يوسع المستثمرون الإماراتيون نطاق استثماراتهم الخارجية بقطاع الضيافة، بداية من أسواق المنتجعات الفاخرة في أوروبا وحتى الساحل الشمالي في مصر. ورغم اختلاف طبيعة الأصول، التي تتنوع ما بين منتجعات الغولف في المملكة المتحدة، والفنادق الفاخرة في مايوركا، والمنصات السياحية الفرنسية، فضلا عن المساكن التي تحمل علامات تجارية، والنوادي الشاطئية في رأس الحكمة، إلا أن الدافع الاستثماري ورائها بات متشابها بوتيرة متزايدة؛ إذ أصبح قطاع الضيافة وسيلة للجمع بين مكاسب الأصول العقارية والدخل المتكرر بالتوازي مع تطوير الوجهات السياحية وتعزيز حضور العلامات التجارية.
تحدثنا إلى محللين في قطاع الضيافة لفهم الدوافع وراء هذا التحول، وموقع الأصول الأوروبية الناضجة مقارنة بالوجهات الأسرع نموا مثل مصر، والاعتبارات الرئيسية أمام المستثمرين عند الانتقال من مجرد امتلاك الأصول العقارية إلى الاستثمار في قطاع الضيافة الذي يتطلب إدارة تشغيلية مكثفة.
صناعة الوجهات.. المفهوم الجديد لعقارات الضيافة
يُنظر إلى قطاع الضيافة كأصل عقاري استراتيجي؛ إذ تقول هلا مطر شوفاني، رئيسة شركة "إتش في إس" في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، في تصريحات لإنتربرايز: "إن المستثمرين يتعاملون بصورة متزايدة مع قطاع الضيافة باعتباره استثمارا عقاريا استراتيجيا وليس مجرد نشاط تشغيلي". ويبحث المستثمرون عن القيمة الكامنة في العقار الأساسي، والمكاسب التشغيلية، وإدارة الأصول، وإعادة الهيكلة السوقية، والعلامات التجارية، وأعمال التجديد.
جاذبية القطاع تتجاوز الدخل؛ فالضيافة توفر تنويعا للمحفظة الاستثمارية و"قدرا من التحوط في مواجهة التضخم"، بحسب شوفاني. ويمكن للأصول التي يجري تداولها بأقل من تكلفة إحلالها أو الوجهات ذات إمكانات النمو القوية أن تحقق قيمة كبيرة، لا سيما للمستثمرين الإماراتيين الذين أمضوا العقدين الماضيين في تطوير أصول الضيافة وامتلاكها وإدارتها داخل البلاد.
المستثمرون الإماراتيون يصدرون الخبرة وليس رأس المال فقط، إذ تشير شوفاني إلى أن المستثمر الإماراتي لا يكتفي بضخ الأموال فحسب، بل يجلب معه "خبرات للتطوير، وتجارب في التخطيط العام، وخبرة تشغيلية، وشراكات مع علامات تجارية، وفهم عميق لكيفية بناء الوجهات". وهذا هو التحول الأكبر، إذ أصبح قطاع الضيافة وسيلة لعولمة النموذج الخليجي في بناء الوجهات.
وترى نايت فرانك المنطق ذاته في المشروعات المتكاملة؛ إذ يقول أسامة القادري، الشريك ورئيس قسم استشارات الضيافة والسياحة والترفيه في نايت فرانك، إن جانبا كبيرا من عمليات التطوير يركز حاليا على المشاريع متعددة الاستخدامات، حيث تعزز الأصول السياحية القيمة الكلية للمشروع. وتضفي الفنادق والمنتجعات والبنية التحتية الترفيهية "شعورا بالتميز والمصداقية"، مما يساعد المطورين على فرض علاوة سعرية على المكونات السكنية والتجارية.
أوروبا تمنح الاستقرار ومصر توفر آفاق النمو
الاستقرار هو رهان الأسواق الناضجة؛ ففي بريطانيا وأوروبا، يبحث المستثمرون الإماراتيون عادة عن "الاستقرار والشفافية ومحركات الطلب الراسخة والتدفقات النقدية التي يمكن توقعها"، بحسب شوفاني. وتجذب هذه الأسواق المكاتب العائلية والمستثمرين المؤسسيين ورؤوس الأموال طويلة الأجل التي تسعى للحفاظ على رأس المال إلى جانب الدخل المستقر.
الاستثمار في أوروبا يعتمد غالبا على الأصول القائمة؛ وعن ذلك يقول تشارلز هيومان، العضو المنتدب في شركة "إتش في إس هودجز وارد إليوت"، إن جاذبية أوروبا تتركز بقوة في المدن الكبرى والمنتجعات الفاخرة، لكن الاستراتيجية الاستثمارية المتبعة غالبا ما تعتمد على الاستحواذ. وأضاف هيومان أن "معظم الاستثمارات في أوروبا تتجه نحو الأصول القائمة، أي الفنادق الموجودة بالفعل"، مشيرا إلى أن تطوير مشاريع جديدة أصعب بكثير بسبب ندرة الأراضي وصعوبة الحصول على تصاريح التخطيط، خاصة للفنادق الفاخرة في الأسواق الرئيسية.
وتبرز مصر كفرصة واعدة للنمو؛ إذ ترى شوفاني أن الساحل الشمالي في مصر والوجهات الناشئة الأخرى تتميز "بانخفاض تكاليف دخول السوق، وتوفر إمكانات سياحية هائلة، مدعومة باستثمارات مستمرة في البنية التحتية، و[فرصة] للمساهمة في تأسيس وجهات جديدة بالكامل". ورغم زيادة المخاطر، إلا أن فرص زيادة قيمة رأس المال والنمو التشغيلي تكون أعلى أيضا.
وتلخص نايت فرانك المشهد بوضوح؛ إذ يقول القادري إن الأصول الأوروبية تستفيد من "تخطيط عمراني يوفر حماية أكبر وتقلبات أقل في الإيرادات"، وهو أمر مهم لصناديق الثروة السيادية والمكاتب العائلية. في المقابل، توفر مصر فرصا أكبر للنمو بمستوى أعلى من المخاطر، وتظل "أقوى اقتصاد سياحي في أفريقيا"، مع تمتعها بالمرونة حتى في ظل المشهد الجيوسياسي الحالي.
استراتيجيات الاستثمار أصبحت أكثر توازنا. تقول شوفاني: "في الواقع، لا يختار العديد من المستثمرين الإماراتيين سوقا على حساب أخرى"، إذ يتجه المستثمرون نحو بناء محافظ تجمع بين الأصول المستقرة المدرة للدخل في الأسواق الناضجة، والاستثمارات الانتقائية في الوجهات الأسرع نموا.
يبدي هيومان بعض التحفظ إزاء وصف هذا التوجه بأنه تدفق هائل نحو أوروبا؛ فيقول: "بالنسبة للإمارات، شهدنا بعض الاستثمارات في السنوات الأخيرة، لكني أقول إنه ليس اتجاها تصاعديا واضحا". ويرى أن تدفقات رؤوس أموال شركات الضيافة الشرق أوسطية إلى أوروبا انخفضت عن مستويات ما قبل جائحة كوفيد، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الأسواق الإقليمية أصبحت تستوعب قدرا أكبر من هذه الأموال.
لكن الصفقات الأوروبية تًظهر أن التواجد في الأسواق الناضجة قد يتخذ أشكالا عدة:
- يتماشى استحواذ سيلكيت غروب على منتجعات للغولف في المملكة المتحدة مع جانب الأسواق الناضجة في هذه الاستراتيجية، إذ يضيف ثلاثة منتجعات للغولف تابعة لعلامة دلتا هوتيلز المملوكة لماريوت إلى محفظتها في المملكة المتحدة التي تضم بالفعل منتجعي "ذا مير" وأولد ثورنز.
- يضفي استحواذ دبي القابضة في مايوركا طابعا فاخرا على المحفظة، بما يعزز حضور جميرا في أوروبا والذي يشمل بالفعل لندن وكابري.
- عرض مبادلة كابيتال للاستحواذ على شركة بيير آند فاكانس ينقل هذه الاستراتيجية لمستوى أبعد، إذ يمنح المستثمر في أبوظبي فرصة التواجد في منصة تشغيل سياحية أوروبية، بدلا من الاكتفاء بأصل فندقي واحد.
رأس الحكمة هو الاختبار الحقيقي
رأس الحكمة هو المشروع الذي يختبر نموذج الوجهات الإماراتي على نطاق كامل؛ إذ عينت أبوظبي القابضة شركة مدن القابضة مطورا رئيسيا للمشروع الضخم، بعدما وقعت مصر والإمارات اتفاقية استثمارية بقيمة 35 مليار دولار في عام 2024. ووصفت مدن رأس الحكمة بأنه أحد أهم مشاريعها خارج الإمارات.
المشروع ينتقل بالفعل من المخطط العام إلى استقطاب مجموعة من العلامات التجارية؛ إذ أعلنت مدن في مايو الماضي عن مشروع "مونتاج رأس الحكمة"، والذي يضم منتجعا يحمل اسم العلامة التجارية بسعة 200 غرفة و96 وحدة سكنية، مع بحيرات للسباحة، ومنتجع صحي، ومطاعم، ومتاجر، ومرافق مخصصة للعائلات. وأعقب ذلك مشروع "ناموس رأس الحكمة" في يوليو، الذي يجمع بين وحدات سكنية ومنتجع بسعة 79 غرفة و قرية ناموس فيليدج ومطاعم ومرافق للعافية ونادٍ شاطئي. كما بدأت مدن في ترسية عقود الإنشاءات، وكان آخرها عقد بقيمة 10 مليارات جنيه لأعمال البنية التحتية للمنطقة الأولى في الشهر الماضي، وذلك بعد حزمة أعمال سابقة بقيمة 15 مليار جنيه شملت الأعمال السكنية والفندقية والبنية التحتية.
هذا هو تطبيق فرضية الاستخدام المتعدد على أرض الواقع؛ إذ تقول شوفاني إن المشاريع السياحية تُبنى حاليا حول منظومات متكاملة تجمع بين الفنادق والوحدات السكنية التي تحمل علامات تجارية ومحلات التجزئة والترفيه والمراسي ومرافق العافية والبنية التحتية. ويوفر ذلك مصادر إيرادات متعددة ويتيح للمستثمرين "خلق فرص استثمارية تتجاوز ما هو أبعد من مجرد تشغيل الفنادق".
المساكن التي تحمل علامات تجارية تلعب دورا محوريا؛ وعن ذلك تقول شوفاني: "أصبحت المساكن التي تحمل علامات تجارية، على وجه الخصوص، محركا رئيسيا لجدوى المشاريع". ويمكن لمبيعات الوحدات السكنية أن تسرع استرداد رأس المال، وتعزز العوائد، وتقلل مخاطر التطوير، في حين يعزز المكون الفندقي مكانة الوجهة بالكامل.
لكن المراسي ليست مجرد مناظر جمالية؛ إذ يقول القادري إن المراسي يمكن أن تصبح "القلب النابض" للوجهات الجديدة، حيث تعزز المكانة الفاخرة، وتنوع تجارة التجزئة، وتدعم تحقيق مبيعات وإيجارات أعلى للوحدات السكنية المطلة على المرسى.
الإمارات تتقن هذا النموذج
هذا النموذج مألوف لرؤوس الأموال الإماراتية؛ إذ تقول شوفاني في هذا الصدد "هذا النهج القائم على صناعة الوجهات مألوف جدا للمستثمرين الإماراتيين، فهو يحاكي النموذج الذي طُبق بنجاح في معظم أنحاء دول الخليج على مدى العقدين الماضيين". ويُطبق حاليا في الخارج المنطق ذاته الذي شكل المخططات العامة المرتبطة بالضيافة في دبي وأبوظبي.
بُعد القوة الناعمة يستند إلى نموذج تجاري واضح: يمثل قطاع الضيافة ركيزة أساسية لمبيعات الوحدات السكنية، وإقبال الزوار على متاجر التجزئة، وتحديد نمط الحياة، والانتشار العالمي. وتقول شوفاني إن المستثمرين الإماراتيين طوروا قدرة على دمج "الضيافة ونمط الحياة والترفيه والعقارات في وجهات متماسكة"، وهو ما يصبح ميزة تنافسية على المستوى الدولي.
أما بالنسبة للمطورين، يساعد قطاع الضيافة في تسويق المشروع عموما؛ إذ يقول القادري إن الأصول الموجهة للسياحة تساعد في منح المشروعات المتكاملة ميزة تنافسية في سوق تشهد منافسة متزايدة، خاصة عندما تجذب مشترين ومستثمرين دوليين. وقد لا يكون الفندق هو المحرك الوحيد للأرباح، لكنه يضفي على الوجهة طبعا من المصداقية.
الضيافة ليست استثمارا عقاريا سلبيا
مستوى المخاطر في قطاع الضيافة عادة ما يتجاوز العقارات التقليدية؛ "فرغم جاذبية القطاع، إلا أنه يظل أحد أكثر القطاعات العقارية كثافة من الناحية التشغيلية"، حسبما قالت شوفاني. ويعتمد الأداء على مجموعة من العوامل تشمل الطلب السياحي، وربط خطوط الطيران، فضلا عن العوامل الجيوسياسية، وتكاليف التشغيل، وتوافر العمالة، وجودة الإدارة، ووزن العلامة التجارية.
ويتطلب تقييم الاستثمار دقة أكبر؛ إذ تقول شوفاني إن المستثمرين الذين يدخلون أسواقا جديدة يحتاجون إلى تقييم الأطر التنظيمية، ومخاطر تقلب العملة، ومخاطر التنفيذ، وجاهزية البنية التحتية، واستدامة الطلب. وتعتمد أفضل النتائج على دراسات الجدوى، والتحليل الدقيق للمخاطر، والميزانيات الواقعية، والإدارة النشطة للأصول على المدى الطويل.
تحذيرات نايت فرانك تصب في الاتجاه ذاته؛ إذ يقول القادري إن الضيافة تعد "من فئات الأصول المتخصصة التي تتطلب رؤوس أموال أعلى ودورات احتفاظ أطول". ويحتاج الوافدون الجدد إلى فهم أسس تطوير الوجهات، ومقومات قطاع السياحة، وتقلبات الإيرادات، والاستعانة بالشركاء المناسبين قبل بدء التصميم والتنفيذ.
وتبرز مخاطر التطوير بشكل خاص في الوجهات الناشئة؛ إذ يشير هيومان إلى أن استثمارات الشرق الأوسط في الضيافة غالبا ما يقودها التطوير، في حين تعتمد أوروبا أكثر على الاستحواذ. وتحمل مشاريع البناء الجديدة مخاطر تتعلق بتكاليف البناء، ومخاطر التسليم، واحتمال أن تؤثر المشاريع المنافسة على الأداء لاحقا.
عوامل قد تحد من زخم الاستثمارات الإماراتية
انخفاض الأسعار ليس المحرك الرئيسي في الأسواق الأوروبية: يستبعد هيومان أن تكون أسعار الفنادق هي المحرك الرئيسي للاستثمارات الإماراتية في أوروبا. ورغم أن انخفاض الأسعار انخفاضا ملموسا قد يزيد من وتيرة تدفق رؤوس الأموال الشرق أوسطية، لكن هذا لا يعد السيناريو الأكثر ترجيحا. ويضيف: "إننا لا نتوقع حقا" انخفاضا كبيرا في قيم الفنادق بالقدر الذي قد يجذب المزيد من المشترين.
عدم الاستقرار الإقليمي قد يعيد توجيه بعض رؤوس الأموال، لكن ليس الآن. يقول هيومان إن بعض المشاركين في السوق يتساءلون عما إذا كان عدم الاستقرار بمنطقة الخليج قد يدفع المزيد من المستثمرين نحو أسواق مستقرة مثل أوروبا. مشيرا إلى "أن ذلك قد يحدث، لكنه بالتأكيد ليس اتجاها نشهده في الوقت الحالي".
الصورة الأشمل تكمن في الانتقائية. يوازن المستثمرون ما بين الأصول القائمة والمستقرة في الأسواق الناضجة، والاستثمارات ذات المخاطر الأعلى في بناء الوجهات حيث يمكنهم توظيف خبراتهم في التطوير. ولهذا السبب، يمكن لمنتجع غولف في المملكة المتحدة، وفندق فاخر في مايوركا، ومشغل سياحي فرنسي، ومشروع ساحلي عملاق في مصر، أن تندرج جميعها ضمن التوجه الاستثماري ذاته.
ما الذي نترقبه؟ تتوقع شوفاني أن يظل المستثمرون الإماراتيون نشطين على الصعيد الدولي في المجالات التي يمكنهم فيها الجمع بين رأس المال والخبرة وإمكانات تطوير الوجهات. في المقابل، يبدي هيومان حذرا أكبر بشأن أوروبا، حيث المعروض محدود، والتطوير صعب، ولا يُتوقع أن تنخفض الأسعار بحدة. ولن تتمحور المرحلة المقبلة حول مجرد اقتناء الأصول الفاخرة، بل ستختبر قدرة المستثمرين الإماراتيين على مواصلة تصدير نموذج صناعة الوجهات الخليجي دون الاستهانة بالمخاطر التشغيلية.