الشهادة الجامعية لم تعد تذكرتك الوحيدة للعبور إلى المسار المهني: يولي أصحاب العمل في مختلف القطاعات بجميع أنحاء العالم اهتماما أكبر للمهارات العملية والخبرات المتخصصة، مما يغذي الطلب على الدورات القصيرة والشهادات المهنية والشهادات المصغرة، التي توفر مسارات أسرع وأقل تكلفة لدخول سوق العمل. وفي مصر، يحظى هذا النهج باهتمام متزايد.

الشهادات المصغرة تلقى رواجا: توصف الشهادات المصغرة بأنها برامج قصيرة تركز على المهارات وتمنح شهادات معتمدة أو شارة رقمية. وتكتسب هذه الشهادات شعبية متزايدة خاصة في القطاعات سريعة التغير مثل التكنولوجيا، والتسويق الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات. بالإضافة إلى ذلك، تتراوح هذه البرامج بين شهادات جوجل المهنية على منصة كورسيرا وبرامج نانو ديجري من يوداستي، وصولا إلى مسارات التدريب الفني المحلية التي يقدمها معهد تكنولوجيا المعلومات ومبادرة رواد مصر الرقمية، حسبما صرح به أكرم مروان، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "آي كاريير" المتخصصة في استشارات التوجيه المهني والتأهيل والتوظيف، وذلك في تعليقه لإنتربرايز.

لماذا يحظى النسق الجديد بأهمية خاصة؟ يعكس صعود الشهادات المصغرة تحولا أوسع في الطريقة التي يُنظر بها إلى عملية التعليم؛ إذ لم يعد يُنظر إليها بوصفها تجربة جامعية لمرة واحدة، بل باعتبارها عملية مستمرة لإعادة صقل المهارات طوال المسيرة المهنية للفرد. ومع تطور التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة المناهج الجامعية التقليدية على التكيف، يبحث الموظفون وأصحاب العمل على حد سواء وبشكل متزايد عن طرق أقصر وأكثر دقة لبناء مهارات تلبي احتياجات سوق العمل مباشرة، وفقا لمروان. وتتيح البرامج منخفضة التكلفة عبر الإنترنت والمبادرات الممولة مثل مبادرة رواد مصر الرقمية للطلاب خارج القاهرة والإسكندرية الوصول إلى نفس الشهادات والتدريب الفني المتاح في المدن الكبرى، مما قد يوسع فرص الحصول على وظائف عن بعد ووظائف رقمية.

كما يبدي أرباب العمل تجاوبا متزايدا مع هذا التحول؛ إذ قال 97% من أرباب العمل المشمولين في استطلاع في الإمارات إنهم يميلون أكثر لتعيين المرشحين الحاصلين على شهادات مصغرة، حسبما ذكر جريج هارت، الرئيس التنفيذي لشركة كورسيرا، في تصريحات سابقة لإنتربرايز.

لكن يبدو أن هذا الاتجاه ما زال في مهده بمصر. فقد أظهر تقرير للجامعة الأمريكية بالقاهرة تناولناه في عدد سابق لنشرة بلاكبورد أن 27% فقط من المؤسسات التي شملها الاستطلاع على دراية بالشهادات المصغرة، في حين أن 21% فقط اعتمدتها بالفعل، علما بأن الشركات التي تستخدمها أشارت إلى المرونة والتكلفة المناسبة ضمن المزايا الرئيسية.

الثقة هي العقبة. فبينما تحظى الشهادات المدعومة من كبرى الشركات العالمية، مثل أمازون ويب سيرفيسز وسيسكو وجوجل وميتا، أو شهادات إدارة المشاريع والموارد البشرية، بثقل كبير لدى أصحاب العمل، يظل السوق مجزأ ويعاني تفاوتا في معايير الجودة وغياب التنظيم الرسمي، حسبما يرى مروان.

لذا ما زالت الشهادة الجامعية مطلبا أساسيا للتوظيف في مصر. وتحظى الشهادات المصغرة بدور تكميلي للتعليم التقليدي أكثر من كونها بديلا له، بحسب مروان، الذي لفت إلى أن النموذج الناشئ هجين وليس إحلاليا.

بعض القطاعات تتكيف بوتيرة أسرع من غيرها: ففي مجالات التكنولوجيا، والتسويق الرقمي، والتصميم، وواجهة وتجربة المستخدم (UI/UX)، وإدارة المنتجات، والمبيعات الرقمية وغيرها، يكون أرباب العمل غالبا أكثر استعدادا لمنح الأولوية لنماذج الأعمال (البورتفوليو) والشهادات العملية على حساب الخلفيات الأكاديمية الرسمية، وفقا لمروان. وتزداد أهمية الشهادات المقترنة بأعمال ملموسة — مثل مساهمات جيت هاب، أو نماذج الأعمال، أو الخبرة القائمة على المشاريع — لتكون بمثابة مؤشرات قوية لمسؤولي التوظيف في هذه القطاعات. أما في القطاعات التقليدية أو الخاضعة للوائح تنظيمية صارمة، مثل الطب والهندسة والمحاماة، فتظل الدرجات الجامعية إلزامية، لا سيما وأن أطر التراخيص المهنية لا تدع مجالا للشهادات البديلة لتحل محل التعليم الأكاديمي.

ماذا يخبئ المستقبل للجامعات؟ لا يهدف التوجه القادم إلى أن إحلال هذه الشهادات محل الجامعات، وإنما يتعلق بإعادة تعريف دورها. فالجامعات تعمل حاليا على توسيع برامج التعليم التنفيذي، وطرح برامج مهنية مكثفة وقصيرة، وتجربة الشهادات التراكمية التي يمكن للطلاب تحصيلها تدريجيا بمرور الوقت. لذا فمن المرجح أن يكون التوجه المستقبلي قائما على تقاسم الأدوار، بمعنى أن تتيح الجامعات المعرفة التأسيسية والتفكير النقدي، بينما تُكتسب المهارات التقنية سريعة التطور من خلال الشهادات المصغرة التي تستغرق وقتا أقصر للحصول عليها.