تشهد السوق العقارية في مصر عملية إعادة هيكلة شاملة تحدد من يملك حق البناء. لم تعد الحكومة تتعامل مع أزمات المشروعات المتعثرة كل حالة على حدة، بل تفرض حاليا ضوابط صارمة على مستوى القطاع بأكمله تحدد من يحق له بيع وبناء وتمويل العقارات، بغية فلترة المطورين الضعفاء قبل دخولهم السوق بدلا من التدخل بعد تعثرهم. ويتجسد محور هذا التحرك في كيان جديد مرتقب يسمى"الاتحاد المصري للمطورين العقاريين"، يأتي مدعوما بحسابات الضمان، وعقود موحدة، وآليات أسرع لتسوية النزاعات. كما يُطرح على الطاولة أيضا منع المطورين من بيع مراحل جديدة من المشروعات قبل الوصول لمعدلات إنجاز محددة.
لم يحدث هذا بين عشية وضحاها: ففي 21 مايو، أوضحت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي أن الكيان المقترح للمطورين صُمم على غرار الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، مشيرة إلى العقود الصارمة والقواعد الداخلية المعمول بها بالفعل في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة للتعامل مع مخالفات المطورين. وبحلول 5 أغسطس، كانت وزارة الإسكان تراجع نص مشروع القانون الخاص بالاتحاد المصري للمطورين العقاريين.
قرارات تنظيمية نافذة
انتهت مرحلة ترتيب الأوراق: تنفيذا لتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، انتقل رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي من مرحلة الصياغة إلى التنفيذ في 2 سبتمبر، موجها المسؤولين بحصر المشكلات التي تواجه المشروعات العقارية والتعرف على أسباب تعثرها، مع تحديد المسؤولية وما إذا كان التعثر يرجع إلى تقاعس المطور أم لأسباب خارجة عن إرادته. وقالت المنشاوي إن الحصر الشامل للمشروعات المتعثرة، الذي طلبته الجهات الرقابية، يوشك على الانتهاء بالتزامن مع وضع آليات للتعامل مع هذه المشكلات.
وأضافت وزيرة الإسكان أن المستثمرين الجادين، الذين يمثلون الجزء الأكبر من القطاع، يعملون وفق برامج زمنية محددة واشتراطات تنظيمية. كما أشار مدبولي إلى أن حالات التعثر المرصودة حتى الآن محدودة مقارنة بحجم أعمال المطورين الجادين، لكن هذا لا يعفي المشترين في المشروعات المتعثرة من الأزمة. ووجه مدبولي المسؤولين بسرعة الانتهاء من مشروع قانون اتحاد المطورين العقاريين وطرحه للحوار والنقاش المجتمعي قبل عرضه على مجلس الوزراء.
سوق تحت الضغط
لم تشهد السوق كل هذه التحولات بين عشية وضحاها: أمضى المطورون سنوات في محاولة لاستيعاب القفزات الحادة في تكاليف البناء والتمويل. فالزيادات الاسمية في الأسعار، بنسبة 10-20% خلال العام الماضي، تخفي وراءها انكماشا حقيقيا عند استبعاد آثار تراجع العملة وتضخم التكاليف المدفوع بالاستيراد، وفق ما أشارت إليه نشرة إنتربرايز الصباحية سابقا.
كما تكشف موجة إعادة بيع الوحدات وصعوبات سداد الأقساط عن وجه آخر لأزمة السيولة، التي باتت تضرب المشترين مباشرة. ويلجأ بعض المطورين إلى الاندماجات والتحالفات لتكون مخرجا من أزمة المشروعات المتعثرة، في حين تثير رسوم التنازل وبنود حوالة الحق مخاوف قانونية وتمويلية خاصة بها.
ومع إحكام الدولة قبضتها الرقابية، يبرز السؤال الأهم: هل تنجح عملية إعادة الهيكلة في فلترة السوق واستعادة الثقة، أم أنها ستضيف ضغوطا جديدة على مطورين ومشترين مستنزفين ماليا بالفعل؟ صحيح أن فلترة السوق من المطورين غير المؤهلين تحمي المشترين على المدى الطويل، لكنها تفاقم أزمة السيولة للجميع في الوقت الراهن.
هل يعد إلغاء أكبر المعارض العقارية في البلاد إشارة من السوق؟ تجلت الأزمة بالفعل على أرض الواقع: فقد أكد المنظمون إلغاء النسخة التجارية من معرض "سيتي سكيب مصر" لعام 2026، ليحل محلها منتدى نقاشي في 16 نوفمبر، على أن يعود المعرض التجاري في الفترة من 29 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2027. وقال أحمد العتال، رئيس مجلس إدارة شركة العتال هولدنج، لإنتربرايز إن السوق "لم يعد سوق معارض"، موضحا أن تكلفة إيجارات أجنحة العرض ارتفعت بشدة، بينما يحقق التسويق الرقمي حاليا عائدا أفضل، وهو ما دفع المطورين لتوجيه ميزانياتهم وفقا للوضع الجديد.
لكنه ليس التفسير الوحيد لتلك الخطوة. إذ أشارت مصادر في القطاع لإنتربرايز بأن تخوف الشركات من التدقيق والرقابة هو ما أبعدها فعليا عن المشاركة. فقد اشترط المنظمون تقديم إثباتات على معدلات التنفيذ لأي مشروع يجري تسويقه في المعرض، تنفيذا لتوجيهات حكومية. وهذا النوع من الشفافية لم يرغب العديد من المطورين في الخضوع له.
من يملك حق البناء؟
تتأهب الحكومة لاستخدام قانون "الاتحاد المصري للمطورين العقاريين" لفلترة السوق من المتعثرين. وقالت وزيرة الإسكان في بيان رسمي إن "الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات للمواطنين وفقا للمواعيد والالتزامات المتفق عليها لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد".
وقال عضو مجلس الشيوخ ياسر قورة لإنتربرايز إن الاتحاد يحتاج إلى عقد موحد يُلزم المطورين بأكواد بناء ومساحات محددة لحماية المشتري باعتباره مستثمرا. ويتفق معه فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير والتشييد بالجمعية. إذ قال فوزي لإنتربرايز: "يحتاج الاتحاد أيضا إلى نظام من حسابات الضمان يمنع التصرف في الأموال إلا وفقا لنسب الإنجاز؛ لمنع توجيه أموال مشروع لتنفيذ مشروع آخر، بالإضافة إلى مراكز تحكيم متخصصة وسريعة للفصل في النزاعات".
كما يتبنى هشام طلعت مصطفى، رئيس مجلس إدارة مجموعة طلعت مصطفى، فكرة مماثلة من موقعه على قمة السوق: ففي حديثه مع عمرو أديب في برنامج "الحكاية" (شاهد 11:00-17:00 دقيقة)، دعا مصطفى إلى وضع إطار لتصنيف المطورين لتنظيم من يحق له دخول السوق والتأكد من ملاءتهم المالية وقدرتهم على التسليم. وهكذا تتلاقى ثلاثة أصوات منفصلة حول نفس الحل من ثلاث زوايا مختلفة: عضو في مجلس الشيوخ، ورئيس لجنة بجمعية رجال الأعمال، وأكبر مطور عقاري مدرج في البلاد.
متأخر، أم متعثر، أم متوقف تماما؟
ليست كل المشروعات المتوقفة تصنف على أنها فاشلة، والحكومة تريد توثيق هذا الفارق رسميا. ففي تعليقه لإنتربرايز، يقول كريم ملش، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة إم سكويرد: "اللجان الرقابية المشكلة مؤخرا تفحص موقف الأراضي والملاءة المالية ومعدلات الإنجاز الفعلية، بما في ذلك اشتراط إنجاز 70% من الأعمال الإنشائية للمرحلة الأولى قبل الحصول على تراخيص البناء للمرحلة ثانية. وتلك الطريقة ستفرز المطورين الجادين عن غيرهم، وتشجع على التحالفات والاندماجات لحل أزمات الشركات المتعثرة".
وقال طارق شكري، عضو مجلس النواب ورئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، إن الحصر الحكومي "يحدد النسبة الجغرافية والحقيقية للمشكلة بدلا من التقديرات العشوائية". ويوضح شكري لإنتربرايز أن الشركات يجب أن تبرر أسباب تأخيرها؛ فإذا كانت مرتبطة بقوة قاهرة، مثل سلاسل الإمداد العالمية أو الحرب الروسية الأوكرانية، فهذا مبرر قانوني وحقيقي. أما التأخير لمدة ثلاث سنوات دون وجود أسباب منطقية أو مؤشرات على التنفيذ، فهو أمر غير منطقي وغير مقبول".
التفريق بين الحالتين مهم لتحديد كيفية تطبيق الحل: يقول طارق بهاء، الخبير العقاري وعضو جمعية رجال الأعمال المصريين، لإنتربرايز: "يجب التمييز بين المشروع المتأخر، والمشروع المتعثر، والمشروع المتوقف. ومع وصول سعر الدولار إلى نحو 50 جنيها ارتفاعا من 15 جنيها، فإن الحل يكمن في استكمال البناء، وليس سحب الأراضي أو رد أموال المشترين التي فقدت قيمتها الحقيقية".
وقال فوزي لإنتربرايز إن عددا ممن يطلق عليهم "أشباه المطورين" دخلوا السوق بمقدمات تبلغ 5% للحصول على الأراضي دون سابقة أعمال. ويرى فوزي أن رفع الحد الأدنى للمقدم إلى 30% وفق الاشتراطات الجديدة، إلى جانب الرقابة الحكومية، من شأنه أن يفرض ما يصفه بمبدأ "البقاء للمطور الجاد".
الخطوة التالية: سيضطر المطورون الذين لن يتمكنوا من مجاراة الضوابط التنفيذية الجديدة للاندماج أو الخروج من السوق؛ فلا يوجد خيار ثالث بمجرد تفعيل قانون اتحاد المطورين الجديد، وقواعد حسابات الضمان. فقد أغلقت الدولة صنبور "الأموال السهلة"، الذي سمح لمطورين غير مؤهلين بدخول السوق في المقام الأول. ومن ثم فإن المطورين القادرين فعليا على التسليم هم من سيرثون القطاع؛ أما المطورون العاجزون عن الوفاء بالتسليمات فسوف يكتشفون حقيقة موقفهم قريبا جدا.
في عدد الأسبوع المقبل من نشرة هاردهات، سنغطي ضوابط التقييم العقاري الجديدة الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، والضغوط الواقعة على المشترين، والأسئلة القانونية الشائكة التي تترتب على ذلك، في الجزء الثاني من هذه القصة.