يُقبل قطاع الاتصالات المصري على مرحلة تشغيلية مهمة في يوليو الحالي؛ إذ ستبدأ الشركات الأربعة المختصة بتشغيل شبكات الهواتف المحمولة في مصر تسلم الترددات الجديدة الخاصة بها هذا الشهر، بموجب اتفاقية استراتيجية هي الأكبر في تاريخ القطاع، بلغت قيمتها نحو 3.5 مليار دولار. تمنح هذه الاتفاقية الشركات 410 ميجا هرتز إضافية، ما سيضاعف إجمالي الترددات المتاحة للشركات منذ إتاحة الخدمة في مصر قبل ثلاثة عقود. وسيكون الانضباط الاستثماري هو المعيار الأساسي الذي ستُقيَّم بناء عليه خطط النفقات الرأسمالية للقطاع، والتي تبلغ قيمتها مليارات الجنيهات.
يتزامن تسليم هذه الترددات مع تعهد الشركات الأربعة باستثمار مليارات الجنيهات؛ إذ تخطط فودافون مصر لاستثمار أكثر من 20 مليار جنيه في العام المالي 2026-2027 لتحديث شبكاتها، وتطوير خدمات الجيل الخامس ومراكز البيانات وقدرات الذكاء الاصطناعي. كما تعهدت شركات القطاع الخاص الأخرى بخطط مماثلة؛ إذ صرح سابقا أحمد يحيى، الرئيس التنفيذي لشركة "إي آند مصر"، بأن استثمارات الشركة لتحديث البنية التحتية وتوسيع التغطية وطرح خدمات الجيل الخامس هذا العام تصل إلى 20 مليار جنيه كجزء من استراتيجيتها. وفي السياق ذاته، تستهدف أورانج مصر زيادة إنفاقها على البنية التحتية بنسبة 50% على أساس سنوي ليصل إلى 15 مليار جنيه، مدعومة في ذلك بقرض مشترك حصلت عليه مؤخرا بقيمة 80 مليون دولار لتمويل نشر شبكات الجيل الخامس، ساهم فيه مناصفة كل من بنك مصر والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
لكن هناك فجوة: بحسب تقرير شكاوى المستخدمين الصادر عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن النصف الثاني من عام 2025، فقد زادت شكاوى المستخدمين ضد مقدمي الخدمات إلى 139,400 شكوى، تعلقت النسبة الأكبر منها بخدمات الهاتف المحمول بواقع 46%، أي نحو 64,100 شكوى، تلتها خدمات الإنترنت الثابت بنسبة 32%، أي نحو 45,100 شكوى (وفقا لحسابات الجهاز).
وظهرت هذه الفجوة في أداء الشبكات أيضا؛ فبحسب تقرير جودة شبكات الهاتف المحمول الصادر عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات للربع الرابع من عام 2025، استمرت المخالفات وضعف جودة الخدمات الصوتية وخدمات البيانات في عدة مناطق، وتباينت جودة الخدمات المقدمة بوضوح فيما بين الشركات الأربعة. فسجلت شركة وي التابعة للمصرية للاتصالات التدهور الأشد؛ إذ ارتفع عدد المناطق التي تعاني من ضعف جودة الخدمات الصوتية لديها من 11 إلى 16 منطقة، في حين تراجع متوسط سرعة تحميل البيانات إلى 83 ميجابت في الثانية مقابل 85 ميجابت في الثانية سابقا. أما بالنسبة لشركة إي آند مصر فسجلت ارتفاعا في عدد المناطق المتأثرة بضعف جودة الخدمات الصوتية من 9 إلى 11 منطقة، مع استقرار متوسط سرعة تحميل البيانات لديها عند 57 ميجابت في الثانية.
وفيما يتعلق بالشركتين المتبقيتين فشهدتا تحسنا في الخدمات، إذ تراجع عدد المناطق التي تعاني من ضعف جودة الخدمات الصوتية لدى شركة أورانج مصر من 8 إلى 7 مناطق، وتراجع عدد تلك المناطق في حالة شركة فودافون مصر من 6 إلى 5 مناطق، بينما ارتفع متوسط سرعة تحميل البيانات في الشركتين إلى 51 ميجابت في الثانية مقابل 49 ميجابت في الثانية سابقا.
هذا التحسن لم يأت بمحض الصدفة، لأن الإنفاق لم يقتصر على مجرد تحديث التقنيات. فميزانية فودافون البالغة 20 مليار جنيه للعام المالي الحالي تمول خطة محلية لتحديث مواقع الشبكات، وزيادة السعة، ودعم شبكات الجيل الرابع، ومد خطوط الألياف الضوئية، حسبما أكد مصدر بشركة فودافون لنشرة إنتربرايز. وأضاف المصدر أن "أي تقنيات نطرحها تستهدف تحقيق غرض رئيسي واحد، وهو تحسين تجربة العميل تحسينا ملموسا على الصعيد اليومي. فخدمات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي ليست منفصلة، بل تشكل جزءا من خطة تطوير شاملة للبنية التحتية للشبكة وجميع مكوناتها، لضمان استمرارية الخدمات عالية الجودة والحفاظ على أفضل تجربة ممكنة للعملاء".
وأضاف المصدر أن شكاوى المستخدمين تعد أداة تشخيصية فعالة، إذ توضح الأرقام وجود منظومة تعمل على معالجة المشكلات بالفعل وليس مجرد تسجيلها. وتتجاوز نسبة استجابة فودافون للشكاوى 97%، ويبلغ متوسط زمن الاستجابة للشكاوى 0.15 يوم.
كما أشار المصدر إلى أن الترددات الجديدة بدأ استخدامها بالفعل، وتعمل فودافون على دمجها في الشبكة، وهي تساعد على رفع الكفاءة وزيادة السعة، لكنها لا تمثل حلا سحريا بمفردها، بل ستظهر نتائجها تدريجيا. وتوجه فودافون استثماراتها ومواردها الفنية نحو "المناطق ذات الكثافة العالية، أو المناطق التي تتطلب تدخلا أسرع بناء على مؤشراتها الفنية"، بالتنسيق المستمر مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
تراجع الإنفاق الحكومي يزيد العبء على القطاع الخاص: قلصت موازنة العام المالي 2025-2026 الاستثمارات الحكومية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى 13 مليار جنيه فقط، انخفاضا من 85 مليار جنيه في العام السابق. وترك هذا التراجع مشغلي القطاع الخاص يتحملون عبء تحديث الشبكات بمفردهم تقريبا، في وقت صعب من دورة الاقتصاد الكلي.
فهناك ضغوط من الجنيه والدولار في نفس الوقت. إذ تتزامن اتفاقية الترددات مع أزمة في العملة الصعبة؛ سدد المشغلون دفعة مقدمة بقيمة 500 مليون دولار في الربع الأول من العام الحالي، ويستعدون لسداد دفعة ثانية بقيمة 300 مليون دولار في الربع الأول من العام المقبل، على أن يُسدد المبلغ المتبقي البالغ 2.7 مليار دولار على أقساط سنوية مقومة بالدولار حتى عام 2030. وصرح مسؤول سابق بإحدى شركات الاتصالات لنشرة إنتربرايز بأن متوسط العائد لكل مستخدم على المستوى المحلي لا يزال منخفضا، ما يعني أن تدبير ما يكفي من العملة الصعبة لتغطية هذه الالتزامات سيشكل ضغطا مستمرا على الشركات التي تجني إيراداتها بالجنيه.
ومن جانبها، أوضحت فودافون أن جدول السداد وُضع خصيصا للتعامل مع هذا الضغط؛ إذ يمتد لفترة تسمح للمشغلين "بإدارة التزاماتهم المالية بكفاءة دون أن تتأثر خططهم الاستثمارية والتشغيلية في السوق"، حسبما أوضح لنا المصدر. وأضاف المسؤول أن هذه الدفعات مقررة ضمن الخطة المالية طويلة الأجل للشركة، ولن تؤثر على خطة الاستثمار المحلية البالغة 20 مليار جنيه.
وقد أصبح الذكاء الاصطناعي عاملا حاسما في إدارة سعة الشبكات؛ إذ يتوقع نحو 62% من المديرين التنفيذيين في المنطقة أن يعيد الذكاء الاصطناعي المخصص للتطبيقات الصناعية تشكيل عمليات البنية التحتية في غضون ثلاث سنوات، وفقا لمؤشر تحول البنية التحتية في الشرق الأوسط لعام 2026 الصادر عن شركة سيمنز. ويرى 61% من المديرين التنفيذيين بالفعل أنه المحرك الرئيسي لمرونة البنية التحتية، من خلال رصد الأعطال قبل أن تتسبب في خسائر مالية. وتتبع فودافون هذا النهج محليا؛ إذ أشار مصدر الشركة إلى أن الذكاء الاصطناعي "أصبح جزءا أساسيا من إدارة الشبكات الحديثة"، للمساعدة في التنبؤ بالأحمال وتوزيع السعة ورصد الأعطال والاستجابة السريعة لها.
ومع ذلك، لا يمكن لأي من هذه الحلول تحسين وضع القطاع بمفرده؛ إذ تطالب الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول بمد فترات التراخيص، ووضع إطار عمل مفتوح لمشاركة الأبراج والبنية التحتية، وخفض الضرائب بدلا من فرض رسوم تختلف بحسب القطاعات. فالحصول على الترددات هو الجزء الأسهل، أما الجزء الأصعب فهو إصلاح بنية القطاع، وهذه الإصلاحات لا تمضي كما ينبغي.
الخطوة التالية: تمثل بيانات الشكاوى الصادرة عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات المقياس الأكثر وضوحا لمدى نجاح هذه الاستثمارات. فالترددات صارت متاحة، وتوفرت التمويلات، ودمجت الشركات تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها، وبذلك أصبحت كل القطع في مكانها الصحيح. والشركات التي تنجح في استغلال هذه المعطيات لخفض معدلات انقطاع المكالمات ستكتسب قدرة تسعيرية أكبر بفضل الثقة التي ستحظى بها من المستخدمين؛ أما التي ستفشل في ذلك فستجد نفسها تكرر النقاش ذاته بعد عام من الآن.