نعم — أهمية هرمز لا تقتصر على إمدادات النفط والغاز: يمر جزء كبير من واردات الغذاء إلى منطقة الخليج عبر مضيق هرمز، بما يعادل حوالي 70%، حسبما نقلت رويترز عن نيل كويليام الزميل المشارك في مركز أبحاث تشاتام هاوس. وفيما يخص القطاع الزراعي في المنطقة، يشهد المضيق مرور حوالي ثلث شحنات الأسمدة العالمية. كما أن الأسمدة النيتروجينية، التي تستخدم في إنتاج نصف الغذاء العالمي، يأتي معظمها من الخليج وتمر عبر هذا المضيق المائي.
بلغة الأرقام: تشحن الشركات العالمية حوالي 55-60 مليون طن من اليوريا عبر البحر سنويا، ويوفر الشرق الأوسط نحو 40-50% من هذه الكمية. إذ تصدر إيران ما يقرب من 5 ملايين طن، بينما تسهم السعودية بنحو 4-5 ملايين طن من خلال منتجين مثل سابك. وكذلك تساهم قطر بنحو 11% من صادرات اليوريا العالمية، وفقا لأليكسيس ماكسويل المحللة لدى بلومبرغ إنتليجنس؛ إذ تصدر الدولة نحو 5.5-6 ملايين طن من اليوريا والأمونيا سنويا من مجمع شركة قطر للأسمدة الكيماوية (قافكو).
ومع تعطل الشحن عبر الممر، بدأت أسواق الأسمدة بالفعل في إعادة تسعير المخاطر، ما يرفع احتمالات زيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج الزراعي، وبالتبعية أسعار الغذاء. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يضاعف الضغوط، نظرا إلى أن الغاز الطبيعي هو أهم لوازم إنتاج الأسمدة النيتروجينية. وعن ذلك صرح لنشرتنا أندرو فاراند، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة هورايزن إنغيدج، قائلا إن "المنتجين الزراعيين ربما يتضررون بسبب الدور المحوري للغاز الطبيعي في إنتاج الأسمدة، ما سيؤثر في أسعار الغذاء".
رد فعل السوق: قفزت أسعار اليوريا الحبيبية بمقدار 60 دولارا للطن بعد الإغلاق الفعلي للمضيق. وفي منطقة ساحل الخليج الأمريكي، قفزت الأسعار الفورية لليوريا بمقدار 60-80 دولارا عن الأسبوع الماضي، كما يحذر التجار من زيادات أخرى محتملة إذا استمرت الاضطرابات. وبدأ بعض المشترين يتطلعون بالفعل إلى أسواق أخرى مثل شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا للحصول على الإمدادات، بحسب بلومبرغ غرين ماركتس.
لكن ما يشغل بال اقتصادات الخليج المعتمدة على الاستيراد كاقتصادنا ليس تغيرات الأسعار في أسواق الأسمدة، وإنما سرعة تأثير هذه التغيرات على سلاسل توريد الغذاء في المنطقة. إذ تستورد الإمارات ما بين 80 و90% من إمداداتها الغذائية، علما بأن حصة كبيرة من الواردات تأتي من إيران نفسها، التي حظرت تصدير المنتجات الغذائية والزراعية إلى أجل غير مسمى.
ومن جانبهم حث المسؤولون على الهدوء؛ إذ أكدت وزارة الاقتصاد توافر مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية تكفي لمدة تتراوح بين 4 و6 أشهر.
وبدأ تجار التجزئة بالفعل في التحرك لتعزيز سلاسل التوريد: إذ شرعت مجموعة لولو الإماراتية في استئجار رحلات شحن جوي خاصة لتأمين إمدادات الغذاء، وبالفعل هبطت في أبوظبي طائرة شحن تحمل حوالي 80 طنا من الفواكه والخضروات القادمة من الهند، مع الترتيب لشحنات إضافية.
ولا تتوقع شركات السوق تأثرا كبيرا في المدى القريب، لكن القلق يكمن في طول أمد الاضطرابات لأن "جزءا ضخما من الإمدادات الغذائية في المنطقة يُورد إلى الإمارات ثم يعاد تصديره إلى الخارج"، حسبما ذكر لنشرتنا سكاي كورتز، الرئيس التنفيذي لشركة بيور هارفست، مضيفا أن هذا الحجم الكبير للعمليات اللوجستية، مع وجود بنية تحتية واسعة من سلاسل التبريد، يسهم في امتصاص الصدمات قصيرة الأمد.
ما العمل؟
يمكن الاستعانة ببدائل مثل تغيير مسارات التصدير لتمر عبر طرق الشحن بالدول المجاورة الصديقة أو تعتمد على الشحن الجوي، لكنها أبطأ وأعلى تكلفة بكثير. وإذا استمر اضطراب حركة الشحن عبر هرمز، فإن منظومة الاستيراد عالية الكفاءة في دولة الإمارات سيمكنها الحفاظ على تدفق إمدادات الغذاء لكن بتكلفة أعلى.
كما تنسق الحكومة مع الشركات الزراعية في الدولة وتدعمها بما يلبي احتياجاتها اللوجستية، ما سيسهم في تقديم المساندة اللازمة حتى في حالة استمرار الاضطرابات، حسبما أضاف كورتز.
وإلى جانب هذا فالدعم الحكومي قد يأتي في مرحلة ما؛ "فربما تقرر الحكومات تحمل جزء من تلك التكلفة من خلال دعم الغذاء، وهو ما حدث بالتأكيد في أزمات سابقة"، حسبما نقلت رويترز عن جاستن ألكسندر، محلل شؤون الخليج في غلوبال سورس بارتنرز، ومدير خليج إيكونوميكس.
ربما حان وقت إبراز قدرات الشركات الزراعية المحلية عالية التقنية .. لكن هناك عقبات
يمتلك المزارعون في الخليج قدرا من اللوازم الأساسية يكفي لما يتراوح من 5 إلى 8 أسابيع، بما يشمل الأسمدة، ما يساعد في تخفيف أثر الاضطرابات القصيرة، بحسب كورتز، مضيفا أن المزارعين الذين يستخدمون التقنيات العالية يستهلكون كميات قليلة جدا من الأسمدة ضمن أساليب الزراعة الدقيقة.
وقد لا تكون الأسمدة هي أولى العقبات التي سيبدأ أثرها في الظهور؛ فبالنسبة لشركة بيور هارفست، قد يصبح من الصعب إيجاد بدائل للوازم الخاصة مثل الملقحات ومستلزمات المكافحة البيولوجية للآفات قبل أن يصبح نقص الأسمدة حادا. وهذا يعني أن طول أمد الاضطرابات قد يبدأ التأثير على المحاصيل على مستوى سلسلة المستلزمات الزراعية عموما، وليس فقط من خلال أسعار اليوريا وحدها.
نظرة مستقبلية
تستهدف دولة الإمارات خفض اعتمادها على استيراد الغذاء إلى 50% فقط بحلول عام 2050، ولذا دشنت عدة مبادرات لزراعة محاصيل متكيفة مع المناخ وتعزيز الإنتاج المحلي في مناطق مثل رأس الخيمة. كما تشجع الابتكار عبر مبادرات مثل برنامج "أغري إكس" لتسريع تطوير التكنولوجيا الزراعية، وبرنامج رواد الغذاء والزراعة.
فرصة على المدى الطويل: يرى كورتز أنه "إذا دفع الوضع الحالي المنطقة إلى إعادة التفكير في سياساتها ومدى اعتمادها على الاستيراد، فقد يمنحنا هذا فرصة للحصول على منتجات ذات جودة أعلى وتنوع أكبر على المدى الطويل، فضلا عن تحقيق أمن غذائي حقيقي وتعزيز التنويع الاقتصادي وزيادة الأصول الرأسمالية، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة".
والتحدي الأكبر أمام هذه الشركات يكمن في الحصول على رأس المال، حسبما أوضح كورتز، مشددا على الحاجة إلى وجود كيان على غرار مؤسسات تمويل التنمية لتوفير تمويل منخفض التكلفة وطويل الأجل لمشاريع البنية التحتية، ما يسمح لشركات التكنولوجيا الزراعية بالتوسع وتقديم منتجات بأسعار أقل لمنافسة الواردات الرخيصة.