بدأت الإمارات رسميا مرحلة فك الارتباط بدورة النفط التقليدية القائمة على مبدأ “الانتظار والترقب”. إذ قررت الحكومة المضي قدما في إقرار ميزانية اتحادية توسعية بقيمة 92.4 مليار درهم لعام 2026، رغم قرار تحالف أوبك بلس بإيقاف زيادات الإنتاج للربع الأول مؤقتا، لترسل بذلك إشارة قوية بأنها ستستخدم احتياطياتها الضخمة (وإيراداتها الضريبية الجديدة) “لشراء” المستقبل.
ما أهمية ذلك؟ بينما قد تواجه بعض الدول الأخرى في المنطقة عجزا في الميزانية، تحظى الإمارات بموقف مالي قوي. إذ أشارت مذكرة بحثية (بي دي إف) من “إي إف جي هيرميس” إلى أن سعر النفط المطلوب لتحقيق التوازن في الميزانية يبلغ 48.5 دولار للبرميل فقط، وهو أقل بكثير من متوسط السعر المتوقع الذي يتراوح بين 60 و65 دولارا. وهذا يمنح الحكومة متسعا كافيا للإنفاق مع الاستمرار في تحقيق فائض مالي يتراوح بين 3.7% و4.0% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب توقعات بنك الإمارات دبي الوطني وبنك الكويت الوطني. وقد شهدت الميزانية تخصيص مستويات قياسية للإنفاق على التنمية الاجتماعية (بنسبة 37% من الإجمالي)، مع بقاء البنية التحتية ضمن أولويات الإنفاق.
ديون تحت السيطرة: من المتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 30% خلال العام الحالي، حسبما أفادت مجموعة “سي آي كابيتال” في مذكرة اطلعت عليها نشرة إنتربرايز الصباحية. وهذه المستويات تمنح الحكومة متسعا كافيا لاستخدام احتياطياتها السيادية لحماية الاقتصاد من تقلبات أسعار الطاقة العالمية والتوترات التجارية.
نمو مستقر وتضخم منخفض –
يتفق المحللون المحليون والدوليون على أن الناتج المحلي الإجمالي سيواصل مسار نموه المستقر خلال العام الجاري. إذ يتوقع بنك الإمارات دبي الوطني نموا بنسبة 5.0%، بينما يتوقع بنك الكويت الوطني تحقيق نمو بنسبة 5.1%. كما تشير توقعات صندوق النقد الدولي (البالغة 5.0%) والبنك الدولي (البالغة 4.8%) إلى أن النمو سيكون مدفوعا بالنمو القوي في الأنشطة غير النفطية والتحسن التدريجي في إنتاج النفط. وتتماشى هذه الأرقام مع تقديرات مصرف الإمارات المركزي الذي توقع نموا بنسبة 5.2%، ما يبشر بأن الإمارات ستصبح واحدة من أسرع الاقتصادات المتنوعة نموا في منطقة الخليج.
المحرك غير النفطي: يمثل الاقتصاد غير النفطي الآن أكثر من 75% من إجمالي الناتج المحلي، وسط توقعات بأن ينمو بنسبة 5.2% خلال العام الجاري. ويأتي هذا النمو مدفوعا بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بالإضافة إلى شبكة تجارية واسعة يمثل فيها شركاء اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة حاليا 37.4% من الصادرات و39.2% من الواردات، وفقا لما ذكره بنك الإمارات دبي الوطني.
وما زال الاقتصاد النفطي في طريقه لتحقيق نمو قوي هذا العام؛ إذ يتوقع بنك الإمارات دبي الوطني ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي النفطي بنسبة 4.0% خلال العام الجاري، بينما يتوقع مصرف الإمارات المركزي معدل نمو أعلى يصل إلى 6.7%، وذلك على الرغم من إبقاء منظمة أوبك بلس على خططها لوقف زيادات الإنتاج في الربع الأول من العام. ومن المقرر أن يبلغ متوسط إنتاج الإمارات من النفط 3.7 مليون برميل يوميا خلال العام الجاري.
وبإمكان الشركات الاعتماد على استقرار معدلات التضخم. إذ أبقي مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي على توقعاته للتضخم خلال العام الجاري عند 1.8%، بينما أبدى كل من بنك الإمارات دبي الوطني وبنك الكويت الوطني تفاؤلا أكبر بشأن استقرار الأسعار، إذ يتوقع الأول وصول التضخم إلى 1.5%، بينما يتوقع الثاني تضخما بنسبة 1.3%. ويستند هذا التوقع إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية العالمية وتكاليف الطاقة وانكماش نمو أسعار الإيجارات.
دول مجلس التعاون الخليجي ككل –
بينما تتجه المنطقة ككل نحو تسجيل نمو بنسبة 4.4% (مقارنة بنسبة قدرها 4.0% العام الماضي)، تبرز الإمارات وقطر كحالات “ذات وضع مالي استثنائي”، وفقا لأكسفورد إيكونوميكس. فمع توقع وصول متوسط سعر خام برنت إلى 60 دولارا للبرميل، ستتعرض الميزانيات الوطنية لبعض الدول لضغوط واضحة، مثل السعودية التي من المتوقع أن تواجه عجزا يقدر بنحو 5.0% من الناتج المحلي الإجمالي.
التحوط بالهيدروكربونات: من المتوقع أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي النفطي للمنطقة نموا بنسبة 6.5%، مسجلا بذلك أسرع وتيرة منذ عام 2022، مدفوعا بتوسعة حقل الشمال في قطر وتحول استراتيجية أوبك بلس نحو إعطاء الأولوية للحصة السوقية، وفقا لمذكرة بحثية أخرى أصدرها بنك الإمارات دبي الوطني.
تأثيرات الأساس المرجعي لأداء القطاع غير النفطي: من المتوقع أن يتراجع معدل النمو غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي قليلا ليصل إلى 4.4% (بدلا من 4.8% في العام الماضي)، مع عودة الزخم الذي شهده القطاع بعد الجائحة إلى مستوياته الطبيعية أخيرا.
وتشير التوقعات إلى تراجع التضخم في دول الخليج إلى 1.8% مقارنة بالنسبة المقدرة البالغة 1.9% للعام الماضي، بسبب تراجع وتيرة ارتفاع تكاليف السكن، وانخفاض أسعار النفط العالمية، وضعف الدولار الأمريكي، بحسب بنك الإمارات دبي الوطني.