تحبس المنطقة أنفاسها ترقبا لصدمة قوية ستصيب قطاع السياحة، بغض النظر عما ستؤول إليه الأزمة الراهنة. إذ قال محللون وخبراء اقتصاديون تحدثنا إليهم خلال اليومين الماضيين إن قطاعي الطيران والسياحة في المنطقة سيتحملان العبء الأكبر من أضرار هذه الاضطرابات؛ لأن السياح سيصبحون مترددين في الذهاب إلى الوجهات التي كانوا يرونها في السابق ملاذات آمنة، بما تزخر به من معالم سياحية وطقس مشمس على مدار العام.
الأرقام تبعث على القلق: قد تتقلص أعداد القادمين إلى المنطقة بنسبة تصل إلى 27% على أساس سنوي خلال العام الجاري، وفقا لمذكرة بحثية صادرة عن منصة توريزم إيكونوميكس اطلع عليها فريق نشرة إنتربرايز الصباحية. ويمثل هذا تراجعا بنحو 40 نقطة مئوية عن توقعات النمو السابقة، ما سيؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 56 مليار دولار من الإيرادات المتوقعة من السياحة.
كان التأثير فوريا: تضاعفت عمليات إلغاء العطلات في يوم 28 فبراير بعد اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وفقا لما نقلته وكالة رويترز عن بيانات منصة "إير دي إن إيه". وشهدت الإمارات إلغاء حوالي 8,500 حجز لوحدات مؤجرة للعطلات في ذلك اليوم، مقارنة بإلغاء حوالي 3,100 حجز في الليلة الواحدة في المتوسط طوال بقية الشهر. وقفز معدل الإلغاء في دبي وأبوظبي إلى 43.8% في اليوم نفسه، مقابل متوسط قدره 14.5% على مدار شهر فبراير، علما بأن معظم الإلغاءات كانت مرتبطة بإقامات مقررة في شهر مارس.
وأشارت المذكرة إلى أن دول الخليج "ستتكبد أكبر الخسائر في الأعداد"، لأنها أكبر الوجهات "التي كانت معتمدة على تصورات الأمن والاستقرار في المنطقة".
كما أن اضطرابات المجال الجوي وحدها ستكون مكلفة للغاية؛ إذ ألغيت أكثر من 20 ألف رحلة جوية في جميع أنحاء المنطقة خلال اليومين الأولين من الصراع، وفقا لتقرير آخر من رويترز. ومع وجود الطائرات وأطقم الطيران خارج أماكنهم المعتادة، وتغيير المسارات لتجنب الأجواء المغلقة، تضطر شركات الطيران إلى تسيير رحلاتها لزمن أطول مع استهلاك كمية أكبر من الوقود. وعند إعادة فتح المجال الجوي بالكامل، من المتوقع إعطاء الأولوية للركاب العاديين والمقيمين، ما سيؤخر عودة الجداول الزمنية إلى طبيعتها.
الكثير على المحك
تُعد الإمارات مركزا رئيسيا للرحلات القادمة والمغادرة ورحلات الترانزيت، ويستحوذ الشرق الأوسط على نحو 14% من حركة الترانزيت الدولية العالمية، ما يعني يجعل مراكز الطيران الخليجية في قلب الاضطرابات.
كما يسهم قطاع السياحة بحصة كبيرة في اقتصاد الإمارات؛ إذ أسهم بنحو 257.3 مليار درهم (70.1 مليار دولار) من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، أي بحوالي 13% من الناتج الإجمالي، بحسب تقرير سابق لوكالة وام.
متى ستعود ثقة السياح في المنطقة؟
قد تظل الثقة في السفر إلى الشرق الأوسط ضعيفة طوال الربع الثاني، حتى إذا هدأ الصراع بعد فترة قصيرة، على أن تتحسن تدريجيا في الربع الثالث، بحسب منصة توريزم إيكونوميكس.
أما إذا امتد الصراع لشهرين أو أكثر، فقد يستمر تراجع الثقة خلال معظم الفترة المتبقية من العام. بعبارة أخرى، قد تستلزم عودة الثقة عدة أشهر، وليس بضعة أسابيع.
وهناك سوابق تاريخية؛ فالهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو السعودية في عام 2019 أربكت الأسواق لكنها لم تلحق ضررا بنيويا بقطاع السياحة في دول الخليج. أما فترات عدم الاستقرار الطويل في لبنان عام 2006 وفي مصر بعد عام 2011، فشهدت تراجع ثقة السياح على مدار عدة مواسم.