Posted inتحت الأضواء

المشرق يرى أن القطاع المصرفي البحريني صمد خلال الحرب.. ويراهن على آفاق الاقتصاد طويلة الأجل للمملكة

لا يزال الوضع المالي في البحرين يواجه تحديات زادت الحرب من تعقيداتها، غير أن البنوك التي تمتلك الحلول اللازمة لتمويل احتياجات البلاد الفعلية أمامها سلسلة واعدة من الفرص

كان من الممكن لتداعيات الحرب الإقليمية أن تطال القطاع المصرفي البحريني لولا الإجراءات الاستباقية التي اتخذها مصرف البحرين المركزي، والذي تحرك مثل البنوك المركزية الخليجية الأخرى لدعم القطاع قبل حتى أن يحتاج إلى ذلك.

وفرت حزمة السيولة التي قدمها مصرف البحرين المركزي هامشا وقائيا للبنوك قبل أن تبلغ الضغوط ذروتها، كما ساهم قرار تأجيل أقساط القروض في التخفيف من ضغوط التدفقات النقدية على الشركات في تلك الأوقات الحرجة، حسبما صرح أحمد ديات، الرئيس الإقليمي لبنك المشرق البحرين، في حوار مع نشرة إنتربرايز الصباحية. وساعدت كل هذه الإجراءات في تجنب أي ازمات في سيولة البنوك، والأهم من ذلك أنها أتاحت المجال أمامها لمواصلة تقديم الدعم للعملاء بدلا من العزوف عن ذلك.

ويقول ديات إن "تلك الجهود ومعها المبادرات التي نفذتها البنوك بشكل منفصل ضمنت تجاوز [القطاع] لتلك الفترة بسلاسة"، مضيفا أنه "لم يشهد أي اضطرابات".

لم تكن هذه النتيجة حتمية؛ إذ بدأ الصراع والبحرين تعاني من ثاني أعلى نسبة دين حكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بين الدول السيادية المصنفة من قبل وكالة فيتش حول العالم، إذ بلغت نسبتها حوالي 150%. وكانت أعباء خدمة الدين تلتهم بالفعل نحو ثلث إيرادات الدولة. كما أدت الحرب إلى ارتفاع علاوة المخاطر الإقليمية، وزيادة تكلفة برنامج الاقتراض العالية من الأساس. وفي الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب، خفضت كل من وكالتي فيتش وستاندرد أند بورز التصنيف السيادي للبلاد إلى ما دون الفئة الاستثمارية (درجة الخردة).

غير أن هناك مؤشرات إيجابية؛ فقد طرحت المنامة حزمة لتعزيز الأوضاع المالية العامة في ديسمبر، تشمل فرض ضريبة شركات بنسبة 10% اعتبارا من عام 2027، ورفع أسعار الطاقة على الأنشطة التجارية، وخفض الإنفاق الإداري بنسبة 20%، مما وجه رسالة مفادها أن الحكومة تستوعب المعطيات الحالية. وجاءت استجابة سوق السندات أكثر إيجابية مما قد توحي به التحديات على مستوى الاقتصاد الكلي.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، جمعت البحرين مليار دولار عبر إصدار سندات لأجل 10 سنوات، بعد ساعات من اعتراض قوة دفاع البحرين لصواريخ وطائرات مسيرة أُطلقت من إيران. وتجاوزت طلبات الاكتتاب على تلك السندات 3.2 مليار دولار، فيما تقلص العائد من السعر الاسترشادي الأولي البالغ 7.5% إلى 7.125% مع تزايد الطلب. وبالنسبة لدولة ذات تصنيف ائتماني من الدرجة "B"، فإن نجاحها في تغطية الاكتتاب بواقع 3.2 مرة، بالتزامن مع اعتراض الصواريخ في أجوائها، يمثل على أقل تقدير رسالة من السوق تؤكد ثقتها في متانة شبكة الدعم الخليجية، والتي تشمل اتفاقية لمقايضة العملات قيمتها 20 مليار درهم، وقعتها الإمارات مع مصرف البحرين المركزي في أبريل، ويرى ديات أن هذه الاتفاقية ساهمت بدور أساسي في الحفاظ على الثقة بالقطاع خلال الأوقات العصيبة الراهنة.

وفي ظل هذه المعطيات يراهن بنك المشرق على السوق البحرينية، وهو رهان يتزامن مع انسحاب عدة بنوك دولية من البلاد. وهو انسحاب لا يرتبط الحرب؛ فقد باع بنك "إتش إس بي سي" أعماله الخاصة بالخدمات المصرفية للأفراد في البحرين العام الماضي، أي قبل فترة طويلة من بدء الصراع، وذلك ضمن خطة أوسع للتخارج من قطاع الخدمات المصرفية للأفراد بالخليج. ويدرس بنك ستاندرد تشارترد الآن الخطوة ذاتها؛ إذ أكد أنه يبحث بيع أعمال إدارة الثروات والخدمات المصرفية للأفراد في البحرين، مع الاحتفاظ بأعمال الخدمات المصرفية للشركات والخدمات المصرفية الاستثمارية، لتمثل هذه أحدث خطواته ضمن استراتيجية عالمية ينفذها منذ سنوات، تهدف إلى تقليص أعماله في قطاع خدمات الأفراد، وأدت بالفعل لانسحابه من الأردن ولبنان وعدة أسواق أفريقية.

ورغم أن هذين التخارجين لا يرتبطان بالحرب ارتباطا مباشرا، فإنهما يشيران معا إلى تراجع حضور المصارف الدولية بالبحرين، مما يوسع الساحة أمام المؤسسات التي اختارت البقاء وتنمية أعمالها.

ويعد بنك المشرق إحدى هذه المؤسسات، إذ لا يزال يعتبر البحرين "سوقا استراتيجية"، على حد تعبير ديات، الذي أضاف أن المشرق "ليس مؤسسة قصيرة النظر ليعتبر هذا الحدث عاملا محددا لاستراتيجيته المستقبلية في البلاد".

ووفقا لديات، يستحق اقتصاد البحرين المتنوع إشادة أكبر مما يحظى بها؛ إذ يمثل النفط حاليا نحو 20% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تشكل قطاعات الخدمات المالية والعقارات والسياحة والتجارة النسبة المتبقية.

وهذا هو صميم عمل بنك المشرق. إذ يستفيد البنك من خبراته الممتدة لسنوات في قطاع العقارات بدبي، وقيادته لمبادرات بالتعاون مع دائرة الأراضي والأملاك في دبي لتسهيل التمويل العقاري، ويطبق خبراته تلك في الدول التي لم ينضج قطاعها العقاري بعد. كما يوظف البنك الدروس المستفادة من انخراطه في قطاعات التجارة والخدمات المالية والسياحة في مختلف أنحاء المنطقة والممرات التجارية الأخرى التي يعمل بها.

وتستند القدرة على الحفاظ على هذا الموقع بالسوق وعلى ثقة العملاء إلى مجموعة من الحلول لا تتيحها معظم البنوك الدولية محليا، منها القروض المشتركة والتمويلات المهيكلة، ومبيعات أدوات الخزانة، وتمويل شركات العقارات والمقاولات، وحتى هيكلة صفقات التمويل المرتبطة بالاستدامة. وقد تولى البنك ترتيب 3 تسهيلات تمويلية ضخمة مرتبطة بالاستدامة في البحرين، بقيمة إجمالية تصل إلى عدة مليارات، فضلا عن توليه دور المرتب الرئيسي المفوض في عدة إصدارات سيادية للسندات والصكوك الحكومية.

أما إطار العمل الخاص بالعملاء، والذي صممه ديات بناء على تلك الحلول، فلا يعتمد على الأساليب التقليدية؛ إذ لم يعد البنك يقسم سوقه المستهدفة وفقا لحجم الأعمال أو القطاع، وإنما يعتمد الإطار على 3 معايير رئيسية: ما إذا كان العميل جزءا من شبكة المشرق العالمية أو ممراته التجارية؛ وما إذا كان يساهم إسهاما جوهريا في رؤية البحرين 2030 (أي الكيانات المرتبطة بالحكومة والشركات التي تحدث فارقا حقيقيا في الاقتصاد)؛ وما إذا كان بإمكان بنك المشرق تقديم قيمة مضافة للعلاقة لن يحظى بها العميل من أي جهة أخرى.

والقطاعات التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام التمويلي هي القطاعات التي يتجلى فيها تخصص بنك المشرق بوضوح. فقطاع العقارات مثلا حظي بتركيز البنك على مدار العامين الماضيين، ويعتمد فيه المشرق على الخبرات ذاتها التي اكتسبها في السوق الخليجية الأوسع. ومثله قطاع الطاقة، رغم أن ديات يعتبره بالأساس مساحة للكيانات المرتبطة بالحكومة؛ ففي الوقت الحالي، تهيمن هذه الكيانات على العمليات في القطاع، مما يعني توافقه مع إطار عمل البنك بغض النظر عن تصنيف القطاع ذاته. أما عملاء قطاعي التجارة والتصنيع المرتبطين بالممرات التجارية فتتوافق أعمالهم كذلك مع إطار عمل البنك، بالنظر إلى آلية عمل شبكة المشرق. كما أصبح التمويل المرتبط بالاستدامة جزءا مهما من محفظة البنك، إذ تسعى الحكومة حثيثا لجذب هذه الفئة من رؤوس الأموال لدعم خططها للتنويع الاقتصادي.