لمواجهة فجوة المهارات المتفاقمة، تتجه مصر نحو نموذج معهد الكوزن المصري الياباني، والذي يتوقف نموه على عدد المصانع المستعدة لتدريب الطلاب، وليس على عدد الفصول الدراسية التي تستطيع الدولة بناءها.

تشكو المصانع في مختلف أنحاء البلاد من نقص الفنيين المؤهلين، رغم أن خريجي الجامعات يشكلون 41.5% من العاطلين عن العمل في مصر، وفقا لنشرة بحث القوى العاملة للربع الأول من عام 2026 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (بي دي إف). وفي ظل هذه الفجوة سينتقل معهد الكوزن المصري الياباني إلى مقره الدائم في مدينة العاشر من رمضان شهر سبتمبر المقبل، تزامنا مع انطلاق عامه الدراسي الثاني. يقدم المعهد برنامجا هندسيا مدته خمس سنوات بدعم من الهيئة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، يربط فيه الجانب النظري باحتياجات خطوط الإنتاج مباشرة، بدلا من مجرد منح الشهادات الدراسية وانتظار استيعاب السوق للخريجين.

شريان يغذي الاستثمار الأجنبي المباشر: لم يتأسس المعهد من فراغ؛ إذ تزامن توسعه مع دعوة الحكومة للشركات اليابانية لإنشاء منطقتها الصناعية الخاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومع اتفاقية شركة تويوتا تسوشو مع وزارتي الصناعة والاستثمار لتوطين صناعة السيارات وسلاسل التوريد الخاصة بها في مصر. وتعد العمالة الفنية الماهرة شرطا أساسيا لنجاح تلك المساعي.

خلفية: يعود نموذج معهد الكوزن إلى ستينيات القرن الماضي، وهو يدمج بين التعليم الثانوي والعالي لإعداد مهندسين في التخصصات التي يحتاجها المجتمع، وفقا لموقعه الرسمي. ووقعت مصر اتفاقية مع الهيئة اليابانية للتعاون الدولي العام الماضي لافتتاح أول فرع لمعهد الكوزن خارج اليابان. ويعد هذا البرنامج الأول من نوعه في مصر لمرحلة ما بعد الإعدادية، ويخضع لإشراف وزارة التعليم العالي، حسبما صرح مدير المعهد أحمد البنداري لنشرة إنتربرايز الصباحية.

رواتب أعلى للخريجين: يغير هذا النموذج أيضا طريقة تسعير السوق للعمالة الفنية. فالخريج الذي تعينه الشركة التي تدرب بها "يحصل على راتب أعلى بنسبة 30% مقارنة بأقرانه من حملة الدبلومات العادية"، بحسب ما ذكره لنشرتنا أحمد الجيوشي، الأمين العام للمجلس الأعلى للتعليم التكنولوجي.

المصانع هي من تضع المناهج، لا الكتب الدراسية: وفرت الهيئة اليابانية للمعهد قائمة تضم 30 مصنعا يابانيا في مصر، وبدأ التنسيق بالفعل مع 8 منها لتصميم المناهج الدراسية بما يتناسب مع احتياجاتها الفعلية من المهارات، وفقا للبنداري. ويجري حاليا إضافة تخصصين جديدين هما الإلكترونيات الدقيقة والطاقة الخضراء، ليتيحهما المعهد إلى جانب المسارات الحالية التي تشمل الروبوتات والميكاترونكس والذكاء الاصطناعي. وأضاف البنداري أن الهدف "هو تخريج كوادر قادرة على تطوير خطوط الإنتاج والآلات، وليس مجرد تشغيلها".

الانتقائية أساس النموذج: يعتمد النموذج المالي والتشغيلي للبرنامج على التصفية والاختيار، وليس على الأعداد. وشهدت الجولة الأولى للقبول للعام الدراسي 2026-2027 تقدم نحو 900 طالب، مقارنة بعد بلغ 47 طالبا فقط في الدفعة الافتتاحية العام الماضي، لكن المعهد لم يقبل سوى 320 طالبا.

المعادلة وراء الأرقام: يوضح الجيوشي أن هذا الحد الأقصى يخضع لثلاثة عوامل، تتمثل في الطلب بسوق العمل، والقدرة الاستيعابية للمصانع فيما يتعلق بتدريب الطلاب، ونسبة المعلمين والمعدات والمواقع المتاحة لكل طالب لضمان جودة التعليم. وتتلخص المعادلة في "توفير آلة أو مصنع أو موقع عمل لكل طالب". ويقيس الجيوشي النجاح بعدد الخريجين الذين يحصلون على وظائف، وليس بعدد المتقدمين.

ويُشترط أن يحصل المتقدمون على مجموع لا يقل عن 85% في المرحلة الإعدادية، فضلا عن اجتياز اختبارات في الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والتفكير المنطقي. وتبلغ المصروفات الدراسية 15 ألف جنيه سنويا، تُقسم بالتساوي بين الطلاب وصندوق تطوير التعليم.

الحياة داخل الحرم الجامعي وما بعد التخرج: يقع المقر الدائم للمعهد على مساحة 24 فدانا، ويضم أكثر من 15 مختبرا وورشة عمل، من بينها "مصنع الأحلام"، حيث يحول الطلاب أفكارهم إلى نماذج أولية باستخدام المعدات الصناعية، بحسب البنداري. وأشار إلى أن "الخريجين يمكنهم الالتحاق بكليات الهندسة أو الجامعات التكنولوجية مباشرة في السنة الثالثة، مع تجاوز أول سنتين بتلك الكليات". كما أبدت جهات يابانية اهتمامها بتمويل منح دراسية للخريجين لمواصلة دراستهم في اليابان، وهو برنامج يتوقع البنداري إطلاقه العام المقبل فور الانتهاء من تحديد المتطلبات.

ووقعت شركة نيسان مصر بروتوكولا مع صندوق تطوير التعليم لتدريب طلاب معهد الكوزن في مصنعها تحت إشراف يطابق المعايير اليابانية. كما أبرمت شركة "إس إي وايرينج سيستمز إيجيبت" اتفاقية مماثلة في أبريل 2026، بحسب البنداري. وأضاف أن المعهد "يخطط للتوسع في محافظات أخرى خلال السنوات المقبلة، لا سيما أن الطلاب الحاليين يأتون بالفعل من مختلف أنحاء الجمهورية".

جزء من تحرك أوسع: يندرج نموذج معهد الكوزن ضمن استراتيجية أوسع تتبعها الدولة. فهناك تحرك منفصل بالتنسيق مع ألمانيا؛ إذ تدير وزارة التربية والتعليم مبادرة مصرية ألمانية تضم 100 مدرسة للعام الدراسي 2026-2027، بدعم من السفارة الألمانية ومعهد جوته والإدارة المركزية للمدارس الألمانية بالخارج. وتجاوزت مصر أيضا هدفها الأساسي المتمثل في إنشاء 200 مدرسة للتكنولوجيا التطبيقية بحلول عام 2030 بالشراكة مع القطاع الخاص، ومن المقرر أن يصل عدد هذه المدارس إلى 225 مدرسة بحلول العام الدراسي المقبل، وفقا لبيان صادر عن رئاسة الجمهورية.

والشركات تبني مدارسها الخاصة: تدير أكاديمية السويدي الفنية التابعة لشركة السويدي إلكتريك نموذجا للتعليم المزدوج على الطراز الألماني، يعتمد على التدريب العملي بالمصانع بنسبة 80% والتعليم النظري بنسبة 20%، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم. كما استقبلت الأكاديمية وفدا حكوميا سويسريا عام 2020 لمناقشة توسيع نطاق التدريب المهني. وتستعد شركة حديد عز لافتتاح 7 مدارس مماثلة بالتعاون مع شركة دانييلي الإيطالية خلال العام الدراسي 2026-2027.

ويرى الجيوشي أن التقييم الدقيق للأثر الحقيقي لنموذج معهد الكوزن سيستغرق 10 سنوات على الأقل، مشيرا إلى أن التحولات المماثلة في سياسات التعليم استغرقت وقتا طويلا حتى تظهر نتائجها في الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. وأضاف أن تعميم هذا النموذج ليشمل جميع المدارس الفنية في مصر ليس أمرا واقعيا دون توفر موارد لا تمتلكها البلاد حاليا.

ما نراه: يثبت تقدم 900 طالب للمنافسة على 320 مقعدا نجاح النموذج من حيث حجم الطلب. لكن هذا الرقم ذاته يكشف عن التحدي الرئيسي المتمثل في ضعف جانب العرض؛ إذ لا يزال عدد المصانع المستعدة لتدريب هؤلاء الطلاب ضئيلا. ورغم انضمام نيسان مصر و"إس إي وايرينج سيستمز إيجيبت" للبرنامج، إلا أن مصنعين فقط لن يحدثا فارقا كبيرا في سوق عمل يشكل فيها خريجو الجامعات نحو 4 من كل 10 عاطلين. وفي النهاية، يتوقف سد فجوة المهارات على توفر المصانع، وليس على الفصول الدراسية.