في أعقاب التعرض لصدمات الإمداد المتكررة منذ 2022، تبني مصر صوامع من أجل الاحتفاظ بقدر أكبر من قمحها داخل البلاد بدلا من الاعتماد على الأسواق العالمية وحدها. فقد ارتفعت سعة الصوامع الحديثة إلى 3.9 مليون طن من 1.2 مليون طن في 2014، مع خطة للوصول إلى 6 ملايين طن بحلول 2030، بحسب ما تقوله الشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين لإنتربرايز. وتتولى شركات خاصة، تضم حسن علام للمرافق وأوراسكوم كونستراكشون وسامكريت، جزءا من الأعمال الخاصة ببناء الصوامع، فيما تغطي بعض جهات التمويل جزءا من التكلفة، ومن بينها البنك الدولي.
ولكن دعونا نطرح تساؤلا واجبا: هل انتهى عصر الشراء عند الطلب؟ تقول أمانديب كور أهوجا، المحللة الجيوسياسية والمستشارة الاستراتيجية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لإنتربرايز إن اضطراب واردات القمح يعني بوضوح أن عصر الإمداد في الوقت المناسب ينبغي أن ينتهي، وأن يحل محله تنوع سلاسل الإمداد. وتضيف: "الوقت ما زال مبكرا للجزم بنهاية هذا العصر، إذ قد يستغرق إرساء النظم الجديدة شهورا أو سنوات، ويتطلب رؤوس أموال ضخمة وصيانة مستمرة لمرافق التخزين". ولدى مصر طموح منفصل للتحول إلى مركز إقليمي للحبوب، وهو ما أشرنا إليه في يونيو.
الاحتياطي الحالي
شهور التغطية: تمنح السعة الحالية للصوامع المرونة التي تحتاجها الدولة من أجل ضمان "الاحتفاظ باحتياطيات تغطي أكثر من ثمانية أشهر من إجمالي استهلاك القمح"، وفق ما قاله أشرف صادق، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة القابضة للصوامع والتخزين، خلال حديثه إلى إنتربرايز. ولكن استنادا إلى توقعات وزارة الزراعة الأمريكية (بي دي إف) باستهلاك نحو 20.7 مليون طن في 2026-2027، فإن سعة الصوامع البالغة 3.9 مليون طن تغطي شهرين أو أكثر بقليل. فقد بلغت سعة الصوامع 3.3 مليون طن في 2023، في حين كانت الشون الترابية المكشوفة والمخازن الأخرى تستوعب 1.4 مليون طن إضافية، بحسب تقرير مشترك للبنك الدولي ومنظمة الفاو وبرنامج الأغذية العالمي (بي دي إف). ويخزن القمح المستورد الموجه للخبز المدعم في الصوامع، بينما يخزن القمح المحلي في الصوامع والشون معا.
فاقد أقل: كان التخزين في الشون المكشوفة يكلف الدولة فقدان 10-15% من المحصول، بينما يقترب الفاقد في الصوامع الحديثة من الصفر، بحسب صادق. ويقدر البنك الدولي انخفاض الفاقد في الصوامع بنحو 40-50% مقارنة بالتخزين التقليدي. وتمتلك الشركة القابضة للصوامع 50 صومعة موزعة في أنحاء البلاد مما "يخفض تكاليف النقل والوقود"، وفق ما يقوله صادق لإنتربرايز. وتمد الشبكة المطاحن بأكثر من 24200 طن من القمح يوميا. كذلك تتابع أجهزة الاستشعار المخزون، في حين تعمل مصر مع البنك الدولي وجهات مانحة أخرى على تحديث نظام المعلومات لربط الصوامع بالمطاحن والمخابز.
وتستهدف الشركة القابضة إضافة مليون طن من السعة في 2026-2027، وفق ما كشفه صادق لإنتربرايز. ففي حديثه إلى جريدة البورصة في أغسطس الماضي، قال صادق إن الشركة تستثمر نحو 7.5 مليار جنيه لإضافة 875 ألف طن من سعة تخزين الحبوب. وبلغت سعة 44 صومعة مملوكة للشركة القابضة نحو 2.56 مليون طن في مايو، أي نحو 59 ألف طن للصومعة في المتوسط، كما يجري إنشاء 50 صومعة ضمن المشروع القومي للصوامع بسعة إجمالية 1.5 مليون طن.
خارج مظلة القابضة: تقع بقية السعة خارج الشركة القابضة، وهي نحو 1.3 مليون طن، منها 500 ألف طن لدى جهاز مستقبل مصر، بنيت في صوامع تبلغ سعة الواحدة منها 5 آلاف طن في مدينته الصناعية بالدلتا الجديدة، بحسب رئاسة الجمهورية. وتعد هذه السعات جزءا من برنامج يضم 300 صومعة بسعة مليوني طن بالتعاون مع شركة فامسون الصينية.
المخزون وعمليات الشراء
الحكومة خزنت القمح في 2025-2026: قفزت واردات الدولة من القمح 52% في هذا العام التسويقي، الممتد من يوليو إلى يونيو، لتعزيز الاحتياطيات في مواجهة صدمات الأسعار الناجمة عن الصراعات الإقليمية، بحسب أحدث تقرير للحبوب والأعلاف صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية (بي دي إف). واشترت الحكومة ما يتجاوز بقليل 5 ملايين طن من القمح المحلي في موسم التوريد 2026 (أبريل إلى أغسطس)، متجاوزة مستهدفها، وبزيادة بنحو 30% مقارنة بـ 4 ملايين طن في 2025. وفي وجود هذا المخزون، بجانب محصول يبلغ 10 ملايين طن، تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية انخفاض الواردات بنحو 23% إلى 12 مليون طن في 2026-2027. وسبق أن دعمت السعات التخزينية عمليات الشراء الحكومية من قبل: إذ تجاوزت مشتريات 2025 متوسط السنوات الخمس بدعم من الأسعار الأفضل وتوفر سعات تخزين أكبر، بحسب وزارة الزراعة الأمريكية في مارس (بي دي إف).
المخزون الاستراتيجي ورقة تفاوض: يضمن توفر المخزون الفعلي بقاء الغذاء في المتناول وقت الأزمات، بحسب أهوجا، وهو ما يهم في بلد يشكل القمح فيه أكثر من 30% من النظام الغذائي المعتاد. كما يتيح المخزون الكبير للبلاد السحب من احتياطياتها بدلا من دفع علاوات مرتفعة في صفقات الشراء الفوري، وفي وجود سعة تخزين كافية تستطيع مصر التفاوض من موقع أقوى. وتضيف: "لكن هذا الهامش لا يعزل البلاد عن تقلبات العملة وأزمات السيولة".
ولكن من يبني هذه الصوامع ومن يمولها؟
يخلق التوسع فرص عمل للمقاولين والمصنعين، بحسب صادق. كما يعزز الطلب على مكونات الصوامع محلية الصنع، بما يسهم في توفير فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة. وتخطط شركة فيرم مصر — وهي مشروع تابع لشركة سامكريت يستهدف تصنيع مكونات الصوامع محليا بتكنولوجيا من شركة فيرم البولندية — لتصنيع 80% من مكونات الصوامع محليا خلال ثلاث سنوات، بحسب وزارة التموين. وقد التزمت بتوريد مكونات لسعة 1.4 مليون طن بأسعار ثابتة وبالعملة المحلية. ولم يبدأ مصنعها في شرق بورسعيد الإنتاج بعد، بحسب ما ورد إلينا.
وقد اكتمل بناء ثلاثة من أصل أربعة مستودعات استراتيجية للسلع، بما فيها القمح، كان مخططا لإنشائها. وألغت الدولة خطة تنفيذ المستودع الاستراتيجي في الشرقية، بحسب حسام الجراحي، القائم بأعمال رئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية، لإنتربرايز. ويعمل مستودع الفيوم، الذي أنشأته أوراسكوم كونستراكشون بتكلفة 2.24 مليار جنيه، بكامل طاقته منذ أبريل 2026. أما مستودع السويس، الذي تطوره سامكريت، ومستودع الأقصر، فقد اكتمل بناؤهما ومن المرتقب افتتاحهما قبل نهاية العام، بحسب الجراحي. وتملك شركة حسن علام للمستودعات الاستراتيجية موقع الأقصر وتديره. وتأتي المستودعات الثلاثة بفترات تشغيل مدتها 35 عاما. وتخزن المستودعات أكثر من 25 سلعة أساسية، منها الزيت والأرز والسكر والسمن. كما تربط شبكة رقمية جميع المستودعات، بما يتيح للوزارة تتبع المخزون في كل محافظة.
من أين يأتي التمويل؟ يمول البنك الدولي 700 ألف طن من السعة الجديدة والمطورة للصوامع، بحسب تقريره لعام 2025. وتدعم الوكالة الفرنسية للتنمية والاتحاد الأوروبي 375 ألف طن أخرى. وفي سبتمبر، ناقش وزير التموين شريف فاروق تمويل مركز لوجستي للحبوب مع بنك الاستثمار الأوروبي. وتجري وزارة التموين أيضا محادثات مع البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة لتمويل صوامع جديدة وصهاريج لزيوت الطعام.