يتحول الخليج سريعا إلى مركز لرأس المال بجميع أشكاله، والكيانات الكبرى تدرك ذلك. ففي كل أسبوع تقريبا، تستهدف شركة عالمية جديدة لإدارة الأصول أو صندوق تحوط إما أبوظبي أو دبي، وليس سرا أن الرياض والدوحة تنافسانهما بقوة في هذا الصدد. ونمت الأصول المدارة لهذا القطاع في دول الخليج إلى 2.2 تريليون دولار في العام الماضي، بزيادة 9% عن عام 2023، وفقا لتقرير حديث صادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية. ومعظم هذا النمو جاء بقيادة السعودية والإمارات.

وأصبحت الإمارات الآن موطنا لكيانات عالمية كبرى مثل بلاك روك وبلاكستون وستيت ستريت، لكن هناك أيضا مجموعة من شركات إدارة الأصول المحلية والإقليمية تتطلع إلى حيازة حصة من السوق في ظل الاهتمام المتزايد بالمنطقة، وذلك من خلال الاستفادة من معرفتها وشبكاتها المحلية.

على رأس هذه الكيانات المحلية المشرق كابيتال. فرغم مرورها حاليا بمرحلة تغير كبيرة، لدي الشركة تاريخ غني في إدارة الثروات يمتد لعقود، وكانت رائدة في هذا المجال مثلما كان المشرق في القطاع المصرفي بالإمارات. بدأت الشركة في إدارة الأموال منذ عام 2004، وكانت من أوائل الشركات التي تأسست في مركز دبي المالي العالمي في عام 2006، وأسست أول صناديق الأسهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2005، وأول صناديق الدخل الثابت عام 2006، وأول صناديق الصكوك عام 2009.

وكونها واحدة من أقدم شركات إدارة الأصول التي تأسست في الإمارات يعني أنها مرت بعدة مراحل، والمرحلة الحالية هي مرحلة تحول، تأتي في وقت يشهد تحولا أوسع في قطاع إدارة الأصول حول العالم.

تولى الرئيس التنفيذي للمشرق كابيتال فيليب فيليبيدس (لينكد إن) قيادة الشركة في أواخر العام الماضي، وهو خبير مخضرم في هذا المجال. انضم فيليبيدس إلى شركتي مورغان ستانلي كابيتال إنترناشونال (إم إس سي آي) وآي شيرز في بداية نجاحهما. وعندما انضم لأول مرة إلى مورغان ستانلي كابيتال إنترناشونال، كانت الشركة مجرد فريق صغير من الموظفين المسؤولين عن التعامل مع العملاء، وكانت الإيرادات لا تتجاوز بضعة ملايين. وبحلول الوقت الذي غادر فيه بعد ست سنوات، زاد عدد موظفي الفريق إلى ما يقرب من 200 شخص، وتضاعفت الإيرادات أيضا عدة مرات.

وقضى فيليبيدس رحلة مهنية مشابهة في آي شيرز، التي انضم إليها في مهد موجة صناديق المؤشرات المتداولة في البورصة، والتي نمت نموا هائلا لتصبح صناعة قيمتها تريليونات الدولارات. وكذلك عمل في أموندي، التي انضم إليها في عام 2014، في مرحلة مبكرة من نمو نشاطها في صناديق المؤشرات المتداولة في البورصة.

كما لدى فيليبيدس بعض المعرفة عن كيفية بناء الكيانات من الصفر. فأثناء عمله كمستشار مالي، أنشأ شركة لإدارة الثروات مع زملائه، ونمت لتضم أكثر من 25 مستشارا. كما أسس شركة استشارية ساعد من خلالها مديري الأصول في وضع استراتيجياتهم، وتمكن من العمل مع عملاء كبار، منهم بنك المشرق.

حاورناه وسألناه عن رأيه في الصناديق المرمزة، وكيف يمكن لمديري الأصول المحليين والإقليميين البقاء في الصدارة في ظل المنافسة العالمية، وما الذي سيغيره الذكاء الاصطناعي في مجال الاستثمار في السنوات القليلة المقبلة.

بداية، يرى فيليبيدس الكثير في المنطقة مما يثير الحماس، لكن هناك قدر منه ليس متاحا للكيانات العالمية. إذ قال إن الحكومة والجهات التنظيمية في الإمارات تريد بناء صناعة إدارة الأصول المحلية، والبيئة التنظيمية تقدمية بما يكفي لدعمها.

خلفية: إحدى اللوائح التي طبقتها مؤخرا هيئة الأوراق المالية والسلع تتطلب من مديري الصناديق الأجنبية إنشاء صناديق مغذية محلية، أو التقدم بطلب للحصول على ترخيص في الإمارات لتسويق صناديقهم للمستثمرين الأفراد. يساعد هذا مديري الأصول الإقليميين الذين ينشطون بالفعل في المنطقة عبر صناديق محلية، كما أسفر ذلك عن ظهور مجموعة من الصناديق المغذية المحلية مثل صناديق فرانكلين تمبلتون وفاريس كابيتال، لتتمكن الشركات من العمل في السوق.

وسر نجاح مديري الأصول المحليين مثل المشرق كابيتال في رأيه هو أن يبتكروا منتجات خاصة بهم. وأوضح قائلا: “لن نفعل كل شيء موجود في المجال بالطبع، لكن يمكننا تطوير حلول للعملاء بدلا من مجرد تقديم المنتجات التي يبتكرها الآخرون”.

هدف المشرق كابيتال حاليا هو أن تصبح “شركة إدارة أصول حديثة وعصرية”، إطار عملها متعدد الأصول، وتستخدم التكنولوجيا للتوسع مع الحفاظ على المرونة، وتقديم منتجات مبتكرة في قطاعات لا تحظى بما يكفي من الاهتمام، من الأسهم إلى الأصول الخاصة.

لنأخذ الصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية على سبيل المثال. يقول فيليبيدس إن هذا المجال يفتقر إلى الابتكار، ويمكن لمديري الأصول المحليين أن يأخذوا فيه زمام المبادرة. وأضاف أن “هناك فرصة في مجال الصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، سواء في قطاعات الأسهم العامة والدخل الثابت أو في قطاع الأصول الخاصة”.

وأوضح قائلا أن المستثمرون “لا يُتاح لهم بشكل عام سوى منتجات تقليدية تتبع المؤشر الإسلامي العالمي، وهذا مقيد للغاية”، مضيفا أن الكثير من الابتكارات التي نراها في قطاعات الأصول والأسهم التقليدية لم تطبق بعد على الأصول الإسلامية. واستبعد فيليبيدس أن يتولى مديرو الأصول الأجانب قيادة هذا الابتكار، لذلك فإنه يرى فيه فرصة للكيانات الإقليمية.

وهناك اتجاه آخر تراقبه المشرق كابيتال عن كثب، وهو العزوف عن نهج الاستثمار النشط. يتراجع هذا النهج في ظل صعود نهج الاستثمار الخامل منذ فترة، إذ شهدت الصناديق النشطة تدفق رؤوس أموال خارجها بقيمة 0.1 تريليون دولار على مستوى العالم في العام الماضي، بينما جذبت الصناديق الخاملة تدفقات بقيمة 1.6 تريليون دولار. وقال فيليبيدس إن هذا يعود إلى أن “معظم المديرين النشطين غير قادرين على التفوق في أدائهم بانتظام على متبعي النهج الخامل، وذلك بعد خصم الرسوم”، مشيرا إلى التكاليف المنخفضة للنهج الاستثمار الخامل والكفاءة التي يتسم بها، والعوائد القوية التي يوفرها.

لكن المشكلة في ذلك هي أن ركب الصناديق الخاملة فات العديد من مديري الأصول. وأوضح ذلك قائلا: “تحتاج الصناديق إلى التمتع بحجم ونطاق كبيرين لاتباع نهج الاستثمار الخامل بفعالية، لذلك قلة قليلة من مديري الأصول يمكنهم أن ينشطوا في هذا المجال”.

ما يثير اهتمام فيليبيدس هو مزج بعض النشاط مع نهج الاستثمار الخامل، أو ما يسميه “النهج الخامل المعزز”. وأوضح “أن المسألة تقوم في الأساس عدم الاكتفاء بالنهج الخامل، وإنما محاولة التفوق عليه قليلا من خلال التغلب على أدائه المعتاد وانخفاض رسومه، وإضافة قدر من الاستثمار النشط إلى الاستراتيجية”، مشيرا إلى أن المخاطر الإضافية التي قد تنجم عن ذلك ليست كبيرة بما يكفي لردع المستثمرين، لكنها مربحة بما يكفي لتعزيز العوائد.

وبالنسبة لنهج الاستثمار النشط فمنقذه قد يكون الذكاء الاصطناعي. يقول فيليبيدس إن مشكلة الاستثمار النشط هي أنه يعتمد إلى حد كبير على الفريق ومن يقودونه، ويفتقر إلى الاتساق. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تطوير المزيد من هذه الفرق، وتعزيز البيانات التي يمكن للفريق البشري الذي يدير المحافظ أن يأخذها في الاعتبار. وأضاف أن هناك عاملا آخر يمكن أن يساعد فيه وهو التوقيت، والذي يعد عاملا حاسما في نهج لاستثمار النشط، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الفرق على اتخاذ قرارات الاستثمار من خلال تحديد الأوقات المناسبة.

والبيانات أيضا ستكون من العوامل الحاسمة لمديري الأصول. فيرى فيليبيدس أن بإمكانهم البدء في إنشاء قواعد بيانات خاصة بهم، وهذا سيميزهم عن غيرهم، إلى جانب الأدوات التي يستخدمونها.

أما عن الترميز، فيراه فيليبيدس المرحلة التالية من صناديق المؤشرات المتداولة. ويشرح أن “ما فعلته الصناديق المتداولة في البورصة هو أنها أخذت هيكلا تشغيليا عتيقا بعض الشيء، وهو الصندوق، الذي تنتظر فيه سعر معاملتك لأيام، وتدفع الكثير عموما، وحولته إلى هيكل يمكنك الاستثمار فيه خلال ساعات التداول بسعر تعرفه، أرخص مما مضى”.

يتجاوز قطاع الصناديق المتداولة حاليا 17 تريليون دولار، وفكرة الترميز لديها كل المقومات لتصبح بالضخامة ذاتها. وأضاف فيليبيدس أن “الترميز يأخذ أيضا هيكلا عتيقا ويجعله سلسا من حيث التكلفة، ويجعل تداولاته فورية، ومتاحة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع”.

لكن التحديات التي أعاقت الصناديق المتداولة في البداية ستواجه أيضا نهج الترميز عندما يبدأ في الترسخ. يشرح ذلك فيليبيدس قائلا إن “التحديات الكبرى كانت تتعلق بمكان الإدراج، وماهية السيولة، وهوية صناع السوق. كما أن هناك معضلة تتمثل في الحاجة إلى تخصيص نفقات رأسمالية لطرح هذه المنتجات وتوفير البنية التحتية المطلوبة، لكنك تحتاج أيضا إلى معرفة متى ستبدأ في تحقيق العائد”.

ويتوقع فيليبيدس أن تبني فكرة الترميز لن يتحقق بسهولة كذلك، لكنها بدأت تحظى برواج بالفعل بين المؤسسات، أما قطاع المستثمرين الأفراد فسيستغرق بعض الوقت. وأضاف أن الصناديق المتداولة شهدت أكبر قفزة في إقبال المستثمرين عليها بعد الأزمات، مثل ما بعد هجمات 11 سبتمبر عندما أُغلقت الأسواق.

الخبر السار هو أن المنطقة في وضع جيد يؤهلها لتكون في طليعة هذه الموجة. ففي رأيه الناس في المنطقة يبتكرون، والبيئة التنظيمية تقدمية وتشجع على الابتكار في مجال الأصول الرقمية، وهو أمر واعد للغاية بالمقارنة بنظرائهم في أوروبا والمملكة المتحدة.