انخفض عدد حرائق قش الأرز في مصر بنسبة 24.8% حتى الآن هذا الموسم، إذ رصدت الأقمار الصناعية 486 نقطة حرق في القاهرة الكبرى والدلتا وأسيوط بين أول سبتمبر و7 أكتوبر، مقابل 647 نقطة خلال الفترة ذاتها من عام 2025، وفق بيان أصدرته وزارة التنمية المحلية والبيئة نهاية الأسبوع الماضي. ومع استمرار موسم السحابة السوداء، يبرز التساؤل حول ما يتطلبه الأمر للقضاء على ظاهرة حرق قش الأرز تماما.
شهد الموسم الماضي توسيع نطاق جمع قش الأرز ليشمل سبع محافظات في الدلتا، وهي القليوبية والشرقية والغربية والدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة ودمياط. وارتفع عدد نقاط التجميع إلى 655 موقعا في 2025 مقابل 398 موقعا فقط في 2024، في حين تراجعت نقاط حرق قش الأرز إلى نحو 1116 نقطة مقابل 3490 نقطة في عام 2024، وفق ما كشفه مسؤول في جهاز تنظيم إدارة المخلفات لإنتربرايز.
تراجعت قراءات الجسيمات الصلبة العالقة "PM10" بنحو الثلث منذ عام 2015، وهي جسيمات عالقة في الهواء تقاس بالميكروجرام لكل متر مكعب من الهواء إذ يبلغ قطرها 10 ميكرونات أو أقل، مما يجعلها صغيرة بما يكفي لاستنشاقها ووصولها إلى الرئتين. وانخفضت القراءات في القاهرة الكبرى والدلتا إلى 102 ميكروجرام لكل متر مكعب في 2025، مقارنة بـ 157 ميكروجراما قبل عقد من الزمان، وفق تقرير حصاد عام 2025 الصادر عن جهاز شؤون البيئة. وتستهدف الحكومة خفض مستويات عام 2015 إلى النصف بحلول عام 2030، لتصل القراءات إلى نحو 79 ميكروجراما، وهو ما يعني الحاجة لخفض 23 ميكروجراما أخرى خلال خمس سنوات، بحسب جهاز شؤون البيئة. وقد أشارت نشرة إنتربرايز إلى هذا التوجه في عدد سابق من نشرتنا في نوفمبر الماضي.
ما وراء انخفاض حوادث الحرق: يعزو البنك الدولي الانخفاض المسجل في 2025 إلى تسريع وتيرة الرصد والاستجابة، ويمول البنك مشروع إدارة تلوث الهواء في القاهرة الكبرى التابع للحكومة. وقد نشرت ماريا صراف، المديرة الإقليمية للبيئة والموارد الطبيعية والمناخ والاقتصاد الأزرق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالبنك الدولي، وستيفان جيمبرت المدير القطري للبنك في مصر — الذي يشغل حاليا منصب مدير تمويل الشركات بالمجموعة — مقالا نُشر بمدونة البنك خلال أبريل 2026 بعنوان "من أجل هواء أكثر نقاءً في القاهرة"، قالا فيه إن جهاز شؤون البيئة نشر فرقا ميدانية أكثر لساعات أطول خلال أشهر الذروة، بينما حدد نظام الإنذار المبكر عبر الأقمار الصناعية النقاط الساخنة فورا. وأسهم التوسع في إعادة استخدام قش الأرز، إلى جانب عقد أكثر من 11 ألف ندوة توعوية للمزارعين، في تحقيق هذا التراجع، بحسب المقال. وأضاف الكاتبان أن عمليات الحرق استمرت لسنوات بسبب "افتقار المزارعين إلى بدائل ميسورة التكلفة".
ما تغفله الإحصاءات الرسمية
قد تقع بعض عمليات الحرق خارج الإحصاءات الموسمية الرسمية؛ إذ يوضح مسؤول جهاز تنظيم إدارة المخلفات أنه "من الممكن حرق القش المخزن في وقت لاحق في فصل الشتاء دون أن يحتسب ضمن إحصائيات موسم السحابة السوداء الرسمية". ويضيف أن كل نقطة حرق تُرصد عبر الأقمار الصناعية هي بمثابة "نقطة ساخنة" يتحقق منها المفتشون ميدانيا أو يسجلونها مخالفة. وتراقب الأقمار الصناعية جميع أنحاء البلاد، لكن حملات التفتيش المكثفة تجري من سبتمبر حتى نهاية نوفمبر، وتركز على القاهرة الكبرى وسبع محافظات في الدلتا. وعادة ما تُغلق إحصاءات الموسم بنهاية نوفمبر أو خلال ديسمبر، لذلك لا تُحسب عمليات الحرق الشتوية إلا إذا سُجلت حرائق عامة للمخلفات الزراعية، بحسب المسؤول.
وتقول الخبيرة البيئية غادة عرابي لإنتربرايز إن حرق القش المخزن في الشتاء يعد ممارسة "موثقة وشائعة بدرجة ما". وتجري عرابي أبحاثا حول السياسات الرامية إلى الحد من تلوث الهواء الناجم عن حرق المخلفات الزراعية. وتشير إلى أن القش المخزن عادة ما يُحرق بكميات صغيرة بين شهري ديسمبر وفبراير، بالتزامن مع استعداد المزارعين لتمهيد الأراضي للمحصول التالي أو عند تلف حزم القش. وتوضح أن مراكز التجميع غالبا ما تفشل في بيع البالات أو نقلها قبل هطول الأمطار الشتوية التي تتسبب في تعفنها. علاوة على ذلك، تنهار الأسعار خلال فترة ذروة المعروض، مما يضطر أصحابها إلى التخلص من البالات غير المبيعة.
ماذا يحمل لنا الموسم الحالي؟
من المتوقع أن تؤدي ظروف الطقس في خريف هذا العام إلى احتجاز مزيد من الملوثات مقارنة بعام 2025. ويتوقع نظام الإنذار المبكر التابع لوزارة البيئة سكون الهواء أو هبوب رياح خفيفة خلال 37% تقريبا من أيام الموسم، مقارنة بـ 33% في 2025، وفق ما قالته وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض. وأضافت أن هذه الظروف تزيد من تركز الملوثات وتجعل تشتيتها أكثر صعوبة. فقد تسبب التلوث الناتج عن جسيمات أصغر حتى من "PM10" في نحو 12600 حالة وفاة مبكرة في القاهرة الكبرى عام 2017، وكلف ما يعادل 1.35% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2016-2017، وفقا لدراسة أعدها البنك الدولي، وأشرنا إليها سابقا.
أطلقت وزيرة التنمية المحلية والبيئة الحملة السنوية لمواجهة نوبات تلوث الهواء الحادة في 4 سبتمبر الجاري. وتشمل الخطة الاستعانة بمزيد من الفرق الميدانية واللجان خلال هذا الموسم، بحسب ما أفادت به الوزيرة. ويشير مسؤول جهاز تنظيم إدارة المخلفات إلى وجود "69 محورا ولجنة مرور مسائية على الأراضي الزراعية لمتابعة ومنع عمليات الحرق المكشوف للمخلفات الزراعية". ويضيف أن هذه الفرق تعمل يوميا بالتنسيق مع مديريات الزراعة والمحافظات. وتمتد الحملة أيضا لتشمل فحص مداخن المصانع وعوادم السيارات، بحسب الوزارة.
وفي الدقهلية، تراجعت نقاط الحرق بنحو الثلثين في النصف الأول من سبتمبر، إذ رصدت الأقمار الصناعية 15 نقطة حرق بالمحافظة بين 1 و15 سبتمبر، مقارنة بـ 44 نقطة خلال نفس الأسبوعين من عام 2025، وفق بيان صدر عن الوزارة في 21 سبتمبر. وبحلول منتصف سبتمبر، ضمت مواقع التجميع البالغ عددها 140 موقعا نحو 60900 طن من القش من مساحة تتجاوز 330 ألف فدان من الأرز، واستأجر المزارعون نحو 37 جرارا ومكبسا لتنفيذ عمليات التجميع.
جُمع أيضا نحو 1.2 مليون طن من قش الأرز حتى الآن خلال الموسم الحالي، مع اكتمال أكثر من نصف موسم حصاد الأرز، حسبما أعلنته الوزارة نهاية الأسبوع الماضي. وتجاوز إجمالي ما جُمع خلال موسم 2025 نحو 2.6 مليون طن، بحسب بيان لوزارة الزراعة في 24 نوفمبر. ويشكل هذا ارتفاعا من نحو 1.2 مليون طن في 2024 قبل التوسع في عمليات الجمع، وفقا لبيانات جهاز شؤون البيئة. وقد أسهم القش في إنتاج نحو 4800 طن من الأسمدة العضوية في 2025، وفق ما ذكرته وزارة الزراعة. كما وفرت وزارة التنمية المحلية والبيئة للمزارعين 125 مكبسا وجرارا مدعما في 2025، صعودا من 73 فقط في عام 2024. ويجري تمويل المنظومة من موازنة الوزارتين، بدعم من مشروع القاهرة الكبرى التابع للبنك الدولي، وفق ما أكده مسؤول جهاز تنظيم إدارة المخلفات لإنتربرايز.
أصدر جهاز تنظيم إدارة المخلفات 107 تراخيص لجمع ونقل المخلفات الزراعية في 2025. ويوضح المسؤول أن الترخيص الواحد يمكن أن يشمل عدة مواقع تجميع، بما في ذلك المواقع التي يديرها مقاول واحد. ويضيف أن القش الذي يُجمع في المواقع غير المرخصة يتعرض للمصادرة، وقد صادر المفتشون 55 طنا خلال إحدى الحملات في الدقهلية. ووجهت الوزيرة منال عوض الفرق الميدانية خلال الموسم الحالي بمواصلة التحقق من امتلاك مواقع التجميع التراخيص اللازمة، امتثالا لقانون رقم 202 لسنة 2020 (بي دي إف).
لماذا يواصل المزارعون حرق قش الأرز؟
لا يتحمل المزارعون الذين يسلمون قش الأرز لمقاولين مرخصين أي تكلفة نظير الكبس أو النقل إلى مواقع التجميع. ويقول المسؤول إن المقاول يخصم في أقصى تقدير رسما بسيطا مقابل الخدمة، بينما يربح المزارع بين 50 و100 جنيه عن كل طن، وهو ما يعتبره المسؤول "صافي ربح إضافي له مقارنة بحرقه في السابق".
العوائد مقابل التكلفة: يتراوح سعر قش الأرز بين 50 و100 جنيه للطن، وينتج الفدان الواحد طنين إلى 2.5 طن من القش، وهو ما يعني أن المزارع يربح ما بين 100 و250 جنيها عن كل فدان، حسبما توضح عرابي. ومع ذلك، لا يزال المزارع بحاجة إلى إخلاء الحقل على نفقته الخاصة، ولذا فإن التكلفة الأكبر التي يتكبدها تتمثل في تأخير زراعة المحصول التالي. وتصف عرابي هذا العائد بأنه "ضئيل للغاية"، مضيفة أن هذا المقابل المادي وحده "غير كاف".
ما يحسم القرار: ترى عرابي أن الدعم المقدم للآلات، الذي يقلل جهد إخلاء الحقول، بالإضافة إلى الغرامات المفروضة على الحرق المكشوف، تلعب جميعها دورا أكثر تأثيرا من العائد المادي. وينص القانون رقم 202 لسنة 2020 على غرامات تتراوح بين 50 ألفا ومليون جنيه، أو الحبس لمدة تصل إلى عام، أو كليهما. وتضيف أن تقديم أسعار مضمونة للقش المستخدم في الطاقة الحيوية، إلى جانب تجميع أرصدة الكربون لصغار المزارعين، يمكن أن يرفع قيمة القش إلى ما يتراوح بين 300 و400 جنيها للطن الواحد.
أين يذهب القش؟
يلزم القانون ذاته السلطات المحلية ومديريات الزراعة بتوفير أراض لتحويل المخلفات الزراعية إلى أعلاف أو أسمدة عضوية أو وقود. وتعد الأسمدة أحد المنافذ الرئيسية في هذا الصدد؛ إذ تستهدف الحكومة زيادة إنتاجها من القش إلى 10 آلاف طن، صعودا من نحو 4800 طن في 2025، بحسب مسؤول جهاز تنظيم إدارة المخلفات.
الفجوة الصناعية: يوضح عاصم محمد، أستاذ المناخ الزراعي بمركز معلومات تغير المناخ التابع لمركز البحوث الزراعية، في حديثه لإنتربرايز أنه "لا يوجد طلب صناعي كاف في مصر لاستيعاب قش الأرز المجمع بالكامل"، مشيرا إلى أن إجمالي الطلب الصناعي يبلغ في أقصى تقدير نحو 300 إلى 350 ألف طن سنويا. فمن بين المشترين الصناعيين لدينا الشركة المصرية لتكنولوجيا الأخشاب (ووتك)، التي يحول مصنعها في إدكو بالبحيرة نحو 245 ألف طن من القش سنويا إلى ألواح خشبية متوسطة الكثافة، وفقا للبنك الدولي. وتقول الحكومة إنها افتتحت المصنع في 2024 بالتعاون مع وزارة البترول باستثمارات إجمالية بلغت 351 مليون يورو، بحسب بيان لجهاز شؤون البيئة. ويضيف محمد أن قطاعي الثروة الحيوانية والزراعة يخففان من حدة هذه الفجوة بشكل كبير، إذ يوجه باقي القش لإنتاج أعلاف الماشية وفرش الحظائر والأسمدة العضوية وتوليد الطاقة.
طريق الوصول "صفر حرائق"
الوصول إلى الصفر: "إنفاذ القانون وحده لا يكفي"، حسبما يخبرنا مسؤول جهاز تنظيم إدارة المخلفات. ويضيف أنه "عندما يصبح لكل طن مشتر سواء كان مصنع أعلاف أو أخشاب أو ورق، يختفي الدافع للحرق تلقائيا". ولا تتوقع عرابي أن تتوقف عمليات الحرق من تلقاء نفسها. فما يتبقى من عمليات حرق يصدر عن الحيازات الزراعية التي تقل مساحتها عن فدان، والتي يصعب على المكابس الوصول إليها، إلى جانب الفترة الزمنية الضيقة التي تتاح للمزارعين لإخلاء الحقول قبل زراعة المحصول التالي والتي تتراوح بين 48 و72 ساعة، إلى جانب تكاليف السولار التي تضغط على المقاولين. لذا ترى عرابي أن التقدم المحرز في هذا الملف وصل حاليا إلى مرحلة "تناقص العوائد".
الإطار الزمني المستهدف: تقول عرابي: "من الناحية الواقعية، يتطلب الوصول إلى هدف وقف الحرق تماما من ثلاث إلى خمس سنوات من التنفيذ المتزامن". ويعني ذلك توفير آلات قادرة على زراعة القمح مباشرة في بقايا محصول الأرز، وإبرام عقود توريد طويلة الأجل بين التعاونيات الزراعية والمصانع. ويدعو محمد أيضا إلى توفير "أدوات كبس ودراس متخصصة وصغيرة الحجم" قادرة على العمل في الحيازات الصغيرة والمجزأة، "حتى لا يبقى لدى صغار المزارعين أي أعذار لوجستية للجوء إلى الحرق". وتختتم عرابي حديثها قائلة: "دون تدخلات هيكلية لدعم الميكنة واللوجستيات في الحيازات الصغيرة، ستستقر معدلات الخفض بشكل طبيعي دون مزيد من التقدم".