تخطط مصر لزيادة سعة تخزين الطاقة بالبطاريات من نحو 500 ميجاوات ساعة حاليا إلى 13.85 جيجاوات ساعة بحلول 2030، مستهدفة جذب استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار لتحقيق ذلك، وفق ما قاله مسؤول حكومي بارز لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويرى المسؤول أن أهمية التخزين تنبع من عدم قدرة الشبكة القومية حاليا على استيعاب قدرات جديدة، غير أن مطورا ومحللة أكدا لنا أن الشبكة لا تمثل قيدا بهذا الحجم. وعلى صعيد الاستثمار، فإن جميع مشاريع التخزين ذات الهياكل التمويلية المعلنة التي رصدناها حتى الآن تحظى بدعم من مؤسسات متخصصة في التمويل التنموي، في حين يقف شركاء صينيون وراء معظم مصانع البطاريات المعلن عنها حتى الآن.
يمثل التخزين التحدي التالي أمام خطة تستهدف إضافة 20.8 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول 2030، وفقا للمسؤول، الذي أشار إلى أن القدرات المتجددة العاملة تبلغ حاليا نحو 9.6 جيجاوات. كما أن الحكومة قدمت الموعد المستهدف لوصول مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 45% بحلول عام 2028 بدلا من 42% بحلول عام 2030. ويقول المسؤول إن الشبكة القومية للكهرباء لا تستطيع حاليا استيعاب قدرات جديدة، لكنها تتوسع، فيما تخزن البطاريات فائض الكهرباء وتعيده إلى الشبكة عند الحاجة.
ترى ديالا حويلة، مديرة البرامج في معهد كربون المتخصص في أبحاث الطاقة، أن التخزين مجرد أداة واحدة ضمن أدوات عدة. واستنادا إلى تجارب الأسواق المعتمدة على حلول الكهرباء المستقلة عن الشبكة القومية، مثل لبنان، قالت حويلة إن "قدرة الشبكة ليست العائق الرئيسي"، مؤكدة أن التوسع في مشروعات التخزين يجب أن يتزامن مع إدارة الطلب وتحسين كفاءة الطاقة.
كما تقول شركة سكاتك إن مشكلة التقليص الاضطراري لإنتاج الطاقة المتجددة، أو إهدار الفائض منه، لم تظهر في مصر حتى الآن، وفقا لما قاله محمود شتا، نائب رئيس تطوير الأعمال في مصر بالشركة، لنشرة إنتربرايز الصباحية. ولا يتوقع شتا أن يتغير ذلك قريبا، نظرا إلى أن الطاقة المتجددة توفر على الحكومة تكلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال.
تمنح المستهدفات ثقة للموردين والممولين، لكن "المستهدف وحده لا يحقق شيئا" دون سياسات وآليات طرح تدعمه، حسبما ترى حويلة، التي أضافت أن الحجم المناسب للتخزين يتوقف على تحليل معدلات الحد من الإنتاج، ونمذجة حالة شبكة الطاقة والعوامل الاقتصادية، والطلب، وإجراءات إدارة الطلب. في حين يرى شتا أن التوسع في التخزين سيسير بالتوازي مع الطاقة المتجددة؛ فما دامت الحكومة مستمرة في إضافة المزيد من القدرات المتجددة، ستواصل إضافة المزيد من البطاريات لدعم هذه القدرات. ولم تنشر الوزارة بعد توقعاتها للطلب في 2028 أو معاملات القدرة أو معدلات الحد من الإنتاج المتوقعة، كما أشرنا في أغسطس.
تستهدف الحكومة جذب استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار لدعم مشاريع التخزين، وفقا للمسؤول، الذي أضاف أن الحكومة باتت تلزم المستثمرين في كل مشروع جديد للطاقة المتجددة بدراسة إضافة سعة مخصصة للتخزين. ويتبع هذا الشرط نموذج المنتج المستقل للكهرباء، الذي يتولى فيه مطور من القطاع الخاص تمويل المحطة وإنشاءها وتشغيلها، وبيع إنتاجها من الكهرباء بموجب عقد طويل الأجل.
مؤسسات التمويل التنموي حاضرة في كل هيكل تمويلي: يجمع مشروع نفر المنيا بين نحو 1 جيجاوات من قدرات الطاقة الشمسية و600 ميجاوات ساعة من سعة التخزين، علما بأنه حصل على حزمة تمويلات بالدين بقيمة تصل إلى 566 مليون دولار، أي نحو ثلاثة أرباع تكلفته البالغة 764 مليون دولار، كما أشرنا في أكتوبر الماضي. ويقود البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية الحزمة التمويلية بتقديم قرض قيمته 160 مليون دولار، إلى جانب تمويل ميسر يصل إلى 30 مليون دولار من صندوق التكنولوجيا النظيفة، فيما يتكفل بنك الأردن بتقديم 75 مليون دولار، وفقا للبنك الأوروبي. أما بقية الحزمة التمويلية، فتتكفل بها الوكالة الألمانية للاستثمار والتنمية التابعة لبنك التنمية الألماني، وبنك تنمية ريادة الأعمال الهولندي، ومؤسسة بروباركو التابعة لوكالة التنمية الفرنسية، كما أشرنا.
كذلك فإن جميع قروض المرحلة الأولى من مشروع دندرة تكفلت بها بنوك تنموية؛ إذ تحصل محطة الطاقة الشمسية البالغة قدرتها 569 ميجاوات والمزودة ببطاريات للتخزين بسعة 100 ميجاوات ساعة على قروض بقيمة 217 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك التنمية الأفريقي وبنك الاستثمار الأوروبي، وهو ما يعادل نحو 80% من النفقات الرأسمالية للمشروع البالغة 271 مليون دولار، وفقا لما أعلنته سكاتك في أكتوبر الماضي.
كما جرى تمويل مشروع أوبيليسك، الذي يعمل حاليا بكامل طاقته، بالطريقة ذاتها؛ إذ كان من المقرر أن يوفر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك التنمية الأفريقي ومؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية 479.1 مليون دولار، أي نحو 80% من تكلفة محطة الطاقة الشمسية البالغة 590 مليون دولار، والتي تبلغ قدرتها 1.1 جيجاوات مع سعة للتخزين قدرها 200 ميجاوات ساعة، وفقا لما ذكره البنك الأوروبي عام 2025. كذلك يعتمد مشروع أبيدوس 2 التابع لشركة إيميا باور (والبالغة سعته التخزينية 600 ميجاوات ساعة) على ديون بنحو 570 مليون دولار من عدة مؤسسات أبرزها مؤسسة التمويل الدولية، وفقا لما أعلنته إيميا في ديسمبر 2025.
يتجه البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أيضا إلى أن يصبح مساهما، فقد أبرم اتفاقية للاستحواذ على حصة قدرها 40% في منصة تابعة لسكاتك تمتلك حصصا في مشروعات من بينها أوبليسك ودندرة ووادي الطاقة، ملتزما بضخ ما يصل إلى 221 مليون دولار، كما أشرنا في أكتوبر الماضي. وتقول سكاتك إنها وقعت خطابات تكليف مع تحالف يضم عددا من مؤسسات التمويل التنموي لتدبير تمويلات طويلة الأجل لمشروع وادي الطاقة، الذي يضم سعة تخزينية قدرها 3.9 جيجاوات ساعة، ومن المتوقع أن يصل إلى الإغلاق المالي بنهاية عام 2026. لكن يبقى مشروع واحد لم يُكشف عن مموله، إذ أعلنت وزارة الكهرباء في أغسطس الماضي أنها تعتزم إنشاء محطات تخزين مستقلة بسعة إجمالية تبلغ 4 جيجاوات ساعة على أن تُمول بالجنيه.
على صعيد المعدات، يتوقع المسؤول الحكومي مزيدا من الاستثمارات الصينية، مشيرا إلى أن أزمة الطاقة العالمية قد تدفع مزيدا من الشركات الصينية إلى نقل عمليات التصنيع خارج الصين. ومن بين المصانع التي رصدناها، تنشئ شركة صنجرو مصنعا لإنتاج بطاريات تخزين بسعة إجمالية تبلغ 10 جيجاوات ساعة سنويا في السخنة. كما تعتزم شركة إيميا باور الإماراتية إنشاء مصنع لإنتاج بطاريات بسعة إجمالية قدرها 3 جيجاوات ساعة سنويا بالشراكة مع شركة جوشن، فيما تنوي شركة كيميت المحلية إنشاء مصنع لإنتاج بطاريات بسعة إجمالية قدرها 5 جيجاوات ساعة سنويا مع شركة كورنكس. كذلك سيعتمد مصنع شركة "بي إم إي"، المدعومة من إحدى شركات السيارات المحلية، على خلايا من شركة "سي إيه تي إل" الصينية. أما شركة روساتوم الروسية، التي تخطط لتجميع أنظمة لتخزين الطاقة بالبطاريات محليا بسعة إجمالية تبلغ 500 ميجاوات ساعة سنويا مع شركة تيليتك المحلية، فهي الوحيدة التي ليس لديها شريك صيني.
تطرح سكاتك مناقصة مستقلة لكل مشروع على حدة للمفاضلة بين موردي البطاريات، "سواء كان موردو البطاريات هؤلاء في مصر أو في الصين"، ما داموا يقدمون تقنيات متقدمة وخبرات من شركات تصنيع عالمية مرموقة، وفقا لشتا. وأوضح أن جهات الإقراض تنظر إلى سابقة أعمال المورد والمواصفات الفنية والضمانات، مضيفا أنها تشترط أيضا اجتياز المورد الفحص النافي للجهالة لسلاسل الإمداد، بما في ذلك طريقة تصنيع البطاريات.
قطع التمويل أسهل ما يمكن حدوثه: تقول حويلة إن الاعتماد على الشركاء سواء في التمويل أو التكنولوجيا هو "أخطر شيء"، مضيفة أن "قطع التمويل هو أسهل ما يمكن أن يحدث". وأوضحت أن الاقتراض بالعملة الأجنبية يصبح أكثر تكلفة على مصر بمرور الوقت مع تراجع قيمة الجنيه. ووفقا للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، فإن عقد شراء الكهرباء لمشروع أوبيليسك مدته 25 عاما ومقوم بالدولار ويحظى بضمان سيادي، كما يحظى عقد مشروع دندرة بالضمان الحكومي ذاته، وفقا لسكاتك.
كما أن عقود الكهرباء في مصر عادة ما تدفع للمطورين الجزء الأكبر من مستحقاتهم بالدولار، وفقا لشتا، فيما تخصص حصة أصغر بالجنيه لتغطية التكاليف المحلية مثل تلك المرتبطة بالمقاولين والمشتريات. ويرى شتا أن إبرام عقود مقومة بالكامل بالجنيه أمر "ممكن"، قائلا: "المسألة تكمن في تسعير المخاطر فحسب". لكن ذلك سيتطلب قروضا بالجنيه يصفها بأنها "مكلفة للغاية" بعد أحدث رفع لأسعار الفائدة من البنك المركزي، وقد يكلف الحكومة أكثر من العقد المقوم بالدولار. وأضاف أن مطابقة عملة العقد مع عملة التمويل تجنب المطورين وجهات الإقراض الأطراف مخاطر ضخمة مرتبطة بأسعار العملة.