من المتوقع أن يضاعف الذكاء الاصطناعي الطلب العالمي على الطاقة، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى إحدى أقوى الأدوات لتعزيز الكفاءة وتقليل الانبعاثات، وفق ما قاله المشاركون في ندوة استضافتها جامعة السويدي للتكنولوجيا وحضرتها إنتربرايز الأسبوع الماضي. تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي والطاقة: وجهان لعملة واحدة؟" ناقش أكاديميون وشركات طاقة وعاملون في قطاع التكنولوجيا المعادلة الدقيقة التي تحاول مصر — شأنها شأن دول عديدة — فهمها بين الطبيعة كثيفة الاستهلاك للطاقة للذكاء الاصطناعي وبين دوره المحتمل في دعم التحول الأخضر.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم منحنيات استهلاك الطاقة عالميا. بدأت الجلسة بعرض توقعات صادرة عن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات قد يرتفع أربعة أضعاف بحلول عام 2030، مدفوعا بالارتفاع الهائل في نماذج الذكاء الاصطناعي وحجم البيانات المطلوبة لتشغيلها. في الوقت نفسه، ينمو سوق الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، من نحو 137 مليار دولار في 2022 إلى نحو 1.8 تريليون دولار بحلول 2030. هذا الارتفاع المتزامن في الطلب على الطاقة وانتشار الذكاء الاصطناعي يخلق تحديا بيئيا وتنظيميا غير مسبوق، بحسب وصف المشاركون في الجلسة.

لكن هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تعويض الزيادة في الطلب على الطاقة التي يخلقها؟ قال حازم شاتيلا، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي والبيانات في مجموعة السويدي إلكتريك، إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي بلا شك إلى زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء، لكنه قادر في الوقت نفسه على تحسين استخدام الطاقة المتجددة من خلال التنبؤ بالأحمال، وجدولة الطلب، وتحسين أداء المصانع والمباني الحضرية. وأضاف أن المفارقة البيئية صارخة: الذكاء الاصطناعي يستهلك كميات هائلة من الطاقة، لكنه في الوقت ذاته أحد أهم الحلول لتقليل هذا الاستهلاك. يمكن للأنظمة الذكية التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وإدارة الشبكات الذكية لحظيا، وتقليل الفاقد والتسريبات، ورفع الكفاءة في الصناعات الثقيلة، بل وتمديد عمر الأصول عبر الصيانة التنبؤية. وقال شاتيلا: "هذا النظام البيئي يجعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات الناشئة لدعم التحول الأخضر".

مركز بيانات واحد يشغل نماذج ذكاء اصطناعي يمكنه استهلاك كهرباء تعادل استهلاك 10 مصانع صهر ألومنيوم، بحسب نائب الرئيس الأول في السويدي إلكتريك وائل حمدي. وأضاف حمدي أن دول الخليج شهدت خلال ثلاث سنوات فقط زيادة في قدرات توليد الكهرباء تعادل ما تم بناؤه خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الطفرة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية.

هذا التركز في الطلب يطرح تحديات هندسية وبيئية مترابطة. كيف نولد هذه الكميات الهائلة من الكهرباء بشكل مستدام؟ كيف نديرها بكفاءة ضمن مساحات محدودة؟ وكيف نبني قدرات توليد مرنة قادرة على التكيف مع تغيرات الأحمال في كل ثانية؟ قال حمدي إن السويدي إلكتريك تستعد لذلك عبر التوسع في أنظمة الشبكات الذكية، ونشر تقنيات طاقة عالية الكفاءة، والاستثمار في أبحاث مشتركة لتحسين أداء المحطات.

لكن العامل البشري سيحسم نجاح التحول من عدمه. اتفق المشاركون على أن التغيير السلوكي داخل المؤسسات هو نقطة الانطلاق لأي تحول أخضر. وقال شاتيلا إن نحو 70% من مشاريع الذكاء الاصطناعي في الصناعة تفشل، ليس بسبب التكنولوجيا، بل بسبب مقاومة التغيير. وأضاف أن التحول يبدأ بتبني الذكاء الاصطناعي قبل التحول بالذكاء الاصطناعي. وواجهت الجامعات العقبة ذاتها، بحسب رئيس جامعة السويدي للتكنولوجيا أحمد يوسف، الذي قال: "الخوف من الجديد هو العقبة الأساسية. تجاوز هذا الخوف لا يحدث إلا من خلال المعرفة والممارسة العملية".

وهنا يتقاطع الدور الأكاديمي مع المهمة البيئية: نشر الوعي البيئي والتكنولوجي، وتدريب المواهب على الإدارة المسؤولة للتكنولوجيا، ودمج مفاهيم الاستدامة والذكاء الاصطناعي في المناهج، وبناء مهارات التحليل واتخاذ القرار لدى الطلاب. وأكد المشاركون أن التعاون بين جامعة السويدي للتكنولوجيا، وبوليتكنيكو دي ميلانو، والسويدي إلكتريك، وإنبي، ليس شراكة أكاديمية تقليدية، بل نموذج لتصميم برامج مرتبطة مباشرة باحتياجات الطاقة والتكنولوجيا على أرض الواقع.

هذا النهج يشكل أيضا مسارا لنقل الخبرة الصناعية إلى الطلاب مبكرا، ودعم البحث التطبيقي في كفاءة الطاقة وأنظمة الشبكات الذكية، وتطوير حلول محلية لتحديات استهلاك الطاقة في الصناعة. وأشار يوسف إلى أن الشركاء من القطاع الخاص يكلفون طلاب السنة الأولى بمشروعات هندسية حقيقية، بينما تعمل الجامعة على أبحاث تطبيقية لتحسين أداء الكابلات والمولدات، وتقدم برامج تدريب تقني قصيرة لقطاعي الطاقة والذكاء الاصطناعي.

الدبلوماسية العلمية باتت محركا مهما للشراكات الإقليمية والدولية الداعمة للابتكار في الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة، بحسب إيمانوِيلا كولومبو، رئيسة الطاقة من أجل التنمية المستدامة بمنظمة اليونسكو ومفوضة رئيس جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو للدبلوماسية العلمية. وأشارات كولومبو إلى أن أوروبا وأفريقيا حددتا الذكاء الاصطناعي والطاقة كأولويات استراتيجية للسنوات المقبلة.

وشدد المشاركون على ضرورة وضع أطر حوكمة واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، بما يشمل تحديد معايير كفاءة الطاقة لمراكز البيانات، والحد من البصمة البيئية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، وتقييم الأثر الكربوني لكل تطبيق، وتنظيم العلاقة بين الشركات والمستهلكين لضمان عدالة الطاقة والشفافية والمسؤولية الأخلاقية في تصميم النماذج.

قادة الطاقة في المستقبل يجب أن يتحدثوا لغة التكنولوجيا، بحسب منال سليمان، مدير عام التدريب والتطوير في إنبي. وسيحتاج هؤلاء إلى مهارات جديدة، تشمل فهما عميقا للتقنيات الرقمية، والقدرة على اتخاذ قرارات قائمة على البيانات، والقدرة على إدارة التحول المؤسسي مع الموازنة بين احتياجات التشغيل وأهداف كفاءة الطاقة.

مستقبل الطاقة في مصر مرتبط بالذكاء الاصطناعي ارتباطا وثيقا. وأوضحت المناقشات أن مصر تقف عند لحظة محورية، وهي أن الطلب العالمي على الطاقة يرتفع بفعل الذكاء الاصطناعي، والصناعات تتحول، والجامعات تعيد صياغة المناهج، والقطاع الخاص يستثمر في حلول طاقة أذكى وأكثر كفاءة. وخلص المشاركون إلى أن الاستدامة لن تتحقق عبر أنظمة الطاقة وحدها ولا عبر التكنولوجيا وحدها، بل عبر التكامل الكامل بين الاثنين، بقيادة جيل جديد من المهندسين والباحثين والمبتكرين.

وقال المشاركون إن اللحظة الراهنة هي لحظة إمكانات، لا مخاوف. وحثوا الشباب على مواجهة التحديات، ورؤية الفشل كجزء أساسي من التعلم والابتكار، وإدراك جاهزيتهم الفريدة للتعامل مع التقنيات الناشئة. كما شددوا على أهمية الحفاظ على اللغة والهوية باعتبارهما ركيزتين لا يمكن لأي تكنولوجيا أن تحل محلهما. واختُتمت الجلسة بدعوة للطلاب إلى رفع طموحاتهم إلى ما يتجاوز ما حققته الأجيال السابقة ليصبحوا قادة التحول الأخضر وبناة المستقبل.