الأوان لم يفت أبدا للتعلم — ورئيسك في العمل يرى ذلك أيضا: في حين أن اهتمام الدولة ومؤسسات التعليم الخاصة يتركز غالبا على المدارس والجامعات، إلا أن تعليم الكبار يحظى بشعبية متزايدة نظرا لدوره المهم في مواكبة الشركات لتغيرات السوق، وبوصفه فرصة استثمارية قائمة بذاتها. إذ إن عصر الآلة الثاني القادم — على حد تعبير أندرو مكافي وإريك برينجولفسون — يغير من طبيعة عملنا وطريقة أدائنا بسرعة فائقة، مما يزيد الضغط على الموظفين والباحثين عن عمل على حد سواء لتطوير مهاراتهم لمواكبة التطورات.

تحدثنا إلى عميد كلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة محمود علام، والرئيس التنفيذي لشركة جي تك إديوكيشن مصر قائد إبراهيم، لمعرفة المزيد، وهما مؤسستان مختلفتان تماما من حيث الفئات المستهدفة ونماذج الأعمال والدورات التدريبية. في حين أن كلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة هي مؤسسة عمرها 101 عام، فإن شبكة مراكز المهارات والتدريب العالمية الهندية جي تك إديوكيشن دخلت مصر في أواخر عام 2024 فقط.

هناك اتفاق واسع النطاق على أن تعليم الكبار يسد فجوة مهمة، إذ أن "نماذج التعليم التقليدية في مصر ركزت منذ مدة طويلة على التعليم في المراحل المبكرة، وكان هناك نقص تاريخي في فرص الكبار لتطوير مهاراتهم أو إعادة تدريبهم بما يتماشى مع التغيرات الجديدة في السوق"، حسبما قال إبراهيم لإنتربرايز. وبالمثل، نوه علام إلى "فجوة في التدريب عالي الجودة والمرن والمناسب لسوق العمل" التي تسعى كلية التعليم المستمر إلى سدها، وأضاف أن أولئك الذين يعيشون في المناطق المحرومة على وجه الخصوص "يفتقرون إلى فرص التعلم المنظم مدى الحياة".

ومع التقدم التكنولوجي، الفجوة ستتسع وحسب، إذ يتطلع المصريون إلى تعليم الكبار "للتعامل مع سوق عمل دائم التطور"، وفق علام. ويلاحظ نفس الاتجاه في جي تك، إذ قال إبراهيم أيضا إن "الموظفين يسعون على نحو متزايد إلى التدريب الذي يكون عمليا ومرنا ومتوافقا مع المتطلبات الحالية". ثمة إشارة دالة على تقييم جي تك "للطلب المتزايد على المهارات ذات الصلة بالاقتصاد الرقمي"، وتتمثل في تخطيط الشركة لافتتاح نحو 25 مركزا جديدا على الأقل خلال أول عام كامل لها في البلاد.

الفجوة في تعليم الكبار تمثل أزمة عالمية، إذ يدفع الطلب المتزايد جي تك إلى افتتاح أكثر من 790 مركزا في 23 دولة، من ضمنها جميع دول مجلس التعاون الخليجي، وفق ما قاله إبراهيم.

لكن تعليم الكبار لا يلبي احتياجات أولئك الذين يكافحون في سوق العمل أو من أجل الترقية فحسب، فقد قال علام إن كلية التعليم المستمر "تخدم مجموعة متنوعة من المتعلمين تتراوح أعمارهم بين 8 و80 عاما"، تتضمن أولئك الذين يبحثون عن "فرص تعلم مدى الحياة غير مهنية". بالإضافة إلى الأشخاص الذين يتطلعون إلى تطوير مهاراتهم وإعادة تأهيلهم، ترى جي تك أيضا أن الثقافة المالية تعد جزءا مهما من عروضها.

يعكس نوع الدورات المطلوبة الاتجاهات في سوق العمل وداخل الشركات، إذ أخبرنا إبراهيم أنهم يشهدون طلبا على تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتطوير البرمجيات والتجارة الإلكترونية وغيرها. وبالمثل، أشار علام إلى أن الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي وإدارة الأعمال وتحليلات البيانات تعد من المجالات المطلوبة.

"لكن التكنولوجيا ليست المحرك الأوحد للطلب، فالشركات في مصر وجميع أنحاء الشرق الأوسط تسعى بشكل متزايد إلى ضم مهنيين لا يمتلكون المعرفة التقنية فحسب، بل مهارات شخصية مثل التفكير النقدي والقدرة على التكيف والتواصل الفعال"، حسبما أضاف إبراهيم. المهارات الشخصية والقيادة والتواصل تحظى أيضا بشعبية في كلية التعليم المستمر لأنها "حاسمة للتقدم الوظيفي وتضمن بقاء المتعلمين لدينا قادرين على المنافسة في السوق"، وفق علام، الذي أشار إلى أن اللغات، خاصة اللغة الإنجليزية، لا تزال أيضا محركا رئيسيا في سوق تعليم الكبار المهتم بالمسار الوظيفي.

مطالب الطلاب والسوق تتوافق بشكل عام، وهو ما تحاول كلية التعليم المستمر تلبيته من خلال إجراء "استطلاعات تقييم الاحتياجات المنتظمة عبر مختلف القطاعات، وإشراك أصحاب العمل والمهنيين وأصحاب المصلحة لتحديد فجوات المهارات الناشئة والكفاءات المطلوبة". وأوضح علام أن هذه التقييمات "تمكننا من تحسين مناهجنا الدراسية، وتقديم دورات جديدة، وتعزيز البرامج الحالية لتزويد المتعلمين بالمعرفة العملية والمهارات الجاهزة للسوق اللازمة للتقدم الوظيفي". كذلك تعمل جي تك مع شركاء الصناعة للتأكد من أن "دوراتهم تتماشى مع المتطلبات المحددة لأصحاب العمل".

لكن متطلبات سوق العمل وما تقدمه مؤسسات مثل كلية التعليم المستمر وجي تك من دورات آخذ في التغير. سلط علام الضوء على تحليل البيانات والثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتسويق الرقمي باعتبارها ذات أهمية متزايدة. ولفت إبراهيم إلى الموضوعات ذاتها، مضيفا أن القدرة على التكيف والابتكار الإبداعي ستزداد أهميتها نظرا لمساعدتها الأفراد على "التكيف بسرعة مع تطور تلك القطاعات".

اتفق علام وإبراهيم على أن تعليم الكبار لا تقتصر أهميته على مساعدة أولئك الذين يتلقون الدورات فحسب، بل يدعم الاقتصاد بأكمله. وأوضح علام: "من خلال تطوير مهارات الموظفين ورجال الأعمال، فإننا نساهم في خلق سوق عمل أكثر تنافسية وديناميكية". فيما أشار إبراهيم إلى أن تعليم الكبار "يجذب الاستثمارات، ويخلق مزيدا من فرص العمل، ويحفز التنمية الاقتصادية الأوسع نطاقا".

بالرغم من أهميته، فإن تعليم الكبار "لا يحصل دائما على نفس المستوى من التمويل والاهتمام الذي تحصل عليه قطاعات التعليم التقليدية"، بحسب علام. ومع أن وجود استثمارات ومبادرات جديرة بالاهتمام، ثمة حاجة إلى "مزيد من الاستثمار والدعم السياسي"، حسبما أضاف علام. قد تكون هذه البرامج أيضا "محدودة النطاق أو السرعة في التكيف مع التغيرات في الصناعة"، وفق إبراهيم. وشهدت أحدث مبادرة حكومية توقيع وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة القوى العاملة بروتوكول تعاون مع مؤسسة صناع الخير لتدريب مليون مواطن على مدى السنوات الثلاث المقبلة في الحرف اليدوية والخياطة والأعمال الكهربائية والسباكة وصيانة تكنولوجيا المعلومات واللغات، وفق بيان صحفي.

في المستقبل، "نود أن نرى المزيد من التعاون بين القطاع الخاص والحكومة والمؤسسات التعليمية"، وفق ما قاله عميد كلية التعليم المستمر. وأضاف أن هذا من شأنه أن يساعد بشكل أفضل في "دمج التعلم مدى الحياة في استراتيجيات التنمية الوطنية". وتقديم حوافز للشركات لضخ أموالها في التطوير المهني لموظفيها وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص قد يكون له دور حيوي أيضا.