أصبح متاحا لأمناء خزائن الشركات الإماراتية مزيد من الخيارات فيما يتعلق بالأموال الرقمية، بناء على نموذجين مختلفين. كنا قد تابعنا على مدار الأشهر الماضية الإقبال الكبير على العملات المستقرة، وكيف أصبحت "إيه إي كوين" أول عملة مستقرة مرخصة من مصرف الإمارات المركزي، وكيف تصدر كيانات أخرى عملات مستقرة كذلك، منها بنك زاند وبنك رأس الخيمة الوطني والقابضة (إيه دي كيو) والشركة العالمية القابضة وبنك أبوظبي الأول. والآن أُتيح للشركات في الإمارات نموذج أحدث من الأموال الرقمية تألفه الشركات أكثر من العملات المستقرة، وهو الودائع المرمزة.
ويعد طرح بنك "إتش إس بي سي" لخيار الودائع المرمزة لعملائه من الشركات في الإمارات أوضح اختبار عملي حتى الآن لهذا النموذج البديل، وما إذا كانت فرق الخزانة بالشركات ستختاره فعليا عندما يتوفر كلا الخيارين. تحتفظ تلك الودائع بالأموال داخل النظام المصرفي الخاضع للرقابة في صورة التزام على البنك، لكنها تنتقل فقط من طرف لآخر عبر شبكات البلوك تشين لضمان السرعة والكفاءة. أما العملات المستقرة فتحتفظ بالأموال في صورة رموز مشفرة صادرة عن جهات خاصة، وتبقى خارج الميزانية العمومية للبنوك تماما.
لكن ما الفائدة من هذا النموذج؟ صرح لنشرتنا كايل بواغ، الرئيس الإقليمي لحلول المدفوعات العالمية لدى "إتش إس بي سي" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، بأن ذلك يتيح أموال البنوك التجارية في صورة مرمزة "تمثل مطالبة مباشرة على البنك، وتخضع للإطار التنظيمي والمصرفي ذاته للودائع المصرفية التقليدية".
تخضع الودائع المرمزة بالكامل للقواعد الاحترازية التي تنظم عمل البنوك التجارية، مما يعني إمكانية اللجوء إلى تسهيلات السيولة التي يتيحها المصرف المركزي، وخضوع تلك الودائع للحماية، وهي ميزات لا تتوفر في العملات المستقرة، التي تعتمد على الأصول الاحتياطية وآليات السوق الثانوية للحفاظ على قيمتها، وهو نموذج ينبني كليا على ثقة السوق في أن جهة الإصدار تمتلك بالفعل الأصول التي تدعيها. وعندما اهتزت تلك الثقة في عملة "يو إس دي سي" عام 2023، بعد أن تأثرت الاحتياطيات المصرفية لجهة إصدارها بانهيار بنك سيليكون فالي، فقدت العملة ارتباطها بالدولار لفترة وجيزة، ولم تتعاف إلا بعد تدخل الجهات التنظيمية الأمريكية لضمان تلك الودائع المصرفية. أما الودائع المرمزة فلا تنطوي على هذه المخاطر، لأن الضمانات موجودة بالفعل في النظام المصرفي الذي تخضع له.
هذا لا يعني أن العملات المستقرة المرخصة في الإمارات غير خاضعة للتنظيم؛ إذ تلزم قواعد مصرف الإمارات المركزي جهات الإصدار بالاحتفاظ باحتياطيات من الأصول السائلة تعادل قيمة العملات، وأن تقدم تقارير خاضعة للتدقيق. وعلاوة على ذلك، فإن العديد من العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم في الإمارات، مثل عملة بنك رأس الخيمة الوطني، وردهم زاند الرقمي، والعملة التابعة لبنك أبوظبي الأول والقابضة (إيه دي كيو) والشركة العالمية القابضة، تصدرها البنوك مباشرة على أي حال، باستثناء عملتي "إيه إي كوين" و"يو إس دي يو"، اللتين تصدرهما كيانات غير مصرفية.
الطلب سيأتي بالأساس من خزائن الشركات وليس الأفراد مثل العملات المستقرة
يقول بواغ إن "أبرز حالات الاستخدام التي نراها اليوم هي التعامل المركزي مع عمليات الخزانة والمدفوعات الفورية العابرة للحدود". يرجع ذلك إلى أن الودائع المرمزة تتيح نقل الأموال "على مدار الساعة وطوال العام، دون التقيد بأوقات العمل التقليدية لنظم المدفوعات"، حسبما أوضح بواغ. وبالتالي فإن تلك الودائع ستوفر بديلا عن نوافذ التسوية التي تمنح فرق الخزانة ساعات لإدارة مراكز السيولة قبل تنفيذ عمليات الدفع التقليدية، وفقا لصندوق النقد الدولي.
نظرة أعمق: تابعنا الجانب المتعلق بالطلب في هذا الشأن من قبل؛ فاستخدام الشركات للعملات المستقرة في تمويل التجارة والتحويلات المالية والتسويات هو المحرك الفعلي لتبني تلك العملات في الإمارات، وقد ارتفعت أحجام تداولها بأكثر من 40% على أساس سنوي خلال عام 2025. وتعد الودائع المرمزة التي يوفرها "إتش إس بي سي" استجابة من النظام المصرفي للرغبة ذاتها في وجود أموال رقمية سريعة الحركة، دون نقل الودائع إلى سجلات جهات أخرى.
لكن يبدو أن تبني تلك الودائع سيكون محدودا في الوقت الحالي عن قصد. إذ يتوقع "إتش إس بي سي" أن تتبناها أولا "المؤسسات الناضجة رقميا، وخاصة تلك التي استثمرت بالفعل في البنية التحتية الحديثة للخزانة والعمليات المالية القائمة على التكنولوجيا"، بحسب بواغ.
"إتش إس بي سي" لا يرى منافسة بين النموذجين
يقول بواغ إن البنك "يرى في الودائع المرمزة والعملات المستقرة نموذجين متكاملين للأموال الرقمية، وليس حلين متنافسين"، مضيفا أن كلا منهما "يمكن أن يلبي احتياجات مختلفة للعملاء وله حالات استخدام خاصة به". ويرى أن إمكانات النموذجين لا تكمن في التنافس على الصدارة، بل في قابلية التكامل هذه: أي قدرة النموذجين على إجراء المعاملات فيما بينهما مع تزايد معدلات التبني.
رأينا: يتحرك كل من "إتش إس بي سي" وجهات إصدار العملات المستقرة بخطى متوافقة مع الحكومة الإماراتية والجهات التنظيمية المالية، التي تهدف إلى تحديث البنية التحتية للمدفوعات وتطوير نظام مالي رقمي غير نقدي. والهدف الأساسي من ذلك هو التحول إلى مركز يمكنه نقل الأموال من وإلى البلاد، في أي اتجاه، وبأسرع وأرخص شكل ممكن.