🏭 تهدد الاضطرابات الإقليمية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية استقرار العديد من القطاعات المحلية في المنطقة. ومن بين الصناعات المصرية العريقة التي تواجه التداعيات الاقتصادية لهذا الصراع — فضلا عن التغيرات الجوهرية في المشهد التنافسي في المنطقة — تأتي صناعة الملابس الجاهزة. وفي هذا السياق، تحاور إنتربرايز مصر رئيس مجلس إدارة جمعية قطن مصر، وائل علما (لينكد إن)، لتحليل أبعاد هذه التحولات الجارية.

إنتربرايز: إلى أي مدى يستطيع قطاع الملابس الجاهزة في مصر وبنيته التحتية الصمود في وجه التقلبات الإقليمية والعالمية الراهنة؟

وائل علما: يكمن الضغط الأساسي في التضخم، إذ تراجعت القوة الشرائية للمستهلكين مع ارتفاع الأسعار. ورصدنا تحولا في أولويات الأسر المصرية، إذ يتجه الإنفاق نحو السلع الأساسية كلما تآكل الدخل، بينما تظل الملابس ضمن النفقات الكمالية التي يسهل تقليصها وقت الأزمات.

أما المشكلة الثانية تكمن في الشق التشغيلي، إذ أدى القرار الأخير بإغلاق المحال التجارية في التاسعة مساء إلى إرباك نمط الشراء التقليدي في مصر. فثقافة البيع بالتجزئة لدينا ليلية بطبعها، إذ تصل ذروة الإقبال في وقت متأخر من الليل، وتستمر المحلات في العمل حتى الواحدة صباحا. لذا، فإن تقليص ساعات العمل الأكثر إنتاجية أدى إلى تراجع ملموس في معدلات الشراء.

من ناحية التصدير تبدو التوقعات أكثر تفاؤلا، إذ نشهد حاليا تحولا هيكليا في سلاسل التوريد العالمية يصب في مصلحة مصر، مدفوعا بشكل أساسي بارتفاع التكاليف لدى منافسينا التقليديين، وتحديدا تركيا والصين.

تستحوذ تركيا على حصة سوقية كبيرة في صادرات الملابس، لكنها باتت تفقد ميزتها التنافسية تدريجيا بسبب القفزات الهائلة في تكاليف العمالة والطاقة. وقد لاحظنا توجها بين المصنعين الأتراك بنقل خطوط إنتاجهم إلى مصر للحفاظ على التنافسية السعرية، وهو ما يدعم السوق المحلية بخبرات تصنيعية متراكمة واستثمارات تشغيلية قائمة بالفعل.

في المقابل، تتجه الصين نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية — مثل السيارات والإلكترونيات وتكنولوجيا الهواتف — ما أدى إلى ارتفاع تكلفة العمالة لديها، وأخرجها من دائرة المنافسة في سوق تصدير الملابس الأساسية. ونتيجة لذلك، بدأ المشترون والمصنعون الدوليون في البحث عن المركز البديل الأنسب، وبرزت مصر كوجهة مفضلة لاستيعاب هذا الإنتاج المحول.

تعززت هذه الميزة التنافسية بفعل حالة عدم الاستقرار في بنجلاديش، إلى جانب الوضع الجمركي الملائم الذي تتمتع به مصر في السوق الأمريكية، فضلا عن أزمة الملاحة في البحر الأحمر والتي حولت الموقع الجغرافي المميز بالقرب من أوروبا إلى ضرورة استراتيجية للعلامات التجارية الساعية للإفلات من التكاليف الباهظة والتأخيرات الطويلة، التي تشهدها العمليات اللوجستية بالشرق الأقصى.

ومع أن الحرب الإقليمية المستمرة ستؤدي حتما إلى تباطؤ تدفقات الاستثمار الوافدة، إلا أن هدف مصر برفع صادرات المنسوجات والملابس الجاهزة إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2031 يظل أمرا قائما وقابلا للتحقيق من ناحية القدرات الإنتاجية والتمويل، شريطة استمرار وتيرة جذب الاستثمارات الصناعية إلى السوق المصرية.

إنتربرايز: ما الخطوات التي يجب على الحكومة اتخاذها لمساعدة القطاع على تحقيق هذا المستهدف التصديري؟

علما: يرتكز استغلال كامل إمكاناتنا التصديرية على ركيزتين أساسيتين: الشفافية والكفاءة. فأولا، يجب أن يتحول برنامج رد الأعباء التصديرية من مجرد إطار نظري إلى منظومة تنفيذية فعالة، تمكن المصنعين من إدراج هذه الحوافز بدقة في حسابات التكلفة، لأنهم بحاجة إلى نظام يتسم بالوضوح وسهولة الصرف. ثانيا، لا بد أن تضع الدولة تبسيط العقبات البيروقراطية على رأس أولوياتها، وتحديدا عبر تسريع إجراءات ترخيص وتأسيس المصانع لمواكبة الطفرة الحالية في الطلب الدولي.

إنتربرايز: كيف تصف الميزة التنافسية لمصر في هذا القطاع؟

علما: تستند الميزة التنافسية لمصر على ثلاث ركائز استراتيجية، تأتي في مقدمتها شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة التفضيلية، التي تمنح الملابس الجاهزة المصرية ميزة الدخول بدون رسوم جمركية إلى الأسواق الأعلى إنفاقا في العالم. ويتعزز هذا الامتياز التنظيمي بهيكل تكلفة عمالة شديد التنافسية، وسجل حافل من الاستقرار التشغيلي. يمنح هذا المزيج بين كفاءة التكلفة والموثوقية المشترين الدوليين الاستقرار والموثوقية طويلة الأمد التي يبحثون عنها، في ظل سوق عالمية تطغى عليها التقلبات في الوقت الحالي.

إنتربرايز: ما هي الأسواق التي يجب أن تركز عليها مصر لتحقيق هذه أهدافها التصديرية؟

علما: لزيادة حجم صادراتنا، يتعين علينا تبني استراتيجية ذات مسارين، إذ ركزت مصر على سوق التجزئة المنظمة، عبر التوريد لعمالقة العلامات التجارية العالمية مثل زارا وإتش أند إم إلى جانب وولمارت. تطلب هذه العلامات منتجات محددة ينفذها المصنعون المصريون وفقا لمواصفات دقيقة، وهو مسار راسخ لمصر وسيظل مهما. لكن السوق الحقيقية غير المستغلة تكمن في التجزئة غير المنظمة في أفريقيا وأجزاء من آسيا، وهي أسواق يحركها تجار الجملة والموردين وليس العلامات التجارية الكبرى.

في هذا المسار، يتولى المصنعون تصميم وتطوير خطوط إنتاجهم الخاصة، ويختار منها المشترون ما يناسب احتياجاتهم مباشرة. وبينما كانت تركيا والصين رائدتين في هذا السوق بفضل أسعار التوريد التنافسية، فإن مع تزايد تكلفة هذه المراكز، تشكلت فجوة تصنيعية واسعة في السوق. وبطرح أنفسنا كمركز توريد بديل، يمكننا الاستحواذ على حصة كبيرة من التجارة.

إنتربرايز: كيف تؤثر تقلبات سعر الصرف الحالية على استراتيجية التسعير للمصدرين؟

علما: ثمة اعتقاد خاطئ وشائع بأن تراجع قيمة الجنيه يمثل ميزة لقطاع التصدير. فبينما تعزز قوة الدولار التنافسية من الناحية النظرية، إلا أن الواقع أكثر تعقيدا. يتسبب تصاعد الضغوط التضخمية المحلية — وتحديدا في تكاليف العمالة والعمليات اللوجستية — في إلغاء ميزة سعر الصرف. وبينما يعتبر وجود سعر صرف مرن مدفوع بآليات السوق ضرورة مفهومة، يظل استقرار العملة أكثر أهمية بكثير لاستراتيجيات التسعير طويلة الأجل مقارنة بوجود عملة متقلبة ومنخفضة القيمة. وفي النهاية، حينما ترتفع التكاليف التشغيلية بالتوازي مع تغير سعر الصرف، فلا يمكن اعتبار ذلك مكسبا استثنائيا بأي حال من الأحوال.

إنتربرايز: بخلاف النقاط التي تطرقنا إليها، ما هي أبرز التحديات القائمة التي يواجهها القطاع حاليا؟

علما: يظل الحصول على التمويل هو العقبة الرئيسية، إذ أن البنوك المحلية تتبنى نهجا متحفظا تجاه قطاع النسيج ولم تواكب إمكانات النمو التي يشهدها حاليا. كما يظل تدريب العمالة جهدا ذاتيا تقوم به المصانع، إلا أن تحقيق قفزة حقيقية في الإنتاجية يتطلب استراتيجية مركزية من الدولة.

وبالنظر إلى تجربة بنجلاديش — التي تمتلك وزارة مخصصة للنسيج — ندرك حجم تأثير التنسيق المؤسسي الكامل. فإذا كنا نعتبر هذه الصناعة أولوية استراتيجية، لا بد أن ينعكس هذا الالتزام في صورة مدارس فنية متخصصة ووحدات تدريبية ورؤية سياسية موحدة.

إنتربرايز: حصلت الصادرات المحلية على إعفاء لمدة عامين من آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي. ورغم أن ضريبة الكربون تستهدف في البداية المصنعين كثيفي استهلاك الطاقة، قد اعتبرت تهديدا محتملا لقطاع الملابس أيضا، فهل سيؤثر ذلك على طموحات مصر التصديرية؟

علما: تعد آلية تعديل حدود الكربون واقعا تنظيميا على وشك الحدوث، ورغم أن قطاع الملابس قد لا يواجه اليوم عقوبات فورية، إلا أننا نمر بمرحلة انتقالية حرجة قد تمتد لثلاث سنوات. في الوقت الحالي، يمثل تبني نموذج عمل مستدام ميزة تنافسية، ولكنه سيتحول إلى شرط إلزامي خلال فترة تتراوح بين 24 إلى 36 شهرا.

يجب على المصدرين تجاوز مرحلة الالتزام الصوري بالمعايير البيئية وتطبيق إجراءات امتثال فعلية، مثل: المعالجة المتقدمة للمياه وترشيد استهلاك الطاقة واعتماد مبادرة القطن الأفضل. فحتى القطن المصري، وهو منتجنا التصديري الأهم يخضع للتدقيق. كما أؤكد أن العلامات التجارية العالمية تشير بوضوح أن القطن المصري الفاخر لن يدخل إلى السوق الأوروبية مستقبلا دون شهادة القطن الأفضل وخطة واضحة للاستدامة.

إنتربرايز: هل ستؤثر الزيادات الأخيرة في تكاليف الطاقة المحلية على هوامش أرباح شركات الملابس الجاهزة؟

علما: تمثل زيادات أسعار الوقود الأخيرة تحديا من نوع خاص للقطاع. فرغم أن صناعة الملابس في حد ذاتها لا تصنف كصناعة تستهلك الطاقة بشكل كثيف، إلا أن التكاليف اللوجستية لنقل العمالة الكثيفة تمثل ضغطا رئيسيا. نشهد حاليا قفزة بنسبة 30-35% في تكاليف نقل العمال، وهي تكلفة يتحملها صاحب العمل عادة، ما يقلص هوامش الربح بشكل مباشر.

أما التأثيرات غير المباشرة على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الغزل والنسيج والصباغة، ستنعكس حتما على هيكل التكلفة النهائية للملابس. ومع ذلك، لا يمثل هذا تهديدا هيكليا للمصدرين بقدر ما هو واقع عالمي، فمع ارتفاع تكاليف الطاقة لدى منافسينا الدوليين، تظل ساحة المنافسة متوازنة نسبيا. لكن الضغط الحقيقي سيقع على عاتق المصنعين الموجهين للسوق المحلية، الذين لا يملكون حماية عوائد التصدير بالدولار، والتي تساعد على استيعاب هذه الارتفاعات المتتالية في تكاليف التشغيل.

.