون دولار.
النظرة المستقبلية
في حال طال أمد التوترات الجيوسياسية الحالية، فإن السيناريو الأساسي لفاليشا سيتحقق؛ إذ ستظل التدفقات إيجابية ولكنها متواضعة، مدعومة بالعوامل الأساسية ذاتها التي ساعدت الإمارات على تجاوز شهر يوليو. وأشار فاليشا إلى أن "توقعات التدفقات الأجنبية إلى الإمارات لا تزال إيجابية على مدى الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة".
"وطالما استمر الاقتصاد المحلي في النمو واستمرت السوق في جذب قاعدة أوسع من المستثمرين، فقد تكون الإمارات من أبرز الأسواق الخليجية التي تستعيد التدفقات النقدية مع انحسار التوترات".
أما إذا تصاعدت حدة الصراع بمزيد من الهجمات الإقليمية واستمرار أزمة مضيق هرمز، يتوقع فاليشا اتساع علاوة المخاطر لتشمل الأسواق الخليجية بدلا من تركز الخسائر في السوق الإماراتية. ويعني هذا المطالبة بعوائد أعلى على الأصول الإماراتية، والضغط على مكانة دبي وأبوظبي كمركزين للخدمات المالية واللوجستية، وتراجع أوسع في الأسواق الناشئة يطال الإمارات بغض النظر عن متانة مؤشراتها. وحتى في هذه الحالة، لا يرى فاليشا أن الأمر سيصل إلى حد هروب رؤوس الأموال، بل سيكون "أداء دون المستوى نسبيا مع تقلبات أعلى"، بحسب تعبيره، وليس انعكاسا لنمط شهر يوليو.
أما إذا هدأت التوترات الإقليمية، فيشير فاليشا إلى محفز محدد لإحداث تحول سريع، يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز تزامنا مع وقف دائم لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وسيؤدي ذلك إلى الحد من تقلبات أسعار النفط وعلاوة المخاطر المسعرة في المنطقة، و"يمكن أن يحدث انعكاس سريع للتصحيح في السوق"، وفقا لفاليشا، مشيرا إلى دبي بوجه خاص باعتبارها الأقل خطورة من الناحية التكتيكية بين البورصتين، وبالتالي فهي تمتلك فرصة أكبر للتعافي السريع.