لم تعد جهود التحول الرقمي في البلاد مقصورة على الكفاءة فحسب، بل امتد ليشمل السيادة والمرونة أيضا. إذ يؤكد صناع السياسات والمعنيون بالتحول الرقمي في القطاع الخاص على أهمية مفهومي السيادة الرقمية وسيادة البيانات، مشيرين في تصريحاتهم لإنتربرايز إلى أنهما يتجاوزان مجرد تشييد مراكز بيانات داخل حدود البلاد.
تختلف الصورة الذهنية التي تقول إن مفهوم السيادة الرقمية يقتصر على مواقع تخزين البيانات، بل إن المفهوم يشمل أيضا "قدرة المؤسسة أو الدولة على التحكم في بنيتها التحتية التكنولوجية وبياناتها ومعلوماتها الخاصة"، وفق ما قاله محمد حجازي، الرئيس السابق للجنة التشريعية بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات واستشاري التشريعات الرقمية، خلال حديثه إلى إنتربرايز. وفي نفس السياق، تعرف مروة عباس، المدير العام لشركة "آي بي إم" في شمال شرق أفريقيا، السيادة الرقمية بأنها "قدرة المؤسسات والدول على إدارة التكنولوجيا وفقا لشروطها الخاصة، مع الحفاظ على تحكم واضح وملموس في البيانات والبنية التحتية والعمليات، بصرف النظر عن الموقع الجغرافي للأنظمة"، وذلك خلال حديثها إلى إنتربرايز.
لماذا يعد هذا مهما؟ "لم يعد الأمن القومي المصري مقصورا على تأمين الحدود البرية والبحرية والجوية، بل اتسع ليشمل الحدود الافتراضية أو ما نعرفه بالفضاء السيبراني"، وفق ما قاله مستشار المجلس الأعلى للأمن السيبراني وليد حجاج. لعل الموضوعات التي تتطرق إلى التحكم في البيانات تبدو تفصيلة فنية، لكنها في واقع الأمر ذات أهمية كبرى؛ لأنها قد تجعل المؤسسات العامة أو الخاصة "رهينة لموردين أو منصات أو تشريعات أجنبية، لا سيما في الأوقات الحرجة مثل فترات الحروب والأزمات"، حسبما أضاف.
ويوضح حجاج أن "السيادة تسهم في ضمان استمرار عمل المرافق الحيوية للدولة دون انقطاع"، مشيرا إلى أن تخزين البيانات محليا يجعل "من الصعب على الكيانات المعادية استغلال الثغرات في الخوادم الدولية للوصول إلينا. ويضطله هذا بدور محوري خلال فترات التوترات الجيوسياسية، التي قد تؤدي إلى قطع خدمات الإنترنت أو فرض قيود من قبل قوى أجنبية".
لم يعد التحول الرقمي يُعرّف بالسرعة والكفاءة فحسب، بل "أصبحت المرونة الآن معيارا حاسما"، وفق ما قالته عباس. وأوضحت أن "الاضطرابات العالمية الأخيرة، بدءا من الانقطاعات واسعة النطاق للخدمات ووصولا إلى عدم الاستقرار الجيوسياسي، أثبتت أن البنية التحتية الرقمية باتت جزءا أساسيا من ركائز الدول؛ فعندما تتعطل الأنظمة، يمتد التأثير إلى ما هو أبعد من قطاع تكنولوجيا المعلومات ليطال الركائز الاقتصادية والخدمات العامة وثقة الجمهور".
كذلك ترتبط السيادة الرقمية بالمساءلة؛ نظرا إلى أن وجود البيانات داخل مصر فعليا وقانونيا "يضمن خضوع أي اختراق أو تسريب للولاية القضائية المصرية"، مما يعني عدم الحاجة للاعتماد على "كيانات أجنبية قد تماطل أو ترفض التعاون"، وفق ما قاله حجاج.
أحرزت الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني بالفعل تقدما ملحوظا في توطين البيانات الحكومية، من خلال مجموعة من مراكز البيانات الجديدة التي تستضيف الآن "جميع قواعد البيانات الحكومية الحساسة داخل مصر" وإن كانت بأعداد وأحكام محدودة مقارنة بمراكز البيانات التي يأويها نظراؤنا في المنطقة، بحسب حجاج. وتمثل استمرارية الخدمات هي الأخرى أولوية قصوى، مع استخدام "بيئات اختبار معزولة لضمان عدم تأثر الخدمات المقدمة للمواطنين بأي انقطاعات أو اختراقات في السحابات التجارية العالمية".
تتمتع القطاعات الحيوية مثل المياه والكهرباء والصحة بطبقات حماية إضافية، إذ ألزم المجلس الأعلى للأمن السيبراني بضرورة أن تكون شبكات تكنولوجيا التشغيل الأساسية للمرافق الحيوية "معزولة تماما عن شبكة الإنترنت العامة والشبكات الإدارية"، وفق ما كشفه حجاج لإنتربرايز. وألزم المجلس أيضا باستخدام التشفير ومفاتيح الحماية المُولدة والمُدارة محليا، لمنع وجود أي أبواب خلفية أمام الشركات المصنعة الأجنبية.
قبل ربط أي أجهزة، تخضع جميع المكونات المادية والبرمجيات المستوردة لـ "اشتراطات صارمة تتعلق بالفحص والاختبار"، بحسب حجاج. وتأتي هذه الخطوة قبل إدخال أي مكونات في البنية التحتية الحيوية للتأكد من أنها "خالية من أي أكواد خبيثة مزروعة مسبقا أو مكونات إلكترونية تسمح بالاستغلال عن بعد".
لكن المشكلة تكمن في أن "الصرامة التشريعية المفرطة قد تشكل عقبة" أمام جذب شركات التكنولوجيا العالمية إلى مصر، وفقا لحجازي. وعلى الجانب الآخر، "قد يؤدي التراخي إلى تحويل بيانات المواطنين إلى وقود اقتصادي للشركات العالمية دون أي مردود على الدولة"، حسبما قاله. وأضاف أن التشريعات المرتقبة في هذا الصدد "ينبغي لها أن تحقق هذا التوازن من خلال تبني وتطبيق المعايير الدولية بدلا من إعادة اختراع العجلة على مستوى القوانين".