يمر قطاع البناء والتشييد في مصر بأصعب مراحل الانكماش التوقعي. ولم يعد السؤال الأهم حاليا هو ما إذا كان التعافي سيأتي أم لا. ومع أن العام المالي 2025-2026 يوشك أن ينتهي بنمو حقيقي يقترب من الصفر، تتوقع فيتش سوليوشنز أن يقفز النمو الحقيقي إلى 4.9% في العام المالي 2027/2026 بدعم من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الخليجية الموجهة نحو المشروعات العملاقة مثل رأس الحكمة. كما يقول لاعبون بارزون في القطاع لإنتربرايز إن القيم الاسمية للعقود المسجلة حاليا في الدفاتر تخفي أزمة سيولة عميقة وتآكلا في هوامش الأرباح، مما قد يدفع الشركات الأصغر إلى الإفلاس قبل أن تصل استثمارات القطاع الخاص إلى حساباتها.

انقسم السوق إلى مسارين. إذ حصنت شركات المقاولات الكبرى نفسها من خلال تصدير أعمالها وتقليص انكشافها على السوق المحلية. وقد ضربت نتائج أعمال شركة أوراسكوم كونستراكشون للعام المالي 2025 خير مثال على ذلك، من خلال تسجيل قيمة المشروعات تحت التنفيذ مستوى قياسي بلغ 9 مليارات دولار، ولم يأت هذا النمو من مصر، بل عن طريق التنويع الجغرافي لهذه المشروعات. وقفزت أيضا قيمة المشروعات تحت التنفيذ للشركة في الولايات المتحدة بنسبة 80.6% لتصل إلى 2.89 مليار دولار، مدفوعة بمشروعات مراكز البيانات والطيران. أما أعمالها قيد التنفيذ في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فقد ارتفعت بفضل المشروعات الكبرى في السعودية والإمارات. وفي المقابل، تقف شركات المقاولات من الفئتين الثانية والثالثة على الجانب الآخر من هذه المعادلة. في تعليقه لإنتربرايز، قال عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء شمس الدين يوسف: "نحن في شركة الشمس نبيع أصولا وأراض لنبقى موجودين في السوق. هناك شركات من الفئة الثانية والثالثة، وحتى الفئة الأولى التي لم تتحوط، أفلست بالفعل".

ربما تظهر الدفاتر استمرار تدفق الإيرادات، لكن المقاولين يتعاملون على أرض الواقع مع أزمة سيولة وتآكل حاد في هوامش الأرباح. ويرى يوسف أن قيم العقود الحالية مضللة. إذ قال: "القيمة التعاقدية مع جميع مقاولي مصر هي قيمة اسمية. فعندما أضيف عناصر التكلفة المتغيرة وفروق الأسعار، تتضاعف القيمة". وأشار إلى أنه في أحد العقود الحكومية، ارتفعت تكلفة الأسفلت من 100 جنيه للمتر المربع عند التوقيع إلى 350 جنيها اليوم. وتغطي التعويضات التي تصرفها الدولة ما بين 60 إلى 70% فقط من الخسائر الفعلية للمقاولين، ما يترك الشركات تتحمل خسائر ليست ملزمة بها ولا قادرة على تحملها.

الواردات تفاقم الأزمة هيكليا: قال رئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء محمد سامي سعد لإنتربرايز: "ما لا يقل عن 40-50% من أموال المشاريع توجه إلى مستلزمات أو معدات أو أعمال كهروميكانيكية تُستورد من الخارج بالعملة الأجنبية". إذ إن اعتماد القطاع على المدخلات المستوردة يعني أن الصدمات الخارجية، التي على شاكلة تقلبات أسعار الصرف واضطرابات سلاسل التوريد الإقليمية، تضرب المشروعات الجارية مباشرة بدلا من ظهور تأثيرها تدريجيا على مدار أشهر.

الصورة الكلية

تؤكد الصورة الكلية ما يشير إليه المقاولون، إذ خفضت فيتش سوليوشنز توقعاتها للنمو الحقيقي لقطاع التشييد والبناء إلى 0.4% في العام المالي 2026/2025، نزولا من توقعاتها السابقة البالغة 5.6%. ويُعزى هذا الخفض إلى تحول استراتيجي في الإنفاق العام، مع إعادة توجيه الحكومة أولوياتها نحو إدارة الديون بما يتماشى مع مستهدفات برنامج صندوق النقد الدولي، وتقليص دور القطاع العام، وخلق ما تصفه فيتش بـ "فجوة استثمارية ملموسة". فقد انكمش نشاط التشييد بالفعل بنسبة 0.3% في النصف الأول من العام المالي 2025-2026. وتحذر وكالة التصنيف الدولي من أن بيئة التشغيل الصعبة ستستمر في ظل ارتفاع تكاليف التمويل، وتضخم أسعار مواد البناء، والتداعيات غير المباشرة للصراعات الإقليمية.

الدولة تتدخل بإجراءات طارئة: شكل اتحاد المقاولين لجنة أزمات وطلب تمديد العقود لحماية الشركات من غرامات التأخير وسحب المشروعات. وقال سعد إن الحكومة منحت المقاولين مهلة إضافية. وأضاف: "الحكومة تبذل أقصى جهد لمساندة القطاع، لأنه يضم حجم عمالة كبير جدا ويحرك الكثير من الصناعات المحلية".

هجرة العمالة الماهرة: بعيدا عن أزمة السيولة، يعاني القطاع من نزيف في الكفاءات لصالح دول الخليج. إذ تقول فيتش سوليوشنز في تقريرها إن هذه الظاهرة تتسبب في ارتفاع الأجور محليا، مما يضيف طبقة أخرى من الضغوط على المطورين والمقاولين. تتزامن هجرة الكفاءات المحلية مع أزمة عالمية أوسع في نقص العمالة بقطاع التشييد والبناء، التي يتوقع معهد إدارة المشاريع (PMI) أن تتسع لتصل إلى عجز قدره 2.5 مليون مدير مشروع بحلول عام 2035.

كيف يتماسك القطاع لحين التعافي؟

التحول نحو التشغيل والصيانة: قال سعد: "ننصح [المقاولين] بالانتقال من المقاولات إلى الصيانة والتشغيل". وأضاف: "الإنشاءات ستقل، لكن عقود الصيانة والتشغيل مستدامة وتنطوي على مبالغ كبيرة على مدى فترات طويلة". وبدأ الاتحاد أيضا في تأهيل الشركات للعمل وفقا لنماذج العقود الدولية تمهيدا للتعامل مع الجهات المانحة والمستثمرين الخليجيين والأجانب؛ نظرا إلى أن هذه الخطوة ستسمح للمقاولين المحليين بالانخراط في مسار التعافي المدفوع بالاستثمار الأجنبي المباشر بدلا من مجرد انتظاره.

يتمثل الدافع الثاني في جعل قطاع المقاولات مصدر حقيقي للعملة الأجنبية. يضغط المقاولون للحصول على دعم الدولة لمزيد من التوسع في تصدير خدماتهم. ويشير يوسف إلى أنه يضع طموحات كبيرة على هذا التوجه؛ فهو يريد أن تنافس صادرات قطاع التشييد المصري في يوم من الأيام إيرادات قناة السويس. لكن العقبات الحالية تبدو ملموسة. قال يوسف: "أنا مستعد لتقديم كل الضمانات، لكني لا أستطيع استخراج خطاب ضمان للعمل في الخارج". ويضيف أن الروتين يقتل الفرص، حتى أن "استخراج تأشيرة عمل لمدير مشروع مصري في العراق يكلف 2500 دولار، فكيف يمكنني المنافسة؟".

لا يرى المقاولون في الوقت الراهن أن مشروعات القطاع الخاص تمثل حلا سريعا. يقول يوسف: "لا يطرح المطورون أنفسهم مشاريع كثيرة حاليا"؛ لأنهم يشعرون بتأثير تراجع السيولة الحكومية. ولذا فإن التحول نحو أنشطة التشغيل والصيانة التي يوصي بها سعد، جنبا إلى جنب مع مساعي تصدير الخدمات التي يضغط الاتحاد من أجلها، تمثل جميعها خططا متوسطة الأجل. وسيتعين على المقاولين تجاوز الوضع الحالي وصولا إلى العام المالي 2026-2027 معتمدين على المشروعات قيد التنفيذ المسجلة بالفعل في دفاترهم.