ألقت الزيادات الجديدة في أسعار الكهرباء بظلالها الثقيلة على القطاعين التجاري والصناعي، وأصبح السباق نحو التكيف مع هذه الزيادات هو المحدد الرئيسي لقدرة الشركات على الصمود. تقلصت هوامش الأرباح التي كانت ضعيفة بالفعل، ولم يعد الحل التقليدي المتمثل في تركيب بعض الألواح الشمسية على الأسطح كافيا. فالشركات لا تسعى الآن لتقليل ساعات التشغيل، بل تتجه نحو بناء أنظمة كهربائية أكثر ذكاء تحافظ على مستويات الإنتاجية مع استهلاك طاقة أقل، وفق ما قاله رئيس مجلس إدارة شركة "إيه بي بي مصر" للصناعات الكهربائية أحمد حماد لإنتربرايز.

ترشيد الاستهلاك لا يعني تعزيز كفاءة الطاقة دائما: لا تزال الكثير من الشركات تخلط بين الترشيد والكفاءة؛ فالترشيد يعني خفض الطلب من خلال إيقاف خطوط الإنتاج وإطفاء الأنوار وتقليص النشاط، أما الكفاءة فتعني استخدام تكنولوجيا أفضل، مثل إعادة هيكلة الشبكات الكهربائية الداخلية وتحديث لوحات التوزيع واستبدال البنية التحتية المتقادمة، لإنتاج نفس الكميات بطاقة أقل، بحسب المصادر التي تحدثت لإنتربرايز.

لماذا تهدر المنشآت الحالية الطاقة والأموال؟

تبدأ الخسائر من مستوى البنية التحتية؛ إذ تؤدي المحولات المتقادمة وتآكل العزل في الكابلات إلى زيادة المقاومة، مما يولد حرارة وانخفاضا في الجهد يتسبب في إهدار الكهرباء قبل أن تصل إلى مرحلة الاستخدام الإنتاجي، حسبما أوضح حماد والرئيس التنفيذي لشركة كابلات الجيزة أحمد محسن لإنتربرايز. وتستوعب السوق المصرية كابلات رديئة الجودة تُقدر قيمتها بنحو 3-4 مليارات جنيه سنويا تنخفض فيها نسبة نقاء النحاس إلى 96%، وهو ما لا يزيد من هدر الطاقة فحسب بل يرفع أيضا من مخاطر الحرائق وتكاليف الصيانة.

تدفع زيادة أسعار الكهرباء كبار المستثمرين لإعطاء الأولوية لتكاليف دورة الحياة وكفاءة الجهد وأداء الطاقة، بدلا من مجرد اختيار المورد الأرخص، بحسب محسن، الذي أضاف أن أي وفورات في النفقات الرأسمالية ناتجة عن شراء كابلات منخفضة الجودة سرعان ما تتبخر في المنشآت التي تعمل على مدار الساعة.

الحلول السريعة في مواجهة الهندسة الحقيقية

تروج بعض الشركات الناشئة لأجهزة تزعم قدرتها على خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 40-50%، وهي أرقام يرى المسؤولون التنفيذيون في الصناعة أنها تفتقر إلى الدقة. إذ يعتمد الكثير من هذه الادعاءات على خدعة تتمثل في تقليل القدرة غير الفعالة — وهي الطاقة اللازمة للحفاظ على المجالات المغناطيسية دون أداء عمل إنتاجي — وهو ما يبدو جيدا من الناحية النظرية، لكنه لا يمس الاستهلاك الفعلي للطاقة. أما التوفير الحقيقي فيكمن في القدرة الفعالة — وهي الطاقة التي تشغل الآلات فعليا — وهذا يتطلب تحديث أنظمة إدارة الأحمال وتحسين معامل القدرة، وليس الاعتماد على تقنيات "سحرية"، وفقا لمحسن.

بدأ هذا التحول يظهر جليا في سجلات الطلبيات، ولم يعد الطلب يتركز على المشروعات الجديدة. ففي "إيه بي بي مصر"، تستحوذ أعمال التحديث وإعادة التأهيل حاليا على 25-35% من حجم الأعمال السنوي للشركة، والذي بلغ 14 مليار جنيه في عام 2025. وتتراوح الوفورات الواقعية في العام الأول من تحديث اللوحات الذكية وتحسين معامل القدرة وإدارة الأنظمة المتكاملة بين 18-20%، حسبما يوضح حماد.

كما تستوعب السوق الأوسع أيضا تقلبات أسعار النحاس واضطرابات سلاسل التوريد الإقليمية. ويتجه كبار مصنعي الكابلات لزيادة المكون المحلي إلى 40-90% من خلال تحويل النحاس الخام إلى منتجات نهائية، وفق ما قاله المدير العام لشركة السويدي للكابلات عمرو الصواف وأحمد محسن من الجيزة لصناعة الكابلات.

تتحول كفاءة الطاقة لتصبح معيارا أساسيا في تصميم المشروعات العقارية أيضا، إذ يختار المطورون الكابلات والمواد استنادا إلى المقاومة وجودة العزل وكفاءة النقل، وفق ما قاله العضو المنتدب لشركة ليفينج ياردز للتطوير العقاري عبد الله لطفي. ويربط العملاء بشكل متزايد بين البنية التحتية الخضراء وانخفاض تكاليف التشغيل على المدى الطويل، مما يجعل الكفاءة عامل جذب حقيقي لزيادة المبيعات، حسبما أضاف.

نموذج محلي لإعادة هندسة منظومة الطاقة المتكاملة

تعمل شركة قرة لمشروعات الطاقة على إعادة تصميم أنظمة الطاقة بالكامل داخليا بدلا من الاكتفاء بتحديث بعض المكونات، من خلال استرداد الحرارة المهدرة والتقاط غازات الشعلة ودمج أنماط التوليد المختلفة، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي للشركة أيمن قرة. وتغطي محطة استرداد الحرارة المهدرة التي أنشأتها الشركة في مصنع أسمنت حلوان التابع لشركة هايدلبرج ماتيريالز مصر نحو 30% من الاستهلاك الذاتي للمصنع، كما أنشأت الشركة ما يُعتقد أنها أول محطة للتوليد الثلاثي في مصر، مما أدى إلى رفع الكفاءة الإجمالية للنظام إلى 76%.

لكن، الشركات التي ستتمكن من تجاوز هذه الموجة من زيادات الأسعار هي تلك التي تتبنى هذا النوع من إعادة الهندسة الشاملة للأنظمة، وليس تلك التي تكتفي بالبحث عن ألواح شمسية أرخص، حسبما أجمعت المصادر التي تحدثت لإنتربرايز.