أمضى نادر أميري (لينكد إن) معظم مسيرته المهنية في قطاع السلع الاستهلاكية، متنقلا بين كبرى شركات السلع الاستهلاكية سريعة التداول مثل يونيليفر وكوكاكولا، حتى أسس شركته الناشئة الجروسر لتوصيل البقالة ثم تخارج منها. والآن انتقل أميري إلى الجانب الآخر من ذلك العالم، إذ يدعم في عمله الحالي العلامات التجارية الناشئة في المنطقة.
بصفته الشريك العام في شركة هوم غرون فينتشرز، يركز أميري على فجوة يراها قائمة منذ مدة طويلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ألا وهي غياب الدعم المباشر لمؤسسي الشركات في قطاع السلع الاستهلاكية سريعة التداول. أغلقت الشركة مؤخرا صندوقا بقيمة 22.8 مليون دولار حظي بتغطية كبيرة، يهدف إلى دعم العلامات التجارية التي تركز على المنتجات الاستهلاكية الصحية، وذلك ضمن اتجاه أوسع يراهن على أن العلامات التجارية المحلية لم تعد مجرد منتجات مخصصة لشرائح بعينها، بل بدأت تكتسب مكانة راسخة في السوق.
وفي فقرة روتيني الصباحي، التي نحاور خلالها أحد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدؤون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم، نتحدث هذا الأسبوع مع أميري حول صعود العلامات التجارية المحلية، والدوافع وراء هذا التحول، وكيف ينظم يومه. وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا:
إنتربرايز: لنعد إلى البداية؛ ما الذي دفعكم إلى تأسيس هوم غرون فينتشرز؟
نادر أميري: بعد التخارج من شركتي الناشئة وتسليم الإدارة، بدأت أفكر في خطوتي التالية. كنت أتحدث باستمرار أنا وشريكي أحمد مع مؤسسي الشركات، وأدركنا أن هناك فجوة جوهرية بالسوق فيما يتعلق بدعم المؤسسين في قطاع السلع الاستهلاكية سريعة التداول.
كان المؤسسون يلجؤون إلينا طلبا للتمويل أو الدعم، ما دفعنا للتساؤل: لماذا لا يتوجهون إلى صناديق الاستثمار، أو شركات رأس المال المغامر، أو حاضنات ومسرعات الأعمال؟ وسرعان ما أدركنا أن هذا النوع من الدعم المتخصص غير موجود فعليا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالأخص الإمارات. لذلك، وبناء على تجربتنا كمديرين ومؤسسين في هذا القطاع، فكرنا في أن نكون تلك الشرارة المطلوبة لتحفيز بيئة الأعمال، وأن نساعد المؤسسين في الحصول على الدعم الذي يحتاجونه لتسريع وتيرة نمو أعمالهم.
إنتربرايز: ما الذي ترصدونه على أرض الواقع فيما يتعلق بزيادة الحصة السوقية للعلامات التجارية المحلية؟ وما العوامل وراء هذا التحول؟
نادر أميري: لقد ذهلنا مما رأيناه. بدأ هذا التحول خلال جائحة كوفيد، واستمر في اكتساب الزخم منذ ذلك الحين. قضت الجائحة على الكثير مما نصفه بالسلوكيات التلقائية. فقبلها، كنا معتادين على التسوق وشراء سلع معينة بطرق محددة. لكن عندما اضطر الناس للبقاء في منازلهم، شرعوا في تجربة منصات جديدة واستكشاف منتجات غير مألوفة.
حينها بدأ المستهلكون في اكتشاف العلامات التجارية المحلية ومحاولة دعم مجتمعهم المحلي. ومع التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، تطور هذا التوجه إلى تحول أكبر نحو الاعتماد على العلامات التجارية المحلية. وأصبح الأمر أشبه بحركة مجتمعية، إذ أدرك الناس وجود العديد من العلامات التجارية الحديثة وعالية الجودة التي تنطلق من المنطقة، والتي تلائم أذواقنا أكثر وتفهم سلوكياتنا الاستهلاكية فهما أكبر.
إنتربرايز: ماذا عن تأثير اضطرابات سلاسل التوريد مثل تلك التي نشهدها حاليا؟ كيف تنعكس على العلامات التجارية المحلية تحديدا، وما هي أبرز تحديات توطين الصناعة؟
نادر أميري: لا يزال هناك اعتماد كبير على الواردات، سواء بالنسبة للسلع النهائية أو المواد الخام ومواد التعبئة والتغليف. لكننا لاحظنا أن العلامات التجارية واجهت تحديات في الأسابيع الأولى، ثم بدأت سريعا في إيجاد مسارات بديلة، سواء عبر عمان أو السعودية أو من خلال الشحن الجوي. ربما زادت التكلفة، لكن الطلب لم يتوقف. والمثير للاهتمام أن الشركات التي تحركت أسرع هي التي استحوذت على حصة سوقية أكبر، وكان هذا واضحا بالأخص في حالة العلامات التجارية المحلية. لقد كانت على دراية كاملة بمجريات السوق وتمكنت من الاستجابة بسرعة أكبر.
إنتربرايز: وما الذي أقنعك بأن هذا هو الوقت المناسب لدعم العلامات التجارية للمنتجات الاستهلاكية الصحية؟
نادر أميري: هناك جانب شخصي في تلك المسألة. فنحن نرغب في دعم المنتجات التي نؤمن بها فعليا والتي نرضى بتقديمها لعائلاتنا. لذا، قررنا أن نقرن أقوالنا بالأفعال، وأن ندعم الشركات التي تتبنى أهدافا مجتمعية.
أما العامل الآخر فهو التوجهات العامة. فمنذ الجائحة أصبح الناس أكثر وعيا بما يستهلكونه، وباتوا أكثر اهتماما بالمكونات، ويختارون المنتجات البديلة كلما أمكنهم ذلك. ورغم أن هذا لم يصبح توجها عاما يشمل كافة أطياف السوق بعد، فإن المستهلكين يبحثون بصورة متزايدة عن المنتجات التي تولي الأولوية لصحتهم وعافيتهم.
وتمثل التحدي الأكبر في التوفر والوعي، لكن بمجرد أن يكتشف الناس هذه المنتجات، فإنهم يصبحون فورا من مستهلكيها الدائمين.
إنتربرايز: هل ترى هذا التحول نحو العلامات التجارية المحلية توجها راسخا في السوق، أم أنه قد يتغير؟
نادر أميري: خلال الأزمات الثلاث أو الأربع الأخيرة على المستوى العالمي والإقليمي، لم نشهد سوى تزايدا في هذا التوجه عند كل منعطف. الميزة الوحيدة التي تصب في صالح الشركات متعددة الجنسيات هي الحجم (سواء من حيث التسعير أو التوزيع أو الانتشار)، وهي مسألة ستستغرق وقتا من العلامات التجارية المحلية. لكن بمجرد أن يجد المستهلكون منتجات تلك العلامات، تزيد معدلات التحول نحو استخدامها ومدى الولاء لشركاتها. لذا، نرى أن هذا التوجه مستمر على المدى المتوسط وربما الطويل، وأنه يشهد صعودا في المجمل.
إنتربرايز: هل تغير الظروف الإقليمية الحالية من نهجكم في الاستثمار؟
نادر أميري: ليس كثيرا بصراحة. ربما أثرت على نهجنا بدرجة ما، فنحن ندرس بعناية أكبر حاليا أي فئات المنتجات تبدي قدرا أكبر من المرونة. في مثل هذه الأوقات، يميل الناس إلى المنتجات البسيطة التي يدللون بها أنفسهم، مثل منتجات العناية الشخصية أو الأغذية. لذلك ننظر في المنتجات التي تبين أنها تتحلى بمرونة أكبر، ونقرر ما إذا كنا سنكثف استثماراتنا فيها أم سنستثمر في منتجات جديدة ضمن فئات مماثلة.
إنتربرايز: لنتحدث الآن عن روتينك اليومي، كيف يبدأ صباحك؟
نادر أميري: أنا شخص صباحي. أستيقظ عادة حوالي الساعة 5 صباحا، وأمارس بعض التمارين الخفيفة مثل المشي، ثم أخصص وقتا للتأمل، حتى لو كان لمدة 10-15 دقيقة فقط لتصفية ذهني. كما أمتلك خمس قطط، لذا يجب أن أقضي بعض الوقت معها، وإلا فلن تدعني أعمل لبقية اليوم.
أبدأ يوم عملي في الساعة 7 صباحا، وأخصص أول ساعتين للتخطيط ووضع الاستراتيجيات والعمل على المهام التي تتطلب التركيز. إذ أتبع مبدأً يقوم على إنجاز المهام الصعبة أولا في بداية اليوم، عندما يكون ذهني صافيا وعملي أقل عرضة للمقاطعة. بعد ذلك، تبدأ الاجتماعات عادة من الساعة 9 صباحا، ثم يستمر باقي يوم العمل.
إنتربرايز: وكيف يبدو يوم عملك المعتاد بمجرد أن تنتهي من الاجتماعات؟
نادر أميري: يتضمن اليوم مزيجا من المهام، تشمل تقديم الدعم لشركات محفظتنا، وتقييم الاستثمارات الجديدة، والبقاء على اطلاع وثيق بما يحدث في بيئة الأعمال من خلال التحدث مع تجار التجزئة والموزعين والمستهلكين، لفهم السلوكيات على أرض الواقع. كما نقضي بعض الوقت في التفكير في بيئة الأعمال الأوسع، وليس الشركات فقط، بل نبحث عن الفجوات في المنظومة، وكيف يمكننا المساعدة في سدها.
إنتربرايز: ما هي خطوتك التالية، على المستويين الشخصي والمهني؟
نادر أميري:على المستوى الشخصي، أتطلع لقضاء عطلة صيفية. لا أعرف أين أو كيف أو متى، لكن آمل أن يكون ذلك قريبا، فجميعنا نستحق إجازة بعد الأشهر الصعبة التي مررنا بها.
أما على المستوى المهني، فقد أغلقنا للتو الصندوق الاستثماري بتغطية كبيرة، لذلك لدينا قدرا أكبر من المال سنسعى لاستثماره. وينصب تركيزنا الآن على تسريع وتيرة الاستثمارات واختيار 4-5 فرص للاستثمار فيها هذا العام. وفي الوقت نفسه، نعمل على تقديم دعم أكبر لشركات محفظتنا، وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في بناء فرق العمل والخبرات من الصفر على نحو أكثر إنتاجية ومرونة.
ترشيحات نادر
ما يقرأه: كتاب Antifragile للمؤلف نسيم طالب، وهو كتاب يتناول كيف يمكن للأنظمة أن تستفيد من الفوضى والاضطرابات. ويرى نادر أنه "مع مرور الوقت تزداد أهمية هذا الكتاب".
أفضل نصيحة تلقاها: التخطيط من أجل النجاح.