يثير الفحم النباتي حالة من الجدل تطال الحديث عن مصادر أخشابه أو التكلفة المناخية لإنتاجه. وقد أصبحت هذه القضية محل أنظار الجميع إثر قطع أشجار معمرة بشارع جامعة الدول العربية في حي المهندسين خلال أعمال توسعة الطرق في أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر. ومنذ ذلك الحين، تزايدت التساؤلات حول مصادر الأخشاب المستخدمة في صناعة الفحم، وكيفية الحد من الأثر البيئي لهذا المنتج.

موجة انتقادات واسعة لقطع أشجار المهندسين: أثارت النائبة مها عبد الناصر القضية في طلب إحاطة برلماني في السابع من سبتمبر، أعقبته تحقيقات من النيابة العامة على مستوى الجمهورية حول وقائع قطع الأشجار. كما تقدم المحامي بالنقض أسعد هيكل ببلاغ يتهم فيه وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض ومحافظي القاهرة والجيزة بتنفيذ عمليات إزالة ممنهجة تسببت في أضرار بيئية ومادية. وفي 11 سبتمبر، أصدر مجلس الوزراء بيانا نفى فيه صحة تصريح منسوب للوزيرة يربط ظاهريا بين إزالة الأشجار وعقد تصدير فحم حكومي، واصفا هذه التصريحات بأنها "مفبركة ومضللة وغير دقيقة".

بيد أن الخبراء يستبعدون تماما استخدام أشجار الشوارع في إنتاج الفحم المخصص للتصدير. وأكد حسام رزق، صاحب شركة فحم مصري، أن صناع الفحم لا يمكنهم الاعتماد على أخشاب أشجار الشوارع، مشيرا إلى أن كميات هذه الأخشاب ليست سوى "نقطة في بحر" مقارنة بالاستهلاك الضخم لقطاع الفحم. ومن جانبه، أوضح عاصم محمد، أستاذ المناخ الزراعي بمركز معلومات تغير المناخ التابع لمركز البحوث الزراعية، أن أشجار الشوارع من الممكن استخدامها في صناعة الفحم، لكنها فصائل للزينة (مثل الفيكس والجاكراندا والكونوكاربس)، وتنتج أخشابها فحما رديء الجودة لا يصلح للتصدير. ويضيف محمد أن حظر تصدير الفحم الذي نادى به بعض مقدمي برامج التوك شو لن يوقف قطع الأشجار لتنفيذ مشاريع التطوير العمراني.

فمن أين تأتي أخشاب الفحم إذن؟ توفر نواتج التقليم الزراعي وأشجار الفاكهة الجزء الأكبر منها، حسبما صرح به محمد لإنتربرايز. ويقدر أستاذ المناخ الزراعي أن أشجار الفاكهة تشكل ما يتراوح بين 85 و90% من الفحم المخصص للتصدير في مصر، فيما تمثل فصائل الغابات ومصدات الرياح النسبة المتبقية. كما يتفق رزق مع هذا الطرح، مشيرا إلى استخدام أخشاب بساتين الموالح والمانجو والجوافة، إلى جانب نواتج تقليم أشجار الكازوارينا من مصدات الرياح.

تبدو صادرات مصر من الفحم ضئيلة مقارنة بالجدل الذي أثارته؛ فقد بلغت قيمة صادرات البلاد من الفحم النباتي نحو 16.36 مليون دولار في عام 2024، وهي نسبة ضئيلة جدا من إجمالي الصادرات السلعية البالغة 42.55 مليار دولار في العام ذاته.

ليس ثمة التزام حكومي في الوقت الراهن يوجب استخدام المصدرين أنواعا معينة من الأخشاب، أو حتى الإفصاح عن مصادرها، حسبما يؤكد رزق لإنتربرايز. ويوضح أنهم يحتاجون فقط إلى "شهادة بيانات بيئية" تثبت درجة اشتعال الشحنة ومستوى حرارتها ومكوناتها، غير أنها لا تحدد مكان زراعة الأخشاب نفسها. وبموجب القرار الوزاري رقم 85 لسنة 2017، يشترط جهاز شؤون البيئة الحصول على موافقات بيئية وموافقات من دواوين المحافظات المعنية، وإثبات التسجيل، وعقد شراء مؤكد، إلى جانب سداد 80 جنيها عن كل طن لصالح صندوق حماية البيئة.

بعد تأمين مصادر الأخشاب، تبرز مسألة أخرى حول الطريقة الأكثر مراعاة للمناخ في معالجتها: يقول محمد إن المكامير البلدية التقليدية، التي لا تزال منتشرة في جميع أنحاء الدلتا، تعمل بكفاءة تحويل تتراوح بين 10و20% فقط. ويوضح أن معظم الأخشاب لا تتحول إلى فحم على الإطلاق، بل تنبعث في صورة ثاني أكسيد الكربون والميثان وأول أكسيد الكربون أثناء عملية المعالجة، مضيفا أن الفحم الناتج يطلق المزيد من ثاني أكسيد الكربون عند حرقه لاحقا.

وتستهدف الدولة منذ عقد زمني التخلص من هذه المكامير تدريجيا، لكن عملية التحول لم تكتمل بعد. وبحسب رزق، أوقفت الحكومة إصدار تراخيص للمكامير التقليدية الجديدة بسبب الأضرار البيئية الناجمة عنها، وقدمت بدلا من ذلك تسهيلات للمصنعين للتحول إلى النماذج المغلقة المتطورة، التي تلتقط الغازات المنبعثة أثناء التسخين وتعيد استخدامها، وتنهي دورة الإنتاج بشكل أسرع. ويضيف أن أي شخص يعمل في الصناعة يمكنه التقدم بطلب للحصول على واحدة.

يؤكد رزق، الذي يدير إحدى هذه المكامير المتطورة، أن إنتاج الفحم بجميع مراحله مسموح به بعيدا عن المناطق السكنية، مع إجراء دورات تفتيش شهرية للتحقق من الامتثال للمعايير. وتتولى الوحدات المحلية معظم مهام الرقابة اليومية؛ بسبب قربها من مواقع الإنتاج. ويشدد على أن أي شخص يدير مكمورة تقليدية غير مرخصة بالقرب من المنازل يتعرض للإغلاق الفوري.

تدعم الحكومة هذا التحول ماليا أيضا؛ إذ يقدم برنامج تمويلي مخصص من جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بالتعاون مع وزارتي البيئة والتنمية المحلية، قروضا تصل إلى مليوني جنيه لاستبدال المكامير. وإذا التزم المنتج بالمعايير لمدة عام، تدفع وزارة البيئة 20% من سعر المكمورة مباشرة وتُخصم من ديونه المستحقة. ويشير رزق إلى أن المنتجين الذين يحتاجون إلى تمويلات أكبر يمكنهم اللجوء إلى قروض مصرفية تتراوح بين 3 و15 مليون جنيه بفائدة تصل إلى 5%.

يوفر تقرير وزارة البيئة الصادر بنهاية 2025 صورة رسمية أوضح لمدى التقدم المحرز في تطوير مكامير الفحم؛ إذ حصل أكثر من 276 نموذجا مطورا على تراخيص التشغيل النهائية، إلى جانب اعتماد 10 نماذج بتصميمات صديقة للبيئة. ويؤكد التقرير ذاته أن موافقات تصدير واستيراد الفحم تصدر من خلال مركز خدمات المستثمرين التابع للوزارة.