تتحرك مصر بسرعة لانتزاع دور إقليمي في صناعة مراكز البيانات، مع تنامي الطلب العالمي على الحوسبة عالية الأداء المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. وبينما تستقطب البلاد استثمارات جديدة — رغم محدوديتها — وتعمل على بناء البنية التحتية الداعمة، يبرز التبريد بالسائل، وليس الكهرباء وحدها، كعامل حاسم يحدد ما إذا كانت المنشآت قادرة على مواكبة سباق وحدات المعالجة الرسومية العالمي أم ستتراجع تحت وطأة كثافات الحرارة الهائلة. وهذا العنصر الذي يزداد أهمية في اقتصادات ناشئة يضع مصر أمام سؤال صعب: كيف يمكن توسيع مراكز البيانات التي تتطلب معدلات استهلاك مرتفعة للمياه في بلد يعاني بالفعل من ندرة مائية مزمنة؟

لا يزال حضور مصر في قطاع مراكز البيانات محدودًا فيما تتقدم دول المنطقة بخطى أسرع. تمتلك مصر حاليًا نحو 5.5% فقط منمراكز البيانات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ لا يوجد في البلاد سوى 14 منشأة عاملة، وفقًا لبيانات " خريطة مراكز البيانات ". تتصدر السعودية المنطقة بـ 36 مركزًا، تليها الإمارات بـ 32 مركزًا. حتى سلطنة عمان تتفوق على مصر بـ 15 مركزًا رغم أن عدد سكانها يقل بأكثر من عشرين مرة. كما تتأخر مصر عن عدد من الدول الأفريقية، إذ تتصدر جنوب أفريقيا القارة بـ 47 مركزًا، تليها كينيا بـ 18 مركزًا.

لم يعد التبريد بالسائل خيارًا إضافيًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لأي مركز بيانات حديث يريد مواكبة أحمال الذكاء الاصطناعي، وفق ما قاله خبراء خلال جلسة بعنوان “الابتكار في التبريد بالسائل” في مؤتمر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والسحابة الشهر الماضي. وتقف مصر عند لحظة محورية مع تنامي الطلب على الحوسبة عالية الأداء، وارتفاع كثافة الحرارة لكل رف لتصل إلى نحو 100 كيلووات، وهو مستوى لم يعد التبريد بالهواء قادرًا على التعامل معه.

لماذا التبريد بالسائل، ولماذا الآن؟ أوضح متخصصو القطاع أن بناء منظومة رقمية مستدامة أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة بالاستثمار المستقبلي والأمن السيبراني. ومع الارتفاع المتسارع في قدرات وحدات المعالجة الرسومية، لم يعد التبريد بالهواء قادرًا على تلبية الأحمال الحرارية الجديدة. وقالت رولا عيد نائبة الرئيس والمديرة العامة في إيكولاب إن التبريد بالسائل أصبح الحل الوحيد — على الأقل في الوقت الراهن — لحماية الاستثمارات الرأسمالية الضخمة الموجهة إلى بنية الحوسبة التحتية. وأضاف جون شحاتة مدير تطوير الأعمال بالشرق الأوسط وأفريقيا في شركة ليكويد ستاك أن الاستثمار في مراكز البيانات انتقل من كونه اتجاهًا إلى كونه شرطًا وجوديًا للنمو الرقمي. وفي الوقت نفسه، أكد أحمد مصطفى المدير التقني لمراكز البيانات بشركة ماينهاردت بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن اعتماد التبريد بالسائل أو الأنظمة الهجينة هو المسار الوحيد حاليًا للتعامل مع كثافات الحرارة السائدة. يأتي هذه في الوقت الذي أصبحت فيه المياه أكثر فعالية من الهواء في التعامل مع الحرارة العالية داخل مراكز البيانات الحديثة، حسبما أكد ماهر موسى مدير إدارة الإنتاج والامتثال في جونسون كونترول أرابيا.

السبب في هذا التحول؟ قالت عيد إن التبريد بالسائل يمنح ميزة تشغيلية واضحة، إذ يمكنه خفض استهلاك الطاقة بنحو 30%. كما يقدّم أداء في نقل الحرارة أعلى بـ 20-30 مرة من التبريد بالهواء، وفقًا لكل من شحاتة وعيد. وتُعزّز الأنظمة المتقدمة مثل التبريد المباشر للرقاقة وتبريد الألواح الباردة الكفاءة بشكل أكبر، وتتيح نشر تجهيزات عالية الكثافة. وأضاف شحاتة أن بعض الحلول تعتمد على تغيير حالة المائع لتحقيق أداء أفضل في إدارة الحرارة.

هندسة جديدة بالكامل وبنية تحتية بحاجة إلى دفعة قوية: يجمع الخبراء على أن مستقبل مراكز البيانات في مصر واعد، لكن تطبيق أنظمة التبريد السائل يتطلب تغييرات جذرية في التصميم والتشغيل، إذ يرى مصطفى أن ضعف الوعي المؤسسي كان عائقا في السابق، لكنه يتلاشى حاليا مع دخول المستثمرين العالميين للسوق. ودعا شحاتة إلى مشروع قومي لإنشاء مواقع جاهزة لمجمعات مراكز البيانات ببنية طاقية ومائية متكاملة، لا سيما وأن بعض المراكز قد تستهلك بين 50 و100 ميجاوات من الكهرباء، مشيرا إلى أن التصميم الحديث يعتمد على منظومة متكاملة تشمل الهندسة والأتمتة والمراقبة.

الوحدات سابقة التجهيز باتت ضرورة لتقليل المخاطر وتحسين جودة شبكات الأنابيب الخاصة بالتبريد السائل، حسبما يعتقد عبد الرحمن مخيمر المدير بشركة فيكتاوليك. وكذلك أصبح تصميم مراكز البيانات يعتمد بدرجة أكبر على مزودي التكنولوجيا مع دخول الشركات الكبرى إلى السوق، وأن تكامل أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والطاقة والتحكم بات شرطا للحفاظ على أداء يتوافق مع معايير "تير" المختلفة الخاصة بمراكز البيانات، وفقا لما قاله موسى.

تبقى تحديات مصر الأكبر مرتبطة بواقعها المائي: توسيع مراكز البيانات كثيفة استهلاك الطاقة والمياه يضع البلاد في موقف دقيق. كيف يمكن لمصر جذب الشركات العملاقة في القطاع واللاعبين العالميين في الذكاء الاصطناعي بينما تواجه بالفعل عجزًا مائيًا سنويًا يقدَّر بنحو 7 مليارات متر مكعب؟ ومن دون إطار وطني ينظم معايير استهلاك المياه في مراكز البيانات أو يقدم حوافز لبدائل مثل أنظمة الغمر المغلقة أو إعادة تدوير المياه، قد تصطدم طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمي للحوسبة بحواجز بيئية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.

حوكمة المياه ستحدد نجاح أو فشل طموح مصر في مراكز البيانات. ويرى الخبراء أن تطوير سياسات وطنية واضحة لإدارة الموارد المائية، إلى جانب حوافز لتبني تقنيات إدارة المياه المتقدمة داخل المنشآت الجديدة، سيكون أمرًا بالغ الأهمية لقدرة مصر على استيعاب النمو المستقبلي من دون تحميل مواردها الطبيعية المحدودة أعباء إضافية.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع: