🤖 الذكاء الاصطناعي قد يكون موظفك الأمهر؟ عندما حلل نموذج الذكاء الاصطناعي كلود ميزانيتي شركة القهوة المصرية ريقاف للعام الحالي والماضي، رصد جانبا ماليا غفل عنه فريق العمل، الأمر الذي دفع مؤسس الشركة علي خطاب إلى إعادة طرح أحد المنتجات التي كانت الشركة قد أوقفت إنتاجها.
في تلك اللحظة بالتحديد أدرك خطاب صحة النهج الذي تبنته شركته، إذ يعد الإلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من متطلبات العمل لديهم. "عندما نوظف شخصا جديدا، نختبر مهاراته في استخدام تلك الأدوات وكيفية صياغة الأوامر ونوعية الأدوات التي يتقنها، إذ يصبح عدم إتقان مثل تلك المهارات أشبه بعدم معرفة استخدام برنامجي باور بوينت أو إكسيل"، حسبما قال خطاب لإنتربرايز.
وبينما تحتل مصر المرتبة 56 من بين 64 دولة في معدلات تبني المستهلكين لأدوات الذكاء الاصطناعي عالميا، يبدو المشهد مختلفا إلى حد كبير بين رواد الأعمال المحليين، إذ بات الذكاء الاصطناعي جزءا من عمليات التوظيف ووصل إلى قاعات اجتماعات مجالس الإدارة حيث تتخذ القرارات المصيرية، وخير مثال على ذلك هو الدور الذي لعبته أدواته في صياغة ومراجعة العقود خلال صفقة استحواذ شركة إنفن تل الأمريكية على الشركة المصرية الناشئة أمزولوت. ورغم إشراف مستشار قانوني متخصص على العملية، ساعدت تلك الأدوات في مراجعة البنود المتبادلة وصياغتها بما يضمن توافق العقد مع أهداف الشركة، بحسب ما قاله أحمد الحفني (لينكد إن)، الرئيس التنفيذي السابق للشركة والرئيس التنفيذي الحالي لشركة زونتا.
الذكاء الاصطناعي في كل مكان: يدمج 88% من الشركات حول العالم الذكاء الاصطناعي في وظيفة إدارية أو تشغيلية واحدة على الأقل، وفقا لدراسة أجرتها ماكينزي عام 2025. وفي مصر، يسعى مؤسسو الشركات إلى مواكبة هذا التحول تفاديا للتخلف عن الركب. في هذا السياق، تحدثنا إلى ثلاثة من رواد الأعمال المصريين لمعرفة كيف يوظفون الذكاء الاصطناعي، والتغيير الفعلي الذي أحدثته أدواته في أعمالهم.
بدأ الذكاء الاصطناعي في ترسيخ حضوره داخل الشركات عبر بوابة المهام الإدارية، الأمر الذي تبناه عدد من رواد الأعمال المصريين، إذ يعتمد خطاب على مساعد شخصي مدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر تطبيق واتساب، لتلخيص رسائل البريد الإلكتروني وتنظيم جدول أعماله وتحديث مواعيده بشكل مستمر.
وفي السياق نفسه، يتبنى كريم هاروني — الرئيس التنفيذي لمنصة مشتل المتخصصة في خدمات اللاندسكيب ونباتات الزينة عبر الإنترنت — منهجية العمل الذكي لا العمل الشاق. قبل الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، كان فريق خدمة العملاء يستغرق نحو ربع ساعة لصياغة رد واحد باللغة العربية على رسالة بريد إلكتروني، أما اليوم فتتولى تلك الأدوات هذه المهمة في ثوان معدودة، ما أسهم في رفع كفاءة فريق خدمة العملاء.
وكان الحفني من أوائل الذين تبنوا التقنيات الحديثة، إذ اختبر النماذج اللغوية حتى قبل إطلاق منصة تشات جي بي تي. تسهل أدوات الذكاء الاصطناعي الكثير من المهام اليدوية وتدعم عمليات العصف الذهني والتخطيط ومختلف العمليات الفكرية التي تسبق التنفيذ بحسب الحفني، الذي أكد على أن عدم استخدامها يشبه خوض معركة خاسرة، إذ يمتلك المنافسون هذه الموارد ويستغلون وقتهم بكفاءة أعلى، في الوقت الذي يحقق فيه الذكاء الاصطناعي دفعة قوية لمعدلات الإنتاج وتوليد الأفكار.
حجم العوائد والفجوات
بصمة حاضرة في شتى الإدارات: إلى جانب المهام الإدارية، شق الذكاء الاصطناعي طريقه إلى الإدارات المالية والمحاسبية والتوجيه الإبداعي والقرارات الاستثمارية. أحدثت هذه الأدوات تحولا جذريا في قطاع التسويق بشركة ريقاف بحسب خطاب، إذ باتت قادرة على توليد نصوص إعلانية كاملة بمجرد تزويدها بفكرة الحملة فقط.
أما هاروني فيستفيد من نموذج جيميناي في العصف الذهني وتوليد الأفكار الإبداعية، وذلك عبر صياغة أوامر حوارية تنتج تصاميم ومقترحات بصرية. "الأمر أشبه بالتعامل مع صديق ذكي ومقرب للغاية، عندما أحتاج إلى مساعدة بصرية أبدأ بصياغة الطلب وتطويره تدريجيا، ومع الممارسة أصبحت أكثر احترافا في ذلك، لدرجة أن الأداة تنجح في تقديم المطلوب بدقة في 9 من كل 10 محاولات".
ليست للجميع: رغم الفائدة الكبيرة للنماذج المنتشرة مثل كلود وجيميني وتشات جي بي تي وديب سيك ونانو بنانا، إلا إن الوصول إليها لا يزال صعبا بالنسبة لجميع الفئات. "لا تعد تلك الأدوات سهلة الاستخدام بالنسبة للمستخدم العادي، إذ يتطلب تحقيق الاستفادة المثلى من قدراتها التمتع بخلفية تقنية معينة، لكن هذه الفجوة تتقلص تدريجيا يوما بعد يوم"، بحسب هاروني، الذي حصل على دورة تدريبية عبر شركة أنثروبيك للتعمق في استخدام نموذج كلود، ليتمكن في المستقبل من بناء برمجيات وكلاء ذكاء اصطناعي موجهين للأعمال.
رحلة التعلم طويلة ومتغيرة: "أتطلع إلى أن أكون من الأشخاص القادرين على تأسيس وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين لخدمة أعمالهم" بحسب هاروني، مؤكدا أن فريقه لا يزال يستفيد من جزء محدود من الإمكانات الكاملة لهذه الأدوات، وهو ما يدفعه إلى حث موظفيه على ابتكار طرق جديدة لتعظيم الاستفادة من التقنيات المتاحة.
فيما اتجه الحفني إلى مدى أبعد، إذ أمضى العام والنصف الماضيين في دراسة هندسة الأوامر وتطويرها. "تعمقت في مجال هندسة الأوامر منذ نحو عام ونصف العام. لا يمكنني القول إنني خبير بالكامل، لكن لدي ما يكفي من الثقة والكفاءة لصياغة الأوامر بطريقة صحيحة تضمن نتائج أفضل". أما خطاب، فقد اتخذ نهجا مؤسسيا، إذ أدرجت شركة ريقاف التدريب على أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج تأهيل الموظفين الجدد، ليصبح التعلم المستمر لهذه التقنيات ضرورة للعمل وليس مجرد ميزة إضافية.
يعكس ذلك توجها أوسع بين رواد الأعمال محليا، إذ لا ينتظرون وصول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة النضج الكامل قبل استخدامها، بل يتعلمون بالتوازي مع تطورها ويدمجونها آليا في قرارات التوظيف والتوجيه الإبداعي وخطط التوسع. ورغم أن هذه الأدوات لا تزال غير مثالية وتواجه بعض التحديات، إلا إن رواد الأعمال الذين اعتمدوا عليها بالفعل بدأوا في حصد عوائد ملموسة على مستوى الإنتاجية والأداء.