Posted inحياة المكتب

الأمهات العاملات وعبء الرعاية في غياب الدعم المؤسسي

🤱 معادلة الأمومة الصعبة: بالنسبة للكثيرات، لا تعني العودة إلى العمل بعد الإنجاب انتهاء إجازة الوضع فحسب، بل بداية مرحلة جديدة من الموازنة الصعبة ما بين توصيل الأطفال إلى دور الحضانة وتنظيم مواعيد الرضاعة، وحتى العبء الذهني لإدارة شؤون المنزل، إذ يتطلب التنسيق بين مهام الأمومة والعمل جهدا يكاد يوازي وظيفة بدوام كامل مستقلة بذاتها.

ومع اتجاه مصر إلى توسيع الحماية القانونية للأمهات في بيئة العمل، ترى نساء في قطاعات مختلفة أن النقاش العام يجب أن يتجاوز مجرد مزايا إجازة الوضع، ليلتفت إلى الواقع الفعلي لرعاية الأطفال بعد استئناف العمل من جديد، إذ تشير تجاربهن إلى مطلب متكرر: مزيد من المرونة في بيئة العمل بدلا من التركيز على التواجد الدائم في المكتب، إذ تبدأ المعاناة الحقيقية بمجرد العودة إلى العمل والبحث عن دور رعاية موثوقة للأطفال والتعامل مع الجداول الزمنية الصارمة ثم مواجهة مشاعر الذنب والإنهاك النفسي.

الكثير أُنجز بالفعل: اتخذت الدولة خطوات ملحوظة في تعزيز الضمانات القانونية للأمهات العاملات في أماكن العمل، إذ نص قانونالعمل الجديد على زيادة مدة إجازة الوضع مدفوعة الأجر من 3 أشهر إلى 4 أشهر، مع إلغاء شرط قضاء مدة خدمة محددة لاستحقاق الإجازة وتعزيز الحماية من قرارات الفصل التعسفي خلالها، كما تضمن القانون حزمة من الضمانات الإضافية، شملت تخفيض ساعات العمل خلال المراحل المتأخرة من الحمل ومنح فترات راحة للرضاعة لمدة عامين من تاريخ الولادة، وحظر فصل العاملة أثناء إجازة الوضع، إلى جانب تنظيم إجازات رعاية الطفل.

مهمة لا تنتهي بانتهاء الدوام: لا ينتهي العمل بمجرد العودة إلى المنزل بالنسبة لشيرين الباز، مديرة الفهرسة الرقمية وأم لطفلة تبلغ عاما واحدا. بالإضافة إلى رعاية ابنتها والالتزامات المنزلية اليومية، تضطر الباز في كثير من الأحيان إلى العمل ليلا لاستكمال المهام التي لم تتمكن من إنجازها خلال ساعات العمل. وبالنسبة للعديد من الأمهات العاملات في مصر، فإن يوم العمل لا ينتهي بل يتغير مكانه فحسب.

أكبر عقبة

الأزمة الأكبر هي رعاية الأطفال: بالنسبة لأمهات الرضع وصغار السن، يبدأ يوم العمل بحل معضلة لوجستية: "الحقيقة الثابتة هي أنني بحاجة إلى شخص يعتني بطفلتي أثناء ساعات عملي. عليك دائما كأم اتخاذ ترتيبات معينة، سواء بالاستعانة بمربية أو إلحاق الطفل بحضانة"، حسبما قالت ريتاج علي، مديرة تحليل البيانات والأم لطفلة تبلغ من العمر 10 أشهر.

مهمة البحث عن الحضانة المناسبة: "رحلة البحث عن حضانة جيدة أشعر فيها بالاطمئنان على ابنتي كانت صعبة ومرهقة للغاية، فالأهم لأي أم هو العثور على مكان آمن لطفلها"، حسبما أشارت نيرفانا محمود، وهي إعلامية وأم لطفلين، مؤكدة أن العثور على جهة لرعاية الأطفال كان من أصعب العقبات التي واجهتها عند العودة إلى العمل بعد الولادة. كما أن الأعباء المالية بعدا آخر إلى هذه الضغوط، إذ تستنزف تكاليف الحضانة وترتيبات رعاية الأطفال جزءا كبيرا من الدخل، خاصة بالنسبة للأمهات اللاتي لا يحصلن على دعم من أفراد العائلة، بحسب الباز.

حلول الدولة؟ يتضمن الإطار التشريعي لقانون العمل في مصر نصوصا تلزم أصحاب الأعمال الذين يضمون عددا كبيرا من العاملات بتوفير دور رعاية في مقار العمل أو التعاقد مع مقدمي خدمات مرخصين. وتلتزم الشركات التي توظف 100 عاملة أو أكثر في موقع واحد بتوفير منشآت لرعاية الأطفال، بينما يمكن للشركات الأصغر حجما والمتجاورة التعاون لتأسيس حضانات مشتركة، وفقا لقرار صادر عن وزارة العمل عقب صدور القانون الجديد.

تنص اللوائح على أن تكون مواقع دور الرعاية أقرب ما يمكن إلى مقار العمل، وأن تستقبل الأطفال دون سن الرابعة. كما يجوز إلزام أصحاب الأعمال الذين يتعذر عليهم إنشاء دور رعاية بتحمل تكاليف بديلة في حضانات مرخصة. ومع ذلك، تؤكد أمهات عاملات أن وجود حضانات داخل أماكن العمل لا يزال استثناء أكثر منه قاعدة على أرض الواقع.

"نحتاج إلى مساحة آمنة نترك فيها أطفالنا ونباشر عملنا، مع إمكانية الاطمئنان عليهم من وقت لآخر"، بحسب الباز، أما بالنسبة لعلي: "تأتي الحضانة المؤسسية في مقدمة المزايا التي تضعها في الاعتبار عند تقييم أي فرصة عمل مستقبلية، إذ يجب أن تظل الحضانة مفتوحة حتى انتهاء ساعات الدوام أو حتى بعد ذلك بقليل، فإذا كان دوامي ينتهي في السادسة مساء بينما تغلق الحضانة أبوابها في الرابعة، فلن أستفيد منها على الإطلاق".

المرونة لم تعد رفاهية

إذا كانت رعاية الأطفال تمثل العقبة العملية الأكبر، فإن المرونة في العمل تبدو الحل الذي تتفق عليه معظم الأمهات العاملات، إذ أكدت جميع المشاركات في المقابلات — بغض النظر عن أعمارهن أو وظائفهن وأوضاعهن الأسرية — أن ترتيبات العمل المرنة تمثل الميزة الوظيفية الأقيم والأهم بالنسبة لهن.

كلما زادت المرونة في تنظيم جداول العمل ساعدني ذلك بشكل أفضل كأم، وفقا لما قالته رشا خطاب، المساعدة التنفيذية وأم لطفلين. واتفقت محمود معها، مشيرة إلى أن المرونة تعد أول معيار تنظر إليه عند تقييم أي فرصة عمل جديدة، مضيفة: "أفضل بطبيعتي الوظائف التي تتيح العمل عن بعد أو بنظام العمل الهجين، لما يوفره ذلك من دعم كبير للموازنة بين مسؤولياتي المهنية والأسرية".

يتعين على أصحاب الأعمال التركيز على النتائج والمخرجات بدلا من الحضور الفعلي، فالمعيار الأساسي يجب أن يكون حجم الإنجاز وجودة المخرجات، وليس عدد الساعات التي أقضيها جالسة على مكتب العمل، حسبما أكدت بسنت كمال مؤسسة شركة لإدارة الفعاليات وأم عزباء لطفل يبلغ من العمر 10 سنوات.

تعزز اعتبارات الواقع اليومي هذا الطرح، إذ نادرا ما تتوافق مواعيد المدارس مع ساعات العمل الرسمية، كما أن الأطفال قد يمرضون بشكل مفاجئ، في حين تفرض دور الحضانة مواعيد استلام محددة لا يمكن تجاوزها بسبب اجتماع امتد لوقت أطول من المتوقع أو يوم عمل مزدحم.

حتى في الحالات التي تحظى فيها الأمهات بنظام عمل هجين، غالبا ما تظل هذه المرونة مقيدة بالسياسات الداخلية، إذ أكدت علي أن نظام العمل الهجين في شركتها يشترط الحضور الإلزامي إلى المكتب 3 أيام أسبوعيا، دون تقديم أي استثناءات تذكر خارج هذا الإطار. ورغم وجود ضمانات قانونية لحماية الأمهات، فإن الواقع العملي في القطاع الخاص غالبا ما يترك مساحات ضيقة للغاية لمراعاة الظروف الشخصية الطارئة، حسبما قالت محمود.

ضغوط لا تنتهي

لا تنتهي التحديات مع نمو الأطفال، بل تتغير طبيعتها وتتخذ أشكالا جديدة. فبينما تتمحور مخاوف أمهات الرضع حول تنظيم مواعيد الرضاعة وقلة النوم وترتيبات الرعاية المبكرة، تنتقل لدى أمهات الأطفال في سن المدرسة إلى تنسيق مواعيد الحافلات ومجموعات الاستلام والإجازات الدراسية، والإشراف على الأبناء بعد انتهاء اليوم الدراسي. "نمر حاليا بفترة الإجازة المدرسية، ويضطر ابني إلى البقاء بمفرده في المنزل طوال اليوم. وهنا أتساءل: ما الداعي لالتزامي بالحضور إلى المكتب خمسة أيام كاملة أسبوعيا"، بحسب كمال.

ماذا عن التحديات الخفية؟ بينما يسهل رصد الترتيبات اللوجستية لرعاية الأطفال أو تقييم سياسات الشركات، وصفت العديد من الأمهات عقبة أخرى يصعب قياسها بوضوح وهي عقدة الذنب. رغم أن هذا الإحساس مألوف لدى كثير من الآباء والأمهات العاملين، فإن الأمهات غالبا ما يتحملن النصيب الأكبر من مسؤوليات الرعاية المباشرة وما يصاحبها من أعباء نفسية وعاطفية، "هناك سؤال يراودني باستمرار: هل أقصر في حق أبنائي؟ وهل أقضي معهم وقتا كافيا؟"، حسبما قالت محمود.

"أحزن بشدة عندما تخطو ابنتي خطوة جديدة أو تنطق كلمة جديدة أو تفعل شيئا للمرة الأولى دون أن أكون بجانبها"، بحسب الباز. يتحول هذا العبء النفسي أحيانا إلى إرهاق بدني مضاعف، إذ استعادت نهال مصطفى، مسؤولة أولى لشبكات التواصل الاجتماعي والأم لطفل يبلغ من العمر عامين، ذكريات عودتها إلى العمل عندما كان طفلها لا يزال في شهره الثاني، قائلة: "كنت أعمل في نوبات تستمر تسع ساعات دون الحصول على قسط كاف من النوم، مع تولي كافة المسؤوليات المنزلية بمفردي"، بينما أكدت كمال أن الأم دائما ما تجد نفسها في حلقة مفرغة، وهو أمر يستنزف طاقتها الذهنية والبدنية على حد سواء.

بين التشريع والواقع

ورغم أن التعديلات التشريعية تمثل قفزة نوعية على الورق، تشير الأمهات إلى وجود فجوة عميقة بين النصوص القانونية والواقع الفعلي داخل بيئات العمل، إذ أشارت محمود إلى تجربتها حين تقدمت بطلب لتفعيل أحد الحقوق المكفولة قانونا المتعلقة برعاية طفلها والذي قوبل بالرفض، مؤكدة أن تطبيق هذه المكتسبات على أرض الواقع لا يزال يصطدم بعقبات عدة.

يعكس هذا التباين أن تحسين أوضاع الأمهات العاملات لا يتطلب تشريعات جديدة فحسب، بل يستلزم أيضا آليات تنفيذ أكثر فاعلية، وثقافة عمل أكثر استجابة لاحتياجات الرعاية الأسرية. ورغم تباين فئاتهن العمرية ووظائفهن وظروفهن الأسرية، فقد خلصت الأمهات إلى النتيجة ذاتها، وهي أن ما يحتجنه اليوم ليس صياغة وثائق سياسات جديدة، بل ضمانات حقيقية تترجم هذه الحقوق إلى واقع عملي أكثر مرونة.