صباح الخير قراءنا الأعزاء، وأهلا بكم في العدد الرابع من تغطية منتدى إنتربرايز، التي نقدم فيها أبرز ما دار خلال منتدى إنتربرايز مصر لعام 2026: نسخة الذكاء الاصطناعي. نتناول هذا الأسبوع جانبا عمليا للتحولات الجارية، يتعلق بالتأثير الفعلي للذكاء الاصطناعي في يوم العمل.
إذا كنت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتلخيص رسائل البريد الإلكتروني والتحضير للاجتماعات، فهل لديك استعداد للذهاب بتلك الأدوات إلى مدى أبعد؟ بالنسبة لبعض الشركات، يساعد الذكاء الاصطناعي بالفعل فرقا صغيرة على إنجاز أعمال كانت تتطلب في السابق قوة عاملة أكبر بكثير. وتختبر شركات أخرى وكلاء أذكياء قادرين على التعامل مع استفسارات العملاء وتنفيذ الحملات التسويقية، بل وإجراء عمليات الشراء نيابة عن العميل. ويثير ذلك سؤالا مهما: إلى أي مدى نحن مستعدون لتفويض المسؤولية لتلك الأدوات؟
يستعرض معنا هذا الواقع الجديد كل من نيلز باختلر من شركة كليفر، ونادر سليمان من شركة فيزا، ويوسف رزق من شركة ويندفول. فيتعرضون لمهام مختلفة منها اتخاذ القرارات الائتمانية والتسوق عبر الوكلاء الأذكياء، ويناقشون ما ينجح فيه الذكاء الاصطناعي بالفعل حاليا، وما لا يزال قيد الاختبار، ودور التقدير البشري. ونعرض لكم أبرز ما جاء في النقاش أدناه.
وفي عدد اليوم أيضا، نستعرض حوارنا مع الرئيس التنفيذي لشركة البريد للاستثمار، والذي يضيف منظورا آخر إلى النقاشات التي أجريناها خلال المنتدى.
هل تفضل الاستماع لتسجيلات الحوارات؟ يمكنك الاطلاع على تغطية المنتدى عبر منصات أبل بودكاستس وسبوتيفاي وأنغامي. تابع حساب إنتربرايز مصر عبر تطبيق البودكاست المفضل لديك للاستماع إلى تسجيلات المنتدى كاملة.
بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل يغير طبيعة يوم العمل لدى معظمنا، إذ نوكل يوما بعد يوم المزيد من مهامنا الأكثر استهلاكا للوقت والأشد رتابة إلى كلود و"تشات جي بي تي" وجيميناي، وربما إلى وكلاء ذكاء اصطناعي طورناهم بأنفسنا. لكن إلى أي مدى تبدو الشركات مستعدة حقا لإسناد المسؤولية إلى الآلات؟
ناقشنا هذه المسألة وغيرها خلال جلسة الوظائف ضمن منتدى إنتربرايز مصر لهذا العام، نسخة الذكاء الاصطناعي. استضفنا في الجلسة كلا من نيلز باختلر، الرئيس التنفيذي لشركة كليفر، ونادر سليمان، نائب رئيس شركة فيزا ورئيس قسم المنتجات والحلول لمنطقة شمال أفريقيا والمشرق وباكستان، ويوسف رزق، الرئيس التنفيذي لشركة ويندفول، وحاورناهم حول كيفية استخدامهم لتلك التقنيات، والمجالات التي بدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي يتولونها، وتلك التي ما زالت تتطلب قدرة البشر على التقدير واتخاذ القرار.
مهد المشاركون للحوار بتوضيح أن تسريع وتيرة العمل لا يعني بالضرورة العمل لوقت أقصر. فجدول باختلر لا يزال مزدحما، لكن الذكاء الاصطناعي غير الطريقة التي تعمل بها كليفر وتوزع بها المهام وتتخذ بها القرارات. وأوضح باختلر أن الشركة الناشئة في مجال الائتمان تستخدم تلك التقنيات منذ يومها الأول، مما ساعدها على النمو بوتيرة أسرع وتحسين أدائها. أما بالنسبة لسليمان، فقد تمثل التغيير الأكبر في تقليص الوقت الذي يقضيه في جمع المعلومات وتصنيفها، مقابل تخصيص مزيد من الوقت لتمحيصها والمفاضلة بين الاستراتيجيات وقضاء الوقت مع العملاء. وهو يرى أن الذكاء الاصطناعي "يضاعف القدرات"، إذ يتيح له التركيز على اتخاذ القرارات والابتكار في المنتجات، موضحا أنه هو "من يتحمل مسؤولية النتيجة النهائية".
وتصل تلك التحولات إلى مدى أبعد بكثير في الشركات الناشئة القائمة على الذكاء الاصطناعي. إذ قال رزق، الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة واندركرافت المدعومة من مسرعة الأعمال واي كومبيناتور، إن هناك شركة يعتمد مهندسوها على كلود وكودكس، بينما تعتمد فيها أيضا أنشطة التسويق والمبيعات وتحسين نتائج محركات البحث على الذكاء الاصطناعي، قائلا إن "ما كنت تحتاج سابقا إلى 10 أشخاص لإنجازه، يمكنك الآن إنجازه فعليا بنحو شخصين أو 3 أشخاص". ويتولى هؤلاء الموظفون مسؤولية التخطيط لمهامهم، فيما ينفذ الذكاء الاصطناعي جزءا كبيرا منها.
لا تزال معظم الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي في الاطلاع على المعلومات فقط، فمن خلال عمل ويندفول في مساعدة الشركات على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، يلاحظ رزق أن استخدامها يتركز على تلخيص المعلومات وترجمتها واسترجاعها. ورغم أن ذلك يوفر الوقت بالفعل، تكمن الفرصة الأكبر في قدرة تلك الأنظمة على التصرف بناء على ما تتعلمه. ولذلك يقوم إطار العمل الذي يتبناه رزق على 3 عناصر، هي الذكاء وتوفر البيانات والأدوات اللازمة للتفاعل مع العالم الخارجي. إذ يتيح الربط بين هذه العناصر للذكاء الاصطناعي إنجاز المهام تلو بعضها، مع تدخل البشر بدرجات متفاوتة.
يبدأ الوصول إلى تلك المرحلة بأن يفهم الذكاء الاصطناعي طبيعة عملك. إذ أوضح رزق أن الشركات الراسخة لا تستطيع إعادة تصميم نماذج عملها بناء على الذكاء الاصطناعي بالسهولة نفسها التي تتمتع بها شركات البرمجيات الناشئة. لكن منح الذكاء الاصطناعي إمكانية الاطلاع على بيانات الشركة يعد نقطة البداية، إذ يتيح للموظفين رؤى كانت تتطلب في السابق لوحات بيانات ومهام متخصصة، أما الخطوة التالية فهي تزويد الذكاء الاصطناعي بالقدرة على اتخاذ الإجراءات.
ولا يمثل توفير الأدوات سوى جزء من المهمة، إذ أوضح سليمان أن فيزا لديها أكثر من 1200 من رواد الذكاء الاصطناعي حول العالم، يساعدون الموظفين على تطوير مهاراتهم عبر العروض التوضيحية وهاكاثونات البرمجة والتطبيقات العملية، قائلا إن "معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا تقل أهمية عن الإلمام بالمهارات الرقمية الأساسية في الوقت الحالي". ويرى سليمان أن نقطة البداية يجب أن تكون تحديد المشكلة والنتيجة المرجوة، بدلا من تبني الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه فحسب دون هدف واضح.
في كليفر، تجاوز دور وكلاء الذكاء الاصطناعي تحسين العمليات القائمة. فبعدما استخدمت الشركة في البداية نماذج الذكاء الاصطناعي في تقييم الائتمان واستراتيجيات التحصيل ومكافحة الاحتيال، بات وكلاؤها الأحدث يساعدون في تصميم نماذج العمل وتسريع وضع السياسات واستراتيجيات التحصيل وحملات جذب العملاء. وأوضح باختلر أن المجالات الحساسة، ومنها تقييم الائتمان والتحصيل، لا تزال تخضع لموافقة بشرية، كما أن الشركة تختبر أداء الوكلاء مقارنة بفرق عملها قبل منحهم مزيدا من الاستقلالية.
ويتعامل العملاء بالفعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة. إذ أجاب وكيل الذكاء الاصطناعي المخصص لخدمة عملاء كليفر عن أكثر من 40 ألف استفسار خلال الشهر السابق للجلسة الحوارية، وهي أسئلة كانت ستذهب لولا ذلك إلى مركز الاتصال التابع للشركة، وفقا لباختلر. وتعمل الشركة أيضا على تشغيل وكيل في مركز الاتصال، وترى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين أداء عمليات التحصيل وتعزيز فهم العملاء لالتزامات السداد.
ويطمح باختلر إلى أن يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي الحملات والرسائل والعروض الموجهة للعملاء دون الحاجة إلى موافقات في كل مرة، إلى جانب الاستعانة بالوكلاء للإشراف على الحوكمة، مع استمرار وجود مستوى بشري لمراقبة الأداء. أما رزق فيرى أن تحديد توقيت الاستغناء عن الإشراف البشري المباشر يتطلب تقييم أداء العمليات، ثم اختبار الوكلاء ومقارنة أدائهم مع تلك التقييمات، والتحقق مما إذا كان بوسعهم تقديم أداء أفضل. وحذر رزق من أن الذكاء الاصطناعي ما زال غير قادر على تقديم بديل مستدام حتى الآن.
وقد يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي عمليات الشراء قريبا؛ إذ أشار سليمان إلى أن التجارة القائمة على الوكلاء تعد من أبرز التطبيقات المرتقبة، ولن يكتفي الذكاء الاصطناعي حينها بالبحث عن خيارات للعطلة أو المقارنة بين المنتجات، وإنما سيتم عملية الحجز أو الشراء. وأضاف أن "خدمة فيزا للتجارة الذكية صُممت لإتاحة إتمام هذه المعاملات، لكن السداد هو الجزء السهل، والأصعب هو التأكد من أن الوكيل يتصرف وفقا لنوايا العميل ورغباته".
سيتعين حينها على الشركات التمييز بين وكلاء التسوق المشروعين والوكلاء المحتالين، فحظر جميع الوكلاء قد يكلفها قدرا من المبيعات، بينما السماح لهم جميعا سيفاقم المخاطر. وفي هذا الصدد يقول سليمان إن "بروتوكول الوكيل الموثوق من فيزا صُمم لمساعدة الوكلاء الموثوقين على التواصل بأمان مع التجار". لكن الضوابط اللازمة باتت تتجاوز التحقق من هوية حامل البطاقة، لتشمل ما إذا كان الوكيل مخولا بالتصرف، وما إذا كانت معاملاته تتوافق مع نية العميل.
وتزداد أهمية التخطيط مع هذا التسارع في وتيرة التنفيذ، إذ يتوقع رزق أن يتحول المزيد من الأشخاص إلى مخططين ومنسقين لأنظمة الذكاء الاصطناعي، غير أن التخطيط البشري قد يواجه صعوبة في مواكبة قدرة تلك الأنظمة على التنفيذ. ويتوقع أن تبذل الشركات جهدا أكبر في التجريب وابتكار التطبيقات الجديدة، قائلا إنه "أكثر تفاؤلا بمستقبل الشركات، وبأنها ستنجز المزيد بالذكاء الاصطناعي، لا العكس".
ولا تقتصر المكاسب هنا على الشركات الكبرى، إذ يرى سليمان أن الذكاء الاصطناعي يتيح للأفراد والمهنيين والشركات الصغيرة قدرات كانت تتطلب في السابق وقتا ومالا وجهدا كبيرا، كما يقلص المسافة بين الفكرة وتنفيذها في حالة فرق تطوير المنتجات. وبالنسبة لرزق فهو متحمس لمدى السهولة التي يضفيها الذكاء الاصطناعي على مهام التطوير والابتكار، إذ تختفي الصعوبات التي كانت تصاحب بدايات تلك المهام حين يكون بإمكانك ببساطة أن تطلب من نظام ما بدء العمل عليها. وتصبح العقبات حينها متعلقة أكثر بالقدرة على المواكبة.
سلاح ذو حدين: رغم التفاؤل العام الذي أبداه المشاركون في الجلسة إزاء مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات، فإنهم أبدوا بعض المخاوف. إذ يخشى باختلر من تأخر التعليم عن الركب، قائلا إن "النظام التعليمي لا يزال بحاجة إلى المواكبة. فالأطفال حاليا لا يتعلمون بالقدر اللازم، وقد يكون لذلك تأثير في المستقبل". فيما سلط سليمان الضوء على الفجوة بين الابتكار والحوكمة، وأشار رزق إلى العبء المتزايد لمراجعة الأكواد التي يولدها الذكاء الاصطناعي، والهجمات الإلكترونية التي لا تتقيد بساعات عمل الفرق البشرية.
تحدثنا على هامش منتدى إنتربرايز مصر لهذا العام مع أحمد علي عبد الرحمن(لينكد إن)، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة البريد للاستثمار، عن استراتيجيات الشركة فيما يتعلق بالاستثمار والتخارج، وصفقاتها المرتقبة.
إنتربرايز: في أي مجالات تستثمر شركة البريد للاستثمار تحديدا؟ وما هي تفويضاتها الاستثمارية؟
أحمد علي عبد الرحمن: لدينا تفويض محدد للاستثمار في قطاعات بعينها، نرى أنها تتكامل مع شركتنا بصفتها تابعة لهيئة البريد المصري. إذ نستثمر في الخدمات المالية، ومنها أنشطة الإقراض وخدمات الاستثمار في أسواق المال، كما نستثمر في سلسلة القيمة اللوجستية بأكملها، بما يشمل مراكز التوصيل للمستهلكين وما شابهها. وهذان هما قطاعانا الرئيسيان، لكننا نقتنص أيضا الفرص في قطاعات أخرى، فرغم أن الشركة لا تستثمر في كل القطاعات، فإنها تدرس الاستثمار في القطاعات الأخرى حين تسنح الفرصة، بشرط أن تتمتع تلك القطاعات بإمكانات قوية، وأن تتوافق مع متطلبات الشركة من حيث حقوق الحماية أو الحصول على حصص أغلبية.
إنتربرايز: من أين يأتي التمويل، ولصالح من تستثمرون؟
أحمد علي عبد الرحمن: تدير الشركة رأس مال مستثمرها الوحيد، وهو الهيئة القومية للبريد، وتعتمد استثماراتها على رؤوس الأموال الجديدة من الهيئة، إلى جانب إعادة تدوير حصيلة التخارجات. فعلى سبيل المثال، نجحت الشركة في ديسمبر 2024 في التخارج من شركة تمويلي، إحدى الشركات الكبرى في مجال التمويل متناهي الصغر، وتعيد حاليا استثمار حصيلة التخارج.
إنتربرايز: ما الاستثمارات التي ضخت فيها الشركة أموالها خلال العام الماضي؟
أحمد علي عبد الرحمن: درسنا العام الماضي نحو 50 شركة أو 50 فرصة محتملة، ثم اختصرنا القائمة إلى 10 شركات فقط، ولم نستثمر في النهاية إلا في اثنتين. فنحن نعمل بعقلية الاستثمار المباشر، وأعتقد أنه من المعتاد في المجال تنفيذ ما بين صفقتين و3 صفقات سنويا، وذلك بحسب القطاعات وهياكل الصفقات وحجمها بالطبع.
إنتربرايز: هل يمكنك أن تخبرنا بحجم ما استثمرتموه من رأس مالكم؟
أحمد علي عبد الرحمن: أعتقد أننا استثمرنا معظم رأس مالنا تقريبا.
إنتربرايز: هل تدرسون الاستثمار في أي شركات حاليا؟
أحمد علي عبد الرحمن: لا ندرس قطاعات جديدة، بل نواصل دراسة القطاعات نفسها التي ركزنا عليها خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية، لكننا نرى الآن فرصا أكثر بكثير من ذي قبل بسبب ظروف السوق الحالية والتحديات التي تواجهها معظم الشركات في ظل التضخم وأسعار الفائدة. والشركات تُعرض حاليا بتقييم أقل كثيرا مما كانت عليه قبل عامين، مما قد يسهل علينا اتخاذ قرارات الاستثمار.
إنتربرايز: ما الخطوة التالية للشركة؟
أحمد علي عبد الرحمن: تعتزم البريد للاستثمار مواصلة مسارها الحالي، إذ تستهدف إتمام صفقة أو صفقتين في عام 2027، وربما تنفيذ تخارج آخر العام المقبل. ويظل إدراج شركات المحفظة في البورصة خيارا محتملا في المستقبل.