Posted inفنجان قهوة مع…

رئيس الشؤون المالية لبنك المشرق يتحدث عن تأثير الحرب الإقليمية على استراتيجية البنك الرأسمالية دون أن تتغير طموحاته للنمو

يتحدث نورمان تامباخ عن إصدارات البنك من سندات الشق الأول الإضافي لرأس المال، واستراتيجية تحسين المخاطر، وحزمة دعم المصرف المركزي التي يؤكد البنك أنه لم يحتج إليها لكنه رحب بوجودها

يواجه القطاع المصرفي في الإمارات ظروفا تشغيلية مختلفة تماما عما كان الحال عليه قبل عام، عندما كان القطاع يزدهر بفضل ارتفاع أسعار الفائدة، وشروط الإقراض القوية، والانتعاش الاقتصادي العام.

أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى اضطراب المعنويات، وتعطيل حركات التجارة والسفر، وأثارت مخاوف جديدة بشأن سرعة وتيرة انعكاس هذه التداعيات على معدلات الاستهلاك والائتمان ومستويات السيولة في الدولة. وتتوقع وكالات التصنيف الائتماني أن تخفض البنوك توزيعات أرباح المساهمين هذا العام للحفاظ على ملاءتها المالية لمواجهة أي عقبات إضافية أو حروب طويلة الأمد.

وهذا هو بالضبط ما تفعله البنوك حاليا؛ إذ قال نورمان تامباخ، رئيس الشؤون المالية لمجموعة المشرق، في تصريحات لنشرة إنتربرايز، إن أولوية البنك تتمثل في الحفاظ على مسار نموه ما دام نموا منضبطا ومربحا، والسبيل لتحقيق ذلك يكمن في بناء مصدات رأسمالية، وتحسين الأصول المرجحة بالمخاطر، وضمان عدم التركز في قطاع أو شريحة بعينها. ومن بين الخطوات التي اتخذها البنك بالفعل خفض توزيعات الأرباح على المساهمين، إلى جانب تعزيز احتياطيات رأس المال عبر إصدارين من سندات الشق الأول الإضافي لرأس المال هذا العام.

أما الجانب الإيجابي فيتمثل في التحركات الاستباقية من جانب الجهات التنظيمية، بما في ذلك حزمة الدعم التي قدمها مصرف الإمارات المركزي، والتي ساهمت في تعزيز ثقة المستثمرين، ووجهت رسالة واضحة مفادها أن البنوك تمتلك ركيزة قوية يمكن الاستناد إليها عند الحاجة. صحيح أن بنك المشرق لم يحتج إلى تدابير المصرف المركزي، لكن الخطوة الاستباقية في حد ذاتها كانت إشارة قوية للسوق أسهمت في تعزيز المصداقية والثقة.

ويبقى السؤال الأهم الآن هو ما الذي سيحدث إذا استمرت الضغوط الجيوسياسية، وكيف ينبغي للبنوك تهيئة أوضاعها إذا طال أمد حالة الضبابية الحالية.

التقينا بنورمان تامباخ للحديث عن رؤية البنك للبيئة الحالية واستعداداته للمرحلة المقبلة، وأين يرى المخاطر المحتملة، وما هي القطاعات الاقتصادية الأكثر مرونة في نظره. وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا معه:

إنتربرايز: لنبدأ بالسؤال البديهي أولا. كانت أحداث هذا العام وتأثيراتها على منطقة الخليج غير مسبوقة، وأثارت العديد من التحديات التي لم يكن لأحد أن يتوقعها في بداية العام. بصفتك رئيس الشؤون المالية للمجموعة، كيف تدير العمل وسط هذا الكم من الضبابية وعدم اليقين؟

نورمان تامباخ: تبدأ الاستعدادات دائما بالتأكد من أن يكون البنك في وضع مالي قوي. وبالنسبة لأي بنك، فإن هذا يعني الحفاظ على قوة المؤشرات الرئيسية مثل رأس المال والسيولة، على سبيل المثال. لهذا نعكف باستمرار على إجراء اختبارات تحمل لسيناريوهات مختلفة، مما يتيح لنا تكوين رؤية واضحة حول مدى تأثر البنك في حال حدوث أي ظرف طارئ، وما إذا كنا سنستمر في استيفاء المتطلبات التنظيمية اللازمة.

الأمر الآخر هو ضمان استدامة ومرونة نموذج أعمالك؛ فلا ينبغي للبنك الاعتماد على مصدر واحد أو تركيز الأعمال في منطقة جغرافية محددة أو قاعدة عملاء معينة أو نوع منتج واحد. وفي حالة بنك المشرق، فإن أعمالنا موزعة داخل الإمارات وخارجها، وفي دول الخليج وخارجها. كما نمتلك قطاعات متنوعة تشمل خدمات التجزئة المصرفية، والخدمات المصرفية للشركات، وعمليات الخزينة، بالإضافة إلى تنوع منتجاتنا بين المنتجات المرتبطة بالفائدة والمنتجات المعتمدة على الرسوم والعمولات.

كما أنه من الضروري ضمان مرونة العمليات التشغيلية، وهو ما يعني امتلاك نظام حوكمة قوي، وإطار عمل متكامل لإدارة المخاطر، وحماية سيبرانية محكمة، وتوفير أنظمة احتياطية لمراكز البيانات، على سبيل المثال لا الحصر. وبذلك يضمن البنك جاهزيته للتعامل مع أي تطورات محتملة.

إنتربرايز: كيف كان تأثير حزمة الدعم التي أقرها المصرف المركزي عليكم، والتي تتضمن تأجيل إعادة تصنيف القروض؟ وإلى أي مدى كانت مفيدة؟

تامباخ: ما زلنا نرى الكثير من الإمكانات لتحقيق المزيد من النمو. ومعظم عمليات الإقراض مستمرة كالمعتاد. فبنك المشرق ليس من نوعية البنوك التي تتخلى عن عملائها في الأوقات الصعبة؛ بل نحرص على الوقوف بجانبهم عندما يتطلب الأمر ذلك، ونرى في هذه الظروف فرصة لتعميق علاقاتنا الحالية وفتح أبواب لبناء علاقات جديدة مع عملاء آخرين.

وأعتقد أن إتاحة المصرف المركزي لحزمة التسهيلات بهذه السرعة كانت خطوة ممتازة؛ إذ تسهم في تجنب أي وضع قد يدفع الأطراف المعنية أو المستثمرين أو العملاء إلى التساؤل عما إذا كانت البنوك الإماراتية تواجه أي صعوبات. وبحسب علمي، لم يحتج أي بنك إماراتي إلى هذه الحزمة حتى الآن. وهي توجه رسالة قوية للأسواق بأن الحكومة والمصرف المركزي مستعدان لدعم البنوك والاقتصاد مهما كانت الظروف. وقد تلقينا بالفعل ردود فعل إيجابية حول هذه الحزمة من المستثمرين.

على سبيل المثال، رغم أن خفض متطلبات مصدات حماية رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية لم يكن ضروريا بالنسبة لنا أو للبنوك المحلية ذات الأهمية النظامية عموما، فإن هذه الخطوة منحت البنوك متنفسا لضمان مواصلة مسار نموها والاستمرار في دعم الاقتصاد الإماراتي. فمع تحقيق معدلات نمو كبيرة، وهو ما حققه بنك المشرق العام الماضي، تحتاج البنوك إلى رأس المال. وتساعد هذه الخطوة جميع البنوك عبر منحها مساحة أكبر لمواصلة النمو مع الحفاظ على مرونتها من حيث السيولة ورأس المال.

والأمر الإيجابي هنا هو أننا نتعامل مع جهات تنظيمية تمتلك رؤية استشرافية وتدعمها حكومة تتمتع بملاءة مالية قوية؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد إعلان الدعم للبنوك، بل هم قادرون فعلا على تقديمه. وهذا أمر بالغ الأهمية ويمنح مصداقية حقيقية بأن أي بنك يحتاج إلى سيولة أو أي دعم آخر في أي ظرف سيحصل عليه دون أدنى شك. وتلك هي الركيزة الأساسية لقوة هذه المنطقة، وخاصة دولة الإمارات.

ولا تزال هناك أدوات عديدة في جعبة الجهات التنظيمية؛ ففي حال استمرت الأوضاع غير المستقرة، يمكنهم مساعدة البنوك عبر توفير مزيد من السيولة على سبيل المثال. أما إذا تفاقمت الأوضاع، فيمكنهم حتى تسهيل عمليات الدمج، وخاصة بين البنوك الصغيرة، كما فعلوا سابقا. ولحسن الحظ، فإن كل هذه الإجراءات صارت أقل إلحاحا الآن مع ترجيح كفة الحلول الدبلوماسية.

إنتربرايز: كانت أسعار الفائدة المرتفعة داعمة للبنوك عموما، ونرى الآن أن هذا الوضع سيستمر لفترة أطول مع ارتفاع معدلات التضخم عالميا. فهل يظل ذلك أمرا إيجابيا بالنسبة للبنوك؟ وهل يؤثر في شهية الاقتراض، خاصة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتعرض بالفعل لضغوط جراء الاضطرابات؟

تامباخ: في المجمل، عادة ما تكون أسعار الفائدة المرتفعة أفضل للبنوك التي تعتمد بكثافة على الدخل من الفوائد. وما رأيناه قبل النزاع هو أن الكثير من الشركات، لا سيما الشركات كبيرة الحجم، كانت تمتلك سيولة نقدية وفيرة، حتى أن العديد منها كان يسدد قروضه مبكرا. وبذلك، كان الوضع المالي للدولة وللبنوك وللشركات في الإمارات قويا للغاية منذ البداية.

بالطبع، هناك بعض القطاعات أكثر عرضة للتأثر بالأحداث الأخيرة، مثل السياحة والفنادق وبعض قطاعات التجزئة، لذا فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الأحداث عليها بدرجة ما. ومع ذلك، فإن هذه القطاعات لا تمثل سوى حصة محدودة من محفظة تمويل بنك المشرق.

عادة ما تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية، لكن حجم التأثير يعتمد بدرجة أكبر على القطاع؛ فالشركات المرتبطة بالسياحة وبعض تجار التجزئة يواجهون صعوبات أكبر عند تراجع أعداد السياح، لكننا نعلم أيضا أن بعض منصات التجزئة عبر الإنترنت شهدت نشاطا مكثفا أكثر من المعتاد خلال الأحداث الأخيرة. ففي مثل هذه الظروف، تتفاوت المكاسب والخسائر من قطاع لآخر.

إنتربرايز: تسلط السياسات الحالية أيضا تركيزا متزايدا على قطاعات مثل الدفاع، والبنية التحتية، ومراكز التصدير، والقدرات الصناعية. هل ترى أن هذه المجالات ستشهد طلبا أكبر على التمويل المصرفي؟

تامباخ: نظرا إلى أن الطاقة رخيصة ومتوفرة نسبيا هنا، سواء كنا نتحدث عن النفط والغاز أو الطاقة المتجددة، فإن الإمارات تعد مكانا مثاليا للصناعات التي تعتمد على استهلاك كمية كبيرة من الطاقة، مثل صهر المعادن، والألمنيوم، والصناعات الكيميائية، ومراكز البيانات.

وهل نقدم لهم قروضا؟ نعم، إذا كانت الشركة جيدة ونثق في جدوى عملها. لكني أكرر مجددا أن الأمر كله يتعلق بالتنوع. عندما أشارك في الجولات الترويجية للمستثمرين، أحرص دائما على عرض مخطط بياني يوضح القطاعات التي نقرضها وحجم هذا الإقراض، ولدي مخطط للتوزيع الجغرافي وآخر للقطاعات الصناعية. ويمكنك أن ترى بوضوح أننا لا نركز أعمالنا بشكل كبير في قطاع واحد، وهذا هو المفتاح لتوازن الأعمال؛ فالبنك يواصل النمو، ولكننا حريصون أن يتحقق هذا النمو على أسس سليمة.

إنتربرايز: كملاحظة أخيرة ومن منظور شامل، مع كل هذه المتغيرات، من التداعيات الجيوسياسية إلى اللوائح التنظيمية والتحول الرقمي، كيف غير ذلك من تفكيركم بشأن تخصيص رأس المال هذا العام؟

تامباخ: كان النمو المربح هو المصدر الأكبر لرأس المال بالنسبة لنا. وحتى في ظل الأحداث الأخيرة، واصلنا النمو وحافظنا على مستويات ربحية قوية، دون أي تأثير يذكر على أرباحنا أو قاعدتنا الرأسمالية. ونتطلع دائما إلى امتلاك مصد رأسمالي قوي يضمن لنا توفير رأس مال كاف للنمو المستقبلي، ولهذا السبب أصدرنا أدوات رأس مال هجينة في وقت سابق قبل الحرب، وسنواصل القيام بذلك في المستقبل أيضا. كما اتفقنا مع المساهمين على خفض توزيعات الأرباح لعام 2025 مقارنة بالعامين أو الأعوام الثلاثة الماضية.

ويظل رأس المال عاملا رئيسيا في كيفية دعمنا المستدام للنمو المستقبلي. إن ربحية البنك والقطاع عموما جيدة، وهو ما يمكن أن يدعم جزءا كبيرا من نمو عملائنا. ولا نرى في الواقع أن عملائنا غير قادرين على سداد ديونهم بسبب الأحداث الأخيرة. ولن نتخذ أي إجراءات إلا إذا بدأنا نرى أن المخصصات قد تقتطع جزءا من الأرباح وتؤثر على رأس المال المخصص للنمو المستقبلي. ولحسن الحظ، لدينا العديد من الأدوات لضمان مقدرتنا على تحمل تكاليف النمو الإضافي، ومنها: إصدار الأدوات الهجينة، وخفض توزيعات الأرباح، وتحسين الأصول المرجحة بالمخاطر.

كما نبحث أيضا إمكانيات حصولنا على تأمين ائتماني لبعض محافظ القروض عالية الجودة لدينا لتقليل الأصول المرجحة بالمخاطر، مما يمكننا من استخدام رأس المال الذي سيتاح بفضل ذلك لإقراض عملاء آخرين، مع ضمان الاستثمار الأمثل لرأس المال بما يحقق مصالح المساهمين.

لا نريد تعطيل مسار النمو، لأنه ليس من السهل استئنافه بالوتيرة نفسها بعد توقفه. فقد يكون إبطاؤه أمرا سهلا، لكن استعادة الزخم قد تستغرق وقتا أطول، وقد تؤخر خطط التوسع. ولذلك، نعتزم مواصلة النمو ما دام منضبطا ومربحا، واستخدام تدابير بديلة عند الحاجة لضمان قدرتنا على مواصلة هذا المسار.