سجل أكبر 10 مطورين عقاريين في مصر مبيعات تعاقدية إجمالية بقيمة 670 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة 2.9% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. ولكن بالتدقيق في التفاصيل سيتضح لنا أن هذه الأرقام لا تجسد نموا قويا؛ فقد انخفض حجم المبيعات بنسبة 3% ليصل إلى نحو 39 ألف وحدة خلال نفس الفترة، وفقا لتقرير القطاع العقاري للنصف الأول من 2026 (بي دي إف) الصادر عن شركة ذا بورد كونسلتينج للاستشارات. ما يعني أنه رغم هذا النمو في المبيعات، تتقلص السوق التي تدرها.

السيولة تتركز في القمة: حققت مجموعة طلعت مصطفى وحدها مبيعات بلغت 219 مليار جنيه، وهو ما يزيد على ضعف ما حققه أقرب منافسيها. أما بالنسبة للمطورين العقاريين الصغار ومتوسطي الحجم، والذين يعانون نقصا في السيولة، فإن التوجيه الرئاسي الجديد بحصر المشاريع العقارية المتأخرة على مستوى الجمهورية يضيف عليهم ضغوطا جديدة بينما تتزعزع أقدامهم في السوق.

والأرقام تكشف هذا التركز بوضوح أكبر: تصدرت مجموعة طلعت مصطفى القائمة (219 مليار جنيه)، تلتها بالم هيلز للتعمير (94 مليار جنيه)، ثم ماونتن فيو (63.7 مليار جنيه)، وإعمار مصر (60.9 مليار جنيه)، وهايد بارك للتطوير العقاري (52.9 مليار جنيه). وتكتمل قائمة العشرة الكبار بكل من تطوير مصر (50.5 مليار جنيه)، ومدن الإماراتية (44 مليار جنيه)، ومبيعات مجمعة بقيمة 30 مليار جنيه لكل من شركة "جي للتطوير العقاري" وشركة آرت لايف، ثم مدينة مصر (28.4 مليار جنيه)، ولافيستا للتنمية العمرانية (26.5 مليار جنيه). كما سجل 3 مطورين معدلات نمو ملفتة في حجم المبيعات؛ إذ نمت مبيعات تطوير مصر بنسبة 321% على أساس سنوي، ونمت مبيعات سوديك بنسبة 227% لتصل إلى 23.6 مليار جنيه، وزادت مبيعات الديار القطرية بنسبة 150% لتصل إلى 17.5 مليار جنيه، وجميعها انطلقت من قاعدة أصغر مقارنة بالشركات الخمس الكبرى.

وبحسب التوزيع الجغرافي، استحوذت منطقة شرق القاهرة وحدها على 47% من إجمالي المبيعات، تلاها الساحل الشمالي (33%)، ثم غرب القاهرة (11%)، ثم العين السخنة (7%)، ثم المبيعات الدولية (2%).

وبلغ نصيب الربع الأول من عام 2026 نحو 39% من مبيعات النصف الأول، مقابل 61% في الربع الثاني، وبهذا عادت السوق إلى وتيرتها الهادئة المعتادة في النصف الأول، بعد الأداء القوي غير المعتاد في الربع الأول من عام 2025 (43%)، عندما طرحت بالم هيلز خطط سداد على 12 عاما، لتجذب حصة أكبر من المبيعات في ربع يتسم عادة بالهدوء.

هذه المبيعات الضخمة تحمي العشر الكبار، في حين يفتقر بقية المطورين في السوق إلى هذه الحماية. فقد تراجع التضخم إلى 13.4%، وخفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 500 نقطة أساس لتصل إلى 19%، وهي عوامل إيجابية تفيد أكثر المطورين الذين يتمتعون بميزانيات قوية تمكنهم من الصمود أمام تباطؤ حركة الشراء. أما الشركات التي لا تضاهي حجم مجموعة طلعت مصطفى أو محفظة مشاريع بالم هيلز، فإن هذه الانفراجة على مستوى مؤشرات الاقتصاد الكلي لا تخفف عنها الضغوط بالقدر نفسه.

وتشير البيانات المستقلة إلى تراجع القدرة الشرائية للعملاء أيضا. فقد ظل نمو الأسعار في القاهرة معتدلا خلال الربع الثاني، بزيادة 2.8% في مدينة السادس من أكتوبر و2.4% في القاهرة الجديدة، بينما قفزت الإيجارات بنسبة 7% على أساس سنوي في كلتا المنطقتين، في إشارة إلى تحول المشترين غير القادرين على تحمل الأسعار نحو الإيجار، وفق ما قاله أيمن سامي، رئيس مكتب شركة "جيه إل إل" في مصر، خلال حديثه إلى إنتربرايز. ويستجيب المطورون لذلك بهياكل سداد أكثر مرونة، تشمل التسعير المزدوج الذي يتيح خصومات على السداد المعجل أو خطط تقسيط ممتدة بالسعر المعلن.

المطورون المتعثرون في التنفيذ على رادار الدولة: خلال أحد الاجتماعات المنعقدة في مدينة العلمين الجديدة مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير المالية أحمد كجوك، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل لجنة لمعاينة المشروعات العقارية المتأخرة على مستوى الجمهورية، لضمان تسليم الوحدات في مواعيدها المحددة، ومحاسبة المخالفين، وفقا لتصريحات بثها التلفزيون الرسمي (شاهد 5:15 دقيقة).

وقال طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، في تصريحات تلفزيونية (شاهد 3:41 دقيقة) إن التطبيق سيكون متدرجا. وسيتلقى المطورون الذين لديهم أسباب منطقية للتأخير إنذارات لتسريع وتيرة البناء، بينما يواجه المطورون الذين تمتد تأخيراتهم لسنوات غرامات مالية، وقد يصل الأمر في أشد الحالات إلى سحب الأراضي، مع توجيه أي غرامات لتعويض المشترين.

ومع ذلك، لن تُسحب الأراضي لمجرد التأخير في سداد ثمنها: أوضح لنشرتنا وليد عباس، نائب وزير الإسكان لشؤون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أن "سحب الأراضي لا يتم لمجرد وجود تأخير في السداد، وإنما يرتبط بشكل أساسي بمدى جدية المطور في التنفيذ ووجود تقدم فعلي في أعمال البناء". ويشير عباس إلى أن الهيئة تدرس الحلول الممكنة لكل حالة على حدة قبل اللجوء إلى سحب الأرض، وقد تشمل الحلول منح مهلة إضافية للمطور، أو إعادة تقييم مساحة الأرض وفقا لنسب التنفيذ، أو إدخال مطور شريك للإسهام في استكمال المشروع، بحسب طبيعة كل حالة ومدى إمكانية استكمالها. وفي حال سحب الأرض من المطور، تتولى الهيئة المسؤولية تجاه العملاء الحاليين مباشرة أو تسند المشروع لمطور آخر، وفي كلتا الحالتين تظل حقوق المشترين محفوظة، بحسب عباس.

وتدرس الهيئة أيضا منح المطورين الذين يعانون نقصا في السيولة مخرجا شاملا من هذه الأزمة. وقد منحت الهيئة بالفعل المطورين حزمة تيسيرات في يوليو الماضي، شملت خفض رسوم التنازل، والإعفاء من غرامات تأخير السداد، ومنح المشاريع المتأخرة مهلة زمنية إضافية للتسليم.

كما تتجه هيئة المجتمعات العمرانية حاليا نحو أداة أكبر تأثيرا، تتمثل في توريق محافظ شيكات العملاء وأقساط المطورين من خلال البنوك والمؤسسات التمويلية، مما يحول المستحقات المستقبلية إلى سيولة نقدية فورية يمكن للمطورين استخدامها اليوم بدلا من الانتظار سنوات لتحصيلها. ويوضح عباس لإنتربرايز: "الفكرة الأساسية هي توفير مصدر تمويل أكثر مرونة للمطور.. هذا النوع من الأدوات قد يمثل إضافة مهمة إلى مصادر التمويل المتاحة أمام المطورين، خاصة الشركات المتوسطة والصغيرة التي لا تمتلك نفس القدرة التي تتمتع بها الشركات الكبرى على الوصول إلى أدوات تمويل متنوعة".

هذا التركز في السيولة ليس بالخبر الجديد لقراء إنتربرايز؛ إذ أشرنا إلى الديناميكية ذاتها في يوليو الماضي، حينما كانت زيادة تكاليف البناء وانخفاض قيمة العملة تلتهم ما بدا أنه مكاسب سعرية اسمية. ولم تشهد الفجوة سوى مزيد من الاتساع منذ ذلك الحين.

ما نترقبه الفترة القادمة: ينبغي متابعة شريحة المطورين متوسطي الحجم. إذ يمتلك المطورون العشرة الكبار ميزانيات عمومية قوية قادرة على استيعاب تباطؤ السوق، بل وربما يستفيدون من أداة التوريق لتحرير رؤوس الأموال المجمدة. أما المطورون الذين لا يمتلكون هذا الحجم، فيواجه هؤلاء أزمة السيولة ذاتها بالتزامن مع تدقيق حكومي يضغط على جداولهم الزمنية للتسليم. لذا من المتوقع أن تتسارع وتيرة الدمج خلال الربعين أو الأرباع الثلاثة المقبلة، سواء عبر صفقات الدمج والاستحواذ، أو اتفاقيات الشراكة بين المطورين برعاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة نفسها، أو التخارج الإجباري للشركات التي لا تقوى على الصمود أمام هذه الضغوط.