في سباق مراكز البيانات، شتان الفارق بين سِعات مُعلن عنها وأخرى دخلت حيز التشغيل بالفعل؛ ولذا يرتكز عرض مصر المقدم للمستثمرين على هذه الفجوة. فبينما أعلنت السعودية والإمارات عن ضخ أكثر من 110 مليارات دولار في مجمعات للذكاء الاصطناعي مدعومة سياديا، بحسب شركة سيجنيفيكا كابيتال، تراهن القاهرة في المقابل على موقعها الجغرافي المتميز في مسار الكابلات وتكلفتها الاستثمارية المنخفضة. وتستجيب رؤوس الأموال بالفعل لهذا العرض، لكن عملية تحويل هذه الاستثمارات إلى قدرات تشغيلية فعلية ما زالت تسير بخطى بطيئة.
ويبدو أن الدولة تتراجع عن دورها في تمويل هذا القطاع؛ إذ خفضت الحكومة استثماراتها المباشرة في البنية التحتية الرقمية إلى 13 مليار جنيه في العام المالي 2025-2026، مقارنة بنحو 85 مليار جنيه في العام المالي السابق، في حين تستهدف جذب استثمارات بقيمة 115.4 مليار جنيه من القطاع الخاص في العام المالي 2026-2027.
بيد أنها لم تتراجع عن دورها التنسيقي. فقد حضر وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رأفت هندي مراسم توقيع اتفاقية المشروع المشترك أفريكا داتا سنترز مصر التابع لفودافون بيزنس في 8 سبتمبر الجاري، وفق بيان صادر عن الوزارة. وتعكف الوزارة على صياغة استراتيجية وطنية لمراكز البيانات لتحديد احتياجات البلاد من القدرات الاستيعابية وتيسير الاستثمارات المستقبلية، حسبما ورد في البيان. كما تخطط الحكومة أيضا لإنفاق نحو 860 مليون دولار سنويا حتى عام 2030 لتحفيز الطلب المحلي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة.
وفي غضون ذلك، تتحرك رؤوس الأموال بالفعل نحو مصر. إذ يبدو أن كفة تسعير المخاطر تميل لصالح السوق المصرية في أنظار المستثمرين الباحثين عن دخول أسواق جديدة مبكرا بتكلفة منخفضة مقارنة بالتقييمات المرتفعة بالفعل في منطقة الخليج، وفق تقرير حديث صادر عن سيجنيفيكا كابيتال (بي دي إف). صحيح أن عدد مراكز البيانات في مصر يبلغ 14 مركزا، ولا تتجاوز سعتها التشغيلية الإجمالية 60 ميجاوات، وهو ما يمثل نحو 5.5% من إجمالي عدد المنشآت في المنطقة، لكن وتيرة الصفقات تتسارع بقوة.
فثمة أربعة نماذج لخطط ذات نمط واحد تشهد على هذا التسارع، أولها مشروع مشترك بقيمة 2.1 مليار دولار بين جلف داتا هاب والسويدي داتا سنترز لإنشاء مركز بسعة تصل إلى 192 ميجاوات. وفي المعادي، وفي المعادي، تتواصل الأعمال الإنشائية بمركز البيانات التابع لشركة خزنة الإماراتية باستثمارات تبلغ 250 مليون دولار، وذلك في إطار شراكة موسعة بين القاهرة وأبوظبي لبناء مراكز بسعة تصل إلى 1 جيجاوات على مراحل. أما الخطة الثالثة فهي تعهدات من ذراع البنية التحتية الرقمية التابعة لشركة حسن علام بضخ 400 مليون دولار في المرحلة الأولى من مركز بيانات جديد.
وتعد الصفقة الرابعة الأكبر حتى الآن؛ إذ تستهدف شركة أفريكا داتا سنترز مصر المشتركة بين فودافون والسويدي إليكتريك وكاسافا تكنولوجيز الوصول بسعة مراكز بياناتها إلى 200 ميجاوات في المرحلة الأولى، إلى جانب شراكة منفصلة لإنشاء أول مركز بيانات سيادي للذكاء الاصطناعي في البلاد باستخدام البنية التحتية لشركة إنفيديا.
تُظهر الأرقام على المستوى الإقليمي حجم الفرص الهائلة التي ما زالت في انتظار من يقتنصها. فعندما باعت مجموعة "إي آند" حصتها البالغة 40% في المنصة الأم لشركة خزنة في الإمارات لصالح "جي 42" مقابل 2.2 مليار دولار العام الماضي، حملت تلك الصفقة تقييما ضمنيا للشركة كلها بحوالي 5.5 مليار دولار، علما بأن سعة مراكز البيانات التابعة لها ارتفعت من 28 ميجاوات فقط في عام 2020 لتصل إلى ما يقرب من 650 ميجاوات اليوم.
وتبدو المقومات الأساسية لمصر واعدة نظريا؛ فالبلاد تقع عند ملتقى قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتتمتع بربط قوي عبر الكابلات البحرية، وتتوفر بها مساحات شاسعة من الأراضي، حسبما أشارت إليه سيجنيفيكا كابيتال في تقريرها.
لكن الفجوة بين الأرقام المعلنة والقدرات التشغيلية تتضح في التفاصيل الدقيقة. فعلى سبيل المثال، يقتصر الالتزام الفعلي لشركة أفريكا داتا سنترز مصر على المدى القريب على 20 ميجاوات فقط خلال السنوات الثلاث الأولى، بينما يتوقف تنفيذ باقي السعة المستهدفة البالغة 192 ميجاوات على خطة أطول أجلا.
وتمثل البنية التحتية العقبة الرئيسية؛ إذ يفرض الذكاء الاصطناعي ضغوطا غير مسبوقة على شبكات الكهرباء وموارد المياه، ومن المتوقع أن تقفز حصته من استهلاك مراكز البيانات للطاقة من 25% إلى 60% خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وفقا لاستطلاع رأي أجراه معهد كابجيميني للأبحاث (بي دي إف) وشمل أكثر من 600 مسؤول تنفيذي في قطاع المرافق.
وقد أفاد 67% من مسؤولي قطاع الكهرباء عالميا بوجود أزمة "طلب وهمي" فيما يخص طلبات الطاقة لمراكز البيانات، وبأن حوالي 19% من هذه الطلبات لا تتحول أبدا إلى استهلاك فعلي. وتربك هذه الفجوة تخطيط الاستثمارات في شبكات الكهرباء، مما يصعب على شركات المرافق تقدير السعة الحقيقية المطلوبة مقارنة بالمشروعات المعلن عنها.
تتركز استثمارات مراكز البيانات بالأسواق الناشئة عادة في المواقع التي تجمع بين إمدادات الكهرباء الموثوقة، وشبكات الألياف الضوئية القوية، وتوافر الأراضي وإجراءات التراخيص، وإمكانية الوصول إلى التمويل، والتشريعات التنظيمية المتوقعة، وفق تقرير صادر عن البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية (بي دي إف).
ويتماشى التشخيص الوارد في تقرير البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية مع ما يحدث على أرض الواقع؛ إذ صرح محمد خليل، الرئيس التنفيذي لشركة بنية للكابلات، في حديثه لإنتربرايز، بأن العقبة الحقيقية التي تواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتمثل في شبكة الكهرباء. وقال: "بدون إمدادات مستقرة من الكهرباء وعقود مضمونة لتوريد الطاقة النظيفة، يصبح تمويل مراكز البيانات الكبرى أمرا في غاية الصعوبة".
وتتجلى واقعية هذا التحدي في مصر بسبب طبيعة ملف المخاطر في البلاد؛ إذ تواجه البلاد بالفعل عجزا مائيا سنويا يقدر بنحو 7 مليارات متر مكعب، إلى جانب تاريخ من التحديات المتعلقة باستقرار شبكة الكهرباء. وتمثل متطلبات التبريد وتوفير الطاقة المستمرة مخاطرة جدية هنا، مما يهدد بأن تبقى السعات "المعلنة" مجرد حبر على ورق دون أن تدخل حيز التشغيل أبدا.
لمواجهة هذه التحديات، يراهن القطاع على اللامركزية والطاقة الخضراء: ففي تعليقه لإنتربرايز، قال حازم شتيلة، رئيس قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي في مجموعة السويدي إليكتريك: "رغم الضغوط على الاستهلاك، يمكن للأنظمة الذكية التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وإدارة الشبكات آنيا، وتقليل الفاقد".
وتتأهب السويدي لهذا التحول بالفعل؛ فقد أوضح وائل حمدي، نائب الرئيس الأول لشركة السويدي إليكتريك، لإنتربرايز أن الشركة تستعد لطرح حلول فعالة لإدارة الطاقة "من خلال التوسع في أنظمة الشبكات الذكية واستخدام تقنيات عالية الكفاءة".
وعلى الصعيد العالمي، لم تعد الشبكات الحكومية هي الخيار الافتراضي، والأرقام خير دليل على هذا: يعتزم 39% من المشغلين تبني حلول التوليد الذاتي والأنظمة المستقلة عن الشبكات خلال العامين المقبلين لتقليل الاعتماد على شبكات الدولة. وفي مصر، يتجسد هذا التحول من خلال تحالف يضم شركات سويكورب وإنكوم مصر وريكورد ديجيتال أسيت فنتشرز. ويتولى هذا التحالف بناء مركز بيانات أخضر يعمل بـ 200 ميجاوات من الطاقة المتجددة. ولكن مثل غيره من المشروعات قيد التنفيذ في البلاد، لم تتبلور هذه السعة على أرض الواقع بعد.
الخطوة التالية: نترقب ما إذا كان مشروع المعادي التابع لشركة خزنة الإماراتية ومشروع أفريكا داتا سنترز مصر التابع لشركة فودافون، سينجحان فعليا في تحويل سعاتهما المعلنة إلى واقع تشغيلي على الأرض. فعرض مصر لاستقطاب مراكز البيانات المصنفة ضمن المستوى الثاني لن يثبت جدواه إلا عندما تتحول السعات المرتقبة إلى أحمال فعلية على شبكة الكهرباء.