بدأت الإمارات تصبح مركزا إقليميا لسيولة رأس المال المغامر، بعدما حلت في المرتبة الثالثة بقائمة الأسواق الناشئة من حيث تمويلات رأس المال المغامر العام الماضي، وفقا لتقرير ماغنيت السنوي وبيان صحفي منفصل (بي دي إف). إذ جمعت الدولة 1.6 مليار دولار من خلال 231 صفقة، بزيادة قدرها 67% على أساس سنوي، وجاء هذا الأداء مدفوعا بنمو كل من الصفقات التمويلية الضخمة في المراحل المتأخرة، والصفقات غير الضخمة في المراحل المبكرة.

تتحول الدولة من مركز لجذب الشركات الناشئة إلى بيئة محفزة لعمليات التخارج. فقد شهدت إتمام 17 عملية تخارج من خلال صفقات دمج واستحواذ، وهو الرقم الأعلى بين أسواق رأس المال المغامر الناشئة، ما يشير إلى زيادة نضج السيولة بالسوق.

وأصبحت محافظ المستثمرين الإماراتيين تمثل 4% من إجمالي رأس المال المتدفق إلى الأسواق الناشئة، وفي هذا السياق، حلت شركة بلس فينتشر كابيتال بأبوظبي في المرتبة الثالثة عالميا بين مستثمري رأس المال المغامر في الأسواق الناشئة من حيث عدد الصفقات، إذ استثمرت 6.3 مليون دولار من خلال 49 صفقة.

واتسم العام الماضي بعودة الجولات التمويلية الضخمة والتركيز على الذكاء الاصطناعي. فقد احتلت الجولة التمويلية من الفئة "أ" التي شهدت جمع 250 مليون دولار لشركة إكسبانسيو، والجولة التمويلية من الفئة "ج" البالغة 220 مليون دولار لشركة إيرالو، المرتبتين الثالثة والرابعة بين أكبر صفقات أسواق الاستثمار المغامر الناشئة من حيث حجم التمويل. كما شهدت الإمارات جمع 653 مليون دولار من خلال صفقات ضخمة بحلول الربع الثالث من العام الماضي، بعدما غاب هذا النوع من الصفقات تماما عام 2024. كما كانت الإمارات أكبر سوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتمويلات الذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من العام الماضي، بعدما شهدت جمع 125 مليون دولار عبر 35 صفقة.

نظرة أوسع -

جمعت منطقة الشرق الأوسط تمويلات بلغت 3.4 مليار دولار خلال العام الماضي مسجلة أعلى مستوى لها على الإطلاق، وكانت المنطقة الوحيدة بين أسواق الاستثمار المغامر الناشئة التي سجلت ارتفاعا في عدد الصفقات، إذ ازداد بنسبة 13% ليصل إلى 581 صفقة، متجاوزة بذلك منطقة جنوب شرق آسيا لأول مرة.

تصدرت السعودية دول المنطقة بحصولها على 1.7 مليار دولار من إجمالي هذه التمويلات، لتأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد سنغافورة مباشرة، التي جمعت 3.1 مليار دولار. وشهدت المنطقة جمع مبلغ قياسي قدره مليار دولار ضمن فئة الصفقات الضخمة، مدعوما بعودة السيولة المتوفرة للاستثمار في المراحل المتأخرة، وتوطيد الروابط الدبلوماسية، وارتفاع ثقة المستثمرين. وفي المجمل، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جمع 3.8 مليار دولار من تمويلات رأس المال المغامر.

تفوقت المنطقة على جنوب شرق آسيا بفضل قوتها الإقليمية من جهة، وضعف منطقة جنوب شرق آسيا من جهة أخرى، إذ انخفضت صفقات المراحل المبكرة هناك بنسبة 46% على أساس سنوي لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد، حسبما صرحت به فرح النحلاوي مديرة قسم الأبحاث في ماغنيت لنشرة إنتربرايز الصباحية. وفي المقابل، ظلت تدفقات تمويل المراحل المبكرة في دول الخليج قوية بفضل رأس المال المحلي والبرامج المدعومة حكوميا، في حين عادت سيولة المراحل المتأخرة من خلال عدة جولات تمويلية ضخمة جدا. كما ساهمت فعاليات مثل مؤتمر ليب، ومبادرة مستقبل الاستثمار، وأسبوع أبوظبي المالي في جذب المستثمرين والحفاظ على زخم النمو.

توجهات التمويلات: تصدر قطاع التكنولوجيا المالية المشهد الإقليمي في العام الماضي، محققا قفزة في التمويل ليصل إلى مليار دولار. وجاءت التجارة الإلكترونية في المرتبة الثانية بقيمة 494 مليون دولار، تليها الرياضة واللياقة البدنية (309 مليون دولار)، ثم الاتصالات (236 مليون دولار)، وبرمجيات الشركات (184 مليون دولار). وفي الوقت ذاته، قفز تمويل الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 204% على أساس سنوي ليصل إلى 817 مليون دولار.

رؤوس الأموال في المنطقة تصبح أكثر انتقائية -

أصبح رأس المال المغامر ورأس المال الخاص عموما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر انتقائية خلال العام الماضي؛ إذ تحولت عملية الفحص النافي للجهالة من التركيز على الزخم إلى التركيز على الأسس المالية وحجم الأعمال ووضوح طرق استعادة الأرباح، حسبما ذكر فيليب بحوشي الرئيس التنفيذي لشركة ماغنيت. وعلى صعيد الدمج والاستحواذ، يشير النشاط المتزايد مؤخرا إلى نضج المنظومة ورغبة الشركات في الاستحواذ على القدرات التكنولوجية بدلا من بنائها داخليا، بحسب عبد الله مطاوع الشريك في شركة تايلور ويسينغ.

وقد بدأت شركات رأس المال المغامر العالمية قيادة المزيد من الجولات التمويلية في المنطقة، لا سيما ابتداء من جولات الفئة "أ" فصاعدا، مع زيادة وضوح المخاطر، حسيما قالت فرح النحلاوي. إذ اكتسبت المؤسسات الاستثمارية ثقة في آليات إنفاذ القانون، وحماية المساهمين، والنتائج في حالات التعثر، لا سيما في الإمارات والسعودية. وفي الوقت ذاته، ساهم وجود مؤسسين قادرين على التوسع السريع واستحداث آليات حوكمة أقوى وتزايد عمليات التخارج ذات الأثر في تقليل مخاطر تنفيذ الأفكار على أرض الواقع. وقد تعززت هذه الثقة بالعوامل الجيوسياسية بفضل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى إلى السعودية والإمارات، لا سيما وأنها أعطت مؤشرا على الالتزام الأمريكي طويل الأمد تجاه المنطقة وحفظ استقرارها.

نظرة مستقبلية -

من المتوقع أن تحافظ الإمارات خلال العام الحالي على مكانتها بدلا من السعي إلى الهيمنة، مع توقعات باستمرار استقرار نشاط الصفقات، حسبما صرحت النحلاوي. ومن المرجح أن يتقلب إجمالي التمويلات من سنة إلى أخرى، تماشيا مع طبيعة جولات النمو الكبيرة ومدى استعداد المستثمرين حول العالم للمخاطرة بأموالهم.

أما على صعيد المنطقة، فستدخل منظومة رأس المال المغامر في الشرق الأوسط مرحلة أكثر نضجا وتنافسية، حيث سيتحول التركيز من مجرد توافر رأس المال إلى وجهة هذه الأموال، وكيفية تسعير المخاطر، وما إذا كانت سبل التخارج ستتاح فعليا.