يبدو أن العلاقات الإماراتية الصينية ستشهد مزيدا من التوطيد بفضل الزيارة الأخيرة التي أجراها ولي عهد أبو ظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى بكين. إذ اتفق البلدان على تعزيز الاستثمارات وتعميق التعاون في مجالات الهيدروجين وتخزين الطاقة والسيارات الكهربائية. كما شهدت الزيارة توقيع 24 اتفاقية لتعزيز الروابط التجارية والاستثمارية، بحسب صحيفة "ذا ناشيونال".
كذلك اتفق الجانبان على وضع إطار استثماري قد يشهد تأسيس صناديق ومنصات استثمارية وأدوات مشتركة لدعم الاستثمارات، ليس فقط في أسواق البلدين، وإنما أيضا في أسواق أخرى بموجب شراكات ثنائية بينهما، بحسب بيان رسمي. كما ستتكفل كيانات استثمارية إماراتية بتأسيس منصة استثمارية تركز على الصين، على أن يكون ذلك رهنا بالحصول على الموافقات اللازمة و"ظروف السوق السائدة"، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول هذه الكيانات أو الجدول الزمني أو القطاعات المستهدفة.
تأتي الزيارة وتسريع وتيرة التعاون في توقيت حساس، نظرا إلى أن الصين سيتعين عليها الموازنة بين شراكتها الإستراتيجية مع إيران من ناحية ومع دول الخليج من ناحية أخرى. ويعد الشيخ خالد بن محمد آل نهيان هو المسؤول العربي الأعلى رتبة الذي تستقبله الصين في عام 2026 حتى الآن، حسبما نقلت "ذا ناشيونال" عن تسنغ جيشين السفير الصيني لدى الإمارات، واصفا الزيارة بأنها "حدث فارق" في العلاقات الثنائية سينقل نقل التعاون بين البلدين من مرحلة "العلاقة التكميلية المتبادلة" إلى مرحلة "التآزر التنموي".
ويبدو أن الرسالة التي يبعث بها البلدان هي مواصلة الالتزام والحياد في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية. فبينما تكهن البعض بأن الحكومات الخليجية قد تصبح أكثر انتقادا لعلاقات الصين مع إيران بعد الهجمات الإيرانية على الخليج، يبدو أن عزوف الصين عن الانخراط الملموس في الحرب عبر تقديم دعم عسكري لإيران قد ساعد في الحفاظ على العلاقات الودية مع الخليج، أو على الأقل مع الإمارات.
معلومة سريعة: ترتبط الإمارات والصين بشراكة تجارية واستثمارية وثيقة؛ إذ ارتفع حجم التجارة غير النفطية بين البلدين بنسبة 24.5% على أساس سنوي ليبلغ 111.5 مليار دولار في العام الماضي.
تمثل هذه خطوة استراتيجية من جانب الإمارات؛ ففي حين أن دور الصين في الحرب ما زال هامشيا حتى الآن، يظل نفوذها المستقبلي على إيران احتمالا مرجحا. "فمن المؤكد أن الصين لديها قدر من النفوذ على إيران بسبب تحالفها الاقتصادي معها، وهو ما قد يصب في مصلحة الإمارات في حال حدوث مفاوضات مستقبلا"، حسبما ذكرت أمانديب أهوجا رئيسة الأبحاث في شركة كونفلوينس للاستشارات في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية.
صحيح أن الصين ليست وسيطا رسميا في الوقت الحالي، لكنها توسطت في عام 2023 لتطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، لذا فمن المرجح أن تؤثر مستقبلا في المفاوضات والعلاقات الخليجية الإيرانية التي تدهورت تماما في الوقت الحالي، حسبما أضافت أهوجا.
ويبدو أن "توقيت الزيارة كان مرتبطا باعتبارات اقتصادية بعيدة المدى أكثر من ارتباطه بالأهداف الدبلوماسية قصيرة المدى،" حسبما ذكر روبرت موغيلنيكي، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، في تصريحه لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأضاف: "في ظل الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها الإمارات بسبب الحرب، فإن قيادة الدولة لن تفوت أي [فرصة] لتعزيز الروابط الاقتصادية مع قوة اقتصادية عالمية كبرى مثل الصين."
لا يقتصر الأمر على الحرب فحسب: إذ تشير أهوجا إلى أن توطيد العلاقات الإماراتية الصينية يأتي تزامنا مع اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن سلاسل التوريد الحيوية بهدف تقليل الاعتماد على الصين والبحث عن شركاء "متوافقين في الرؤى" لتعزيز سلاسل التوريد، مضيفة أن "تقارب الصين والإمارات يعد خطوة استراتيجية ليس فقط في سياق الحرب، وإنما من أجل المستقبل أيضا".
ما تأثير تعزيز العلاقات الإماراتية الصينية على تحالف الإمارات مع الولايات المتحدة؟
في ظل توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين اضطرت الإمارات إلى التحرك بحذر في تعاونها مع بكين. فرغم حفاظ الإمارات على تحالفها مع الصين حتى الآن، اقتصر هذا التحالف على قطاعات استراتيجية معينة، مع استثناء قطاع التكنولوجيا، حيث تعد العلاقات الإماراتية مع الولايات المتحدة أعمق وأقوى بكثير، ومشروطة بعدم الانكشاف على التكنولوجيا الصينية في الإمارات.
وقد أكد هادي بدري، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للتنمية الاقتصادية، هذا الموقف في فعالية نظمتها منصة سيمافور هذا الأسبوع، قائلا إن علاقة الإمارات بالصين تمثل فلسفة راسخة في السياسة الخارجية تقوم على عدم الانحياز إلى طرف دون الآخر.
وبينما تكهن البعض بمستقبل العلاقات الأمريكية الخليجية بعد الحرب، نظرا إلى تداعياتها على الخليج، لا يوجد مؤشر قاطع على أن الإمارات قد تفكر في الابتعاد عن الولايات المتحدة، وإن كانت "الحرب قد تدفع قادة المنطقة نحو إعادة ترتيب أوراقهم الاستراتيجية فيما يخص العلاقات مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل"، كما ذكرت لنا أهوجا سابقا.
الأمر يعتمد بالطبع على نتائج الحرب: فإذا حققت الولايات المتحدة أي نجاح عسكري حاسم في إيران، سيكون ذلك بمثابة "بلسم مهدئ للعلاقات الأمريكية الخليجية"، وسيطمئن دول الخليج بشأن موثوقية الاعتماد على واشنطن، بحسب ما قاله لنا نيكولاس هيراس، كبير المحللين ورئيس برنامج مرونة وهشاشة الدول في معهد نيو لاينز للاستراتيجيات والسياسات، آنذاك.
الأولوية للقطاعات الاستراتيجية: ركزت الاتفاقيات الـ 24 التي أبرمت هذا الأسبوع على تعزيز الروابط الحالية، حسبما أضافت أهوجا، مشيرة إلى أن الجانبان "لم يكشفا عن أي اتفاقيات تكنولوجية جديدة بينهما، ما يشير إلى أن اتجاه السياسة التجارية لم يتغير".
الحرب قد تحمل فرصة للصين أيضا على عدة أصعدة
قد تجد الشركات الصينية فرصة سانحة في الإمارات إذا بدأت الشركات الغربية والعالمية ترى منطقة الخليج محفوفة بالمخاطر. "فإذا سيطرت المخاوف على الشركات العالمية الرائدة، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، تجاه العمل في المنطقة عقب الحرب مع إيران، قد تتمكن الشركات الصينية من الاستحواذ على حصة أكبر في سوق المنطقة (الذي قد يتقلص حجمه)، حسبما كتب روبرت موغيلنيكي مؤخرا.
ومع توجيه إيران تهديدات لشركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة، واستهدافها مباشرة في بعض الأحيان، تضاعفت مؤشرات المخاطر بدرجة هائلة أمام الشركات المهتمة بالاستثمار في المنطقة. ومع ذلك، واصلت العديد من المؤسسات الأجنبية المضي قدما في خطط توسعها في المنطقة؛ إذ أعلنت شركة باين كابيتال للاستشارات أمس افتتاح مكتب لها في أبوظبي.
لكن الشركات الصينية ليس لديها استعداد كبير لتحمل المخاطر كما يظن الكثيرون، بحسب موغيلنيكي، الذي أوضح قائلا: "الحكومة وكيانات الأعمال في الصين تتبنى نهجا براغماتيا في تعاملاتها في المنطقة، وهم حريصة على استكشاف سبل التوصل إلى ترتيبات تجارية غير متاحة لنظرائها الأمريكيين والأوروبيين. ومع ذلك، لكن المؤسسات الصينية لا تقحم نفسها في مناطق الصراع، ولا ترغب في خوض مخاطر جيوسياسية جسيمة."
وأضاف موغيلنيكي أن "بكين ومجتمع الأعمال الصيني يضعون أولوية كبيرة لاستقرار المنطقة، ومن المرجح أن أي خطط جادة لتعاون طويل الأمد ستكون مبنية على تقديرات تتوقع عودة قدر كبير من الاستقرار إلى منطقة الخليج في نهاية المطاف."