لا تزال العملات المستقرة تبدو للكثيرين في المنطقة وكأنها ابتكار غير عملي، أو أداة مخصصة لمهووسي العملات المشفرة وهواة التداول. لكن إذا كنت تتابع عناوين الأخبار في الإمارات، فستلاحظ أن العملات المستقرة تتحول ببطء إلى وسيلة للمدفوعات التي نجريها في حياتنا اليومية، إذ يمكن الآن استخدامها لتسوية رسوم الخدمات الحكومية ودفع ثمن تذاكر الطيران وتكلفة استقلال سيارات الأجرة.
وقد يتساءل البعض عما قد يجعل أحدهم يدفع ثمن تذكرة الطيران باستخدام العملات المستقرة، أو لماذا قد يحتاج إلى ذلك من الأساس؟ والإجابة هي أن تلك ليست ضرورة بالفعل بالنسبة للكثيرين. فهذا ليس الهدف من تطوير البنية التحتية للعملات المستقرة، وإنما تشمل استخداماتها ما هو أكثر بكثير من احتياجاتنا اليومية.
أمضت الإمارات أكثر من عشر سنوات في تحديث بنيتها التحتية المالية وتحويل اقتصادها إلى اقتصاد رقمي غير نقدي بالأساس. ورغم أن هذا ساعد بالفعل في تبسيط المدفوعات وتسهيل الحياة للمقيمين والمواطنين على حد السواء، فإن الهدف الأكبر من ذلك هو التحول إلى اقتصاد عالمي، يمكنه التعامل مع أكبر عدد ممكن من الأطراف المختلفة، بأسرع وأرخص طريقة ممكنة.
والخطوة المنطقية التالية لتحقيق ذلك هي إتاحة مسارات تعتمد على تقنية البلوكتشين لدعم المعاملات العابرة للحدود، فضلا عن توفير خيارات متنوعة للمقيمين في الإمارات وزوارها.
ولهذا السبب تبذل الإمارات جهودا كبيرة لتطوير عملات مستقرة مدعومة بالدرهم، يمكن استخدامها في التداول وأغراض الخزانة للشركات، وحتى في معاملات الأفراد. وكانت "إيه إي كوين" أول عملة مستقرة مرخصة من مصرف الإمارات المركزي، وبدأت في تبنيها شركة نتورك إنترناشيونال، ومجموعة "سفن إكس"، والعربية للطيران، ودائرة القضاء في أبوظبي، وشركة تواصل لسيارات الأجرة. كما حصل بنك زاند على الموافقة لطرح عملة درهم زاند، وحصل بنك رأس الخيمة الوطن ي على موافقة لطرح عملته المستقرة الخاصة، بينما تعكف الشركة العالمية القابضة مع القابضة (إيه دي كيو) وبنك أبوظبي الأول على تطوير عملة مستقرة أيضا.
💡 العملات المستقرة هي عملات مشفرة مدعومة بالكامل باحتياطيات سائلة من العملات التقليدية، سواء الدولار أو الدرهم أو أي عملة أخرى. وعلى عكس عملة البتكوين، التي تتقلب قيمتها بناء على معنويات السوق، ترتبط العملات المستقرة بالعملات التقليدية المقومة بها، مما يوفر لها مزيدا من الاستقرار.
الوضع الحالي
تعمل الإمارات حاليا على تعزيز السيولة بالنسبة للمدفوعات القائمة على البلوكتشين والعملات المستقرة، حسبما صرح لنشرتنا مروان الزرعوني، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، والرئيس التنفيذي لمركز دبي للبلوكتشين. وأوضح الزرعوني: "نعمل على زيادة هذه السيولة، لكننا نفعل ذلك بطريقة تدريجية ومدروسة للغاية، تغطي أيضا جميع التقنيات والبنية التحتية الأساسية المطلوبة".
وقد قفز حجم تداول العملات المستقرة في الإمارات لأغراض التمويل التجاري والتحويلات المالية والتسويات بين الشركات بنسبة تزيد عن 40% على أساس سنوي في عام 2025، بفضل البيئة التنظيمية التقدمية في الدولة، حسبما كشف لنا تشارلز دوسي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "دي واي دي إكس" ومؤلف كتاب Arabian Crypto.
وأضاف دوسي أن "السوق ينشط في الإمارات حاليا من خلال الشركات أولا، وسيتبعها قطاع الأفراد لاحقا". لكن كيف تستفيد الشركات من استخدام العملات المستقرة؟ توضح سيرينا سيباستياني، رئيسة الاستراتيجية والمشاريع لمجموعة فيوز، أن تلك العملات "تمثل أداة للبنية التحتية تصلح للعديد من أنواع الأعمال".
تعد سيباستياني خبيرة في هذا الشأن، إذ قادت منصة التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية التابعة لشركة "بي دبليو سي" في الشرق الأوسط لمدة 15 عاما، وعملت مع جهات تنظيمية مثل سلطة تنظيم الأصول الافتراضية، ومصرف الإمارات المركزي، والبنك المركزي السعودي.
كشفت سيباستياني أن تداول العملات المشفرة ما زال يمثل نحو 60-65% من حالات الاستخدام في الإمارات، مشيرة إلى أن استخداماتها آخذة في التوسع. واضافت أن السوق "يشهد مزيدا من المنصات والاستخدامات للعملات المستقرة المقومة بالدرهم، لكننا ما زلنا في مراحل مبكرة للغاية".
ويرى الخبراء أن المعاملات بين الشركات هي المجال الذي تبرز فيه حاليا قيمة العملات المستقرة. وشرحت ذلك سيباستياني بأن تلك العملات "تسهل التعاملات التجارية، والمدفوعات عبر الحدود، وعمليات البطاقات والتحصيل في تلك البلدان التي يصعب فيها استرداد الدولارات أو توفير السيولة الدولارية".
حل بديل لتقلبات أسعار الصرف في وجهات الاستثمار الأجنبي
أصبحت للإمارات بصمة استثمارية ضخمة في الخارج. إذ تنشط شركات مثل أدنوك وطاقة وموانئ دبي العالمية وطيران الإمارات واتصالات والشركة العالمية القابضة والقابضة (إيه دي كيو) والصناديق السيادية في عشرات الأسواق النامية، بما في ذلك بلدان تعاني من اضطرابات سياسية ومالية شديدة. وفي بلدان مثل مصر وباكستان وإثيوبيا وسوريا ما بعد الحرب، ليست هناك طرق مستدامة لتوفير السيولة الدولارية، والقنوات المصرفية تعاني من مشكلات، ويمكن أن يستغرق استرداد الأرباح شهورا. والحل البديل لذلك هو العملات المستقرة.
وتوضح سيباستياني أن "الأعمال مثل شركات الطيران عادة ما تكون لديها أموال عالقة في بعض المناطق لمدد تتراوح بين 9 و12 شهرا، وأحيانا لفترات أطول"، وذلك "لصعوبة استرداد الأرصدة الدولارية بسبب نقص السيولة"، إلا أن العملات المستقرة "توفر لتلك الأعمال جسرا لاسترداد الأموال [قبل أن تفقد قيمتها]".
هذا يجعل عملية تداول السلع وتسوية قيمتها أكثر كفاءة، حسبما يقول الزرعوني، خاصة عند أخذ تدابير الرقمنة الأخرى في الاعتبار. وأوضح أنه يمكنك حينها "نقل السلع بسرعة أكبر، وتسوية المعاملات رقميا، وإكمال الرحلة بأكملها دون عقبات"، مضيفا أن دمج الذكاء الاصطناعي ومنصات التجارة الرقمية مع هذا النوع من مسارات الدفع والبنية التحتية يمكن أن يتيح تسوية المدفوعات في العمليات التجارية بسلاسة وسرعة أكبر.
استخدامات إضافية في التحويلات المالية والسياحة
يشكل الوافدون نحو 90% من سكان الإمارات، كما أنها أصبحت ثالث أكبر مرسل للتحويلات المالية العام الماضي، وفقا لشركة فيزا. لكن التحويلات المالية تتم برسوم عالية، إذ يقدر متوسط تكلفتها العالمية بنسبة 6.5%، حسبما تقول سيباستياني، موضحة أن العملات المستقرة تقلل من تلك التكلفة بنسبة 40%.
ولا يقتصر الأمر على التكلفة بل يمتد إلى الكفاءة، لا سيما في المناطق التي تتعثر فيها شبكات سويفت التقليدية، وتستغرق المعاملات نحو خمسة أيام. وتشير سيباستياني إلى أن "التحويلات المالية التي نسهلها عبر العملات المستقرة لا تستغرق سوى نحو 20 دقيقة، بدلا من الأيام الخمسة المعتادة".
وتقول سيباستياني إن هذه السهولة تسهل كذلك حياة السياح، فإذا كانت لديهم محفظة أو بطاقة للعملات المستقرة المقومة بالدرهم، فلن يضطروا إلى تحويل أموالهم إلى الدرهم والخضوع لأسعار الصرف. وتضيف أن هذا مهم بالأخص للأماكن التي تشهد حركة سياحية كثيفة ومؤتمرات كثيرة مثل الإمارات.
محاذير وتحديات
لا تزال هناك وصمة يجب التغلب عليها، تتعلق بشبهة استخدام العملات المستقرة في الأنشطة غير المشروعة. ويقول الزرعوني عن ذلك إن تلك العملات "قابلة للتتبع بدرجة أكبر بكثير من [الأوراق النقدية] أو المعاملات المصرفية". فرغم أن معاملاتها تكون تقريبا مجهلة الهوية، يوضح الزرعوني أننا نشهد بالفعل ظهور "بيانات اعتماد يمكن التحقق منها على السلسلة عبر هويات رقمية قائمة على البلوكتشين"، مما يسمح بإجراء المعاملات بالكامل على السلسلة نفسها.
💡 تسمح الهويات الرقمية اللامركزية للأطراف الخارجية المصرح لها بالتحقق من هوية المستخدم الحقيقية مرة واحدة، باستخدام دليل إثبات مشفر يحمي هوية المستخدم. ويعني ذلك وجود عملية للتحقق من هوية العميل، تتضمن عقودا ذكية تطلع على تلك الإثباتات المشفرة على الفور للتحقق من الامتثال للوائح قبل تنفيذ أي تحويل.
الفكرة هنا تتمثل في قابلية التكامل بين الأنظمة المختلفة، والعمل مع السلطات التنظيمية الأخرى لتوحيد القواعد واللوائح التي تحكم أنشطة العملات المستقرة، وفقا لمصادرنا. ويقول الزرعوني في هذا الصدد إن "الإمارات لها دورها الخاص، لكننا لسنا جزيرة منعزلة. فيتعين علينا العمل مع السلطات التشريعية الأخرى، سواء في جنوب شرق آسيا أو الولايات المتحدة أو أوروبا، عندما يتعلق الأمر بقواعد التحقق من هوية العميل ومكافحة غسل الأموال والعناية الواجبة"، مشيرا إلى شراكات كالتي تجمع ب ين بنك زاند وعملة ريبل المستقرة المقومة بالدولار، وأنها تساعد في تطوير منظومة ناضجة للبنية التحتية.
ويلاحظ دوسي أن العملات المستقرة المقومة بالدرهم لا تزال في مراحل مبكرة جدا، لكن صعودها مع العملات الأخرى، يساعد المنظومة بشكل متزايد على النضج وتحدي هيمنة العملات المستقرة المقومة بالدولار. ويوضح أن هذا أمر ضروري، قائلا إنه "إذا كان نظامك المالي المحلي مبنيا على بنية تحتية تابعة لطرف آخر، مثل الدولار على سبيل المثال، فلن تحظى بالحرية، ولن تكون متحكما في أي شيء".
وفي الوقت الحالي، تقتصر عمليات الدفع باستخدام العملات المستقرة في الإمارات على العملات المستقرة المدعومة بالدرهم، وهذا لسبب وجيه. فتوضح سيباستياني أن "العملات ينبغي أن تكون سيادية. وأعتقد أننا سنشهد بالفعل طرح المزيد والمزيد من العملات المستقرة المقومة بالعملات المحلية، وهذا سيسهل تبادل العملات المستقرة المقومة بعملات مختلفة، وسيتيح التبادل بسهولة أكبر، بدلا من الاضطرار إلى التحويل بين العملات التقليدية والمشفرة".