رغم أن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أسهم في تهدئة الأسواق، فإن هذا لا يعني عودة تدفقات النفط إلى طبيعتها سريعا. فالاتفاق المقرر توقيعه رسميا يوم الجمعة دفع أسعار الخام للتراجع بالفعل، فيما تحولت منحنيات خامي دبي ومربان إلى نمط الكونتانغو للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، ويعني ذلك أن أسعار العقود الآجلة أصبحت أعلى من نظيرتها الفورية، مما يعكس رهانات المتداولين على عودة الإمدادات، وفق ما ذكرته وكالة بلومبرغ.
وبدأ المحللون بالفعل في خفض توقعاتهم لأسعار النفط؛ إذ قلص بنك غولدمان ساكس توقعاته لسعر خام برنت خلال الربع الأخير إلى 80 دولارا للبرميل، انخفاضا من 90 دولارا، كما خفض متوسط توقعاته لعام 2026 إلى 75 دولارا للبرميل بدلا من 80 دولارا سابقا، في ثاني تخفيض لتوقعاته خلال أسبوع واحد. كذلك يرجح البنك عودة الصادرات الخليجية إلى مستويات ما قبل الحرب بنهاية يوليو المقبل، في موعد أبكر من توقعاتها السابقة التي رجحت حدوث ذلك بنهاية أغسطس.
لكن تقديرات الرئيس التنفيذي لشركة أدنوك سلطان الجابر لوتيرة تعافي التدفقات بدت أكثر تحفظا. إذ قال الجابر مؤخرا إن تدفقات النفط العالمية قد تستغرق أربعة أشهر على الأقل بعد انتهاء الحرب لتعود إلى 80% من مستويات ما قبل الحرب، في حين أن العودة الكاملة إلى مستويات التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز قد لا تتحقق قبل الربع الأول أو الثاني من العام المقبل.
وتنتظر منتجي النفط وشركات الشحن قائمة طويلة من المهام التي يتعين إنجازها قبل استئناف التدفقات عبر المضيق. ناهيك عن طابور طويل من السفن؛ إذ تنتظر قرابة 500 سفينة الخروج من الخليج عبر المضيق، الذي انخفضت حركة الملاحة فيه من نحو 135 رحلة يوميا إلى أرقام هزيلة للغاية على مدار الأشهر القليلة الماضية.
في الوقت ذاته تواصل المنظمة البحرية الدولية تقييم مدى قدرة السفن على العبور بأمان، من خلال متابعة عمليات إزالة الألغام، وإدارة التكدس، وإنشاء ممر آمن لإجلاء البحارة العالقين داخل الخليج منذ أكثر من 100 يوم.
وإلى أن يتحقق ذلك ويدخل الاتفاق حيز التنفيذ، من المرجح أن يفضل ملاك السفن التريث، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز عن جوتارو تامورا الرئيس التنفيذي لشركة "ميتسوي أو إس كيه لاينز" اليابانية، التي تعد أكبر مشغل للناقلات في العالم بأسطول يتجاوز 900 سفينة.
ونوهت أنتونيلا تيودورو كبيرة مستشاري النقل في شركة "إم دي إس ترانسمودال" البريطانية للاستشارات، في تصريحات لإنتربرايز، أن قائمة المهام تتضمن أيضا إجراء تقييمات للسلامة البحرية، وتلبية اشتراطات شركات التأمين، والتأكد من توقف الهجمات فعليا، مضيفة أن "تعديل جداول إبحار السفن وخفض الرسوم الإضافية الطارئة سيمثلان مؤشرات مبكرة على تنامي مستويات الثقة".
وقد تكون إزالة الألغام الخطوة الأبطأ في هذه القائمة، لأنها لا تحتمل الاستعجال. فعمليات إزالة الألغام باستخدام الكاسحات التقليدية والغواصات المسيرة قد تستغرق عدة أسابيع، وتحديدا بين 40 و50 يوما، مما يبقي ملاك السفن في حالة تأهب وحذر حتى بعد إبرام الاتفاق السياسي، بحسب وكالة رويترز.
كما أن العودة المفاجئة للسعة الاستيعابية الكاملة تحمل في طياتها بعض المخاطر. فالسعة التي استوعبتها الرحلات الطويلة خلال فترة الاضطرابات ستعود من جديد لتغرق السوق دفعة واحدة، مما يخلق خطرا حقيقيا يتمثل في تكدس السفن، وازدحام الموانئ، والضغط المفرط على شبكات النقل والخدمات اللوجستية قبل أن تتمكن شبكات التوريد من استعادة توازنها، حسبما أوضحت تيودورو لإنتربرايز.
التعافي لا يعني العودة إلى نفس الوضع السابق
لن تعود شركات الشحن ببساطة إلى مساراتها المعتادة قبل الحرب. وفي هذا السياق، قالت تيودورو إن "مرحلة التعافي تتيح لشركات الشحن مجالا لإعادة تقييم شبكاتها، وتوزيع سفنها، وتخصيص سعتها بدلا من مجرد العودة العمياء للترتيبات السابقة". وأوضحت أيضا أن الشركات قد تُعطي الأولوية للمسارات الأقصر في البداية، بهدف تقليل زمن الرحلات ورفع إنتاجية السفن قبل الشروع في إعادة هيكلة مسارات الرحلات الطويلة.
ورغم أن علاوات المخاطر قد تبدأ في الانخفاض في غضون أيام من استقرار الوضع الأمني، فلا تتوقعوا عودة الأمور إلى طبيعتها دفعة واحدة. إذ تشير تيودورو إلى أن الرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن ستُعدل تدريجيا على مدار دورات الإبحار اللاحقة، في حين أن التكاليف المرتبطة بضبط الجداول الزمنية وإعادة تموضع المعدات ستستغرق وقتا أطول.
لكن الوضع قد يزداد سوءا قبل أن يبدأ في التحسن. إذ حذرت تيودورو من أن عودة سعات استيعابية ضخمة بشكل أسرع من اللازم قد تشكل ضغوطا على أسعار الشحن، والتي لا تزال تحلق عاليا بالفعل، إذ سجل مؤشر شركة بلاتس لناقلات النفط العملاقة نحو 278.7 ألف دولار يوميا بنهاية مايو، وهو ما يتجاوز ضعف المتوسط البالغ 75.9 ألف دولار يوميا منذ تدشين المؤشر في مارس 2024.
لذا، يتعين على شركات الشحن ومشغلي الموانئ تنسيق عودة تدريجية ومدروسة إلى السوق، لتجنب حدوث إغراق مفاجئ، سواء من خلال تعديل وتيرة الرحلات، أو ترشيد رسو السفن في الموانئ، أو الإبقاء على بعض التغييرات التي شهدتها الشبكات خلال فترات الاضطرابات.
من المرجح أن تكون ناقلات النفط أول العائدين، بينما تأتي شركات شحن الحاويات في ذيل القائمة. إذ تمتلك الناقلات الحافز التجاري الأقوى للعودة سريعا في ضوء أن تجارة الطاقة تتركز حول المنطقة وتستفيد مباشرة من أوقات العبور الأقصر. أما شركات شحن الحاويات، فتواجه حسابات أكثر تعقيدا؛ لأن أي تغيير في مساراتها يؤثر في شبكات الخدمات العالمية وموثوقية الجداول الزمنية عبر مسارات تجارية متعددة، بحسب ما قالته تيودورو.
أما بالنسبة لمشغلي الموانئ ومنتجي النفط في الإمارات، فقد تغيرت الحسابات بالفعل. إذ اتخذت كل من شركة أدنوك ومجموعة موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي بالفعل خطوات استباقية لتقليل اعتمادها على المضيق كنقطة العبور الوحيدة. فعلى سبيل المثال، تسعى أدنوك إلى تسريع وتيرة بناء خط أنابيب "غرب-شرق" لتجاوز مضيق هرمز ومضاعفة سعتها التصديرية بعيدا المضيق، وتدرس تنفيذ خطوة مماثلة لذراعها المتخصصة في البتروكيماويات، مع خطط لبناء مركز تصدير ليكون بديلا لشحنات البتروكيماويات على الساحل الشرقي.