تتفوق النساء في مصر حاليا على الرجال في معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي، ويمثلن نحو نصف خريجي الكليات العملية (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات). كما يشكلن 36.3% من فئة الشباب (15-24 عاما) غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب، مقارنة بنحو 14.9% للذكور في الفئة العمرية ذاتها. ويبلغ معدل البطالة بين الإناث 14.3%، وهو ما يقرب من أربعة أمثال معدل البطالة بين الذكور البالغ 3.6%. وتصل نسبة العاطلين عن العمل من حملة المؤهلات الجامعية في مصر إلى 41.5%، حسبما تشير بيانات معدل البطالة (بي دي إف) للربع الأول من عام 2026، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وصف تقرير (بي دي إف) صادر حديثا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الوضع بـ "المواهب المهدرة"، مشيرا إلى أن سد الفجوة بين الجنسين في التوظيف قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنسبة 56%. وتتبنى مؤسسات دولية أخرى مثل البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية (بي دي إف) إطارا تحليليا مماثلا، مما يشير إلى أن عديدا من المؤسسات متعددة الأطراف تشاركها الرؤية ذاتها.
بيد أن هذه القراءة ربما تكون غير مكتملة. يعتقد مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في إحدى الشركات الصناعية المصرية الكبرى أن نسبة كبيرة من الخريجات المصريات لم ينسحبن من سوق العمل، بل اختفين ببساطة من السجلات الرسمية للدولة. وقد تحدث هذا المسؤول التنفيذي لإنتربرايز شريطة عدم الكشف عن هويته؛ لأنه غير مصرح له بمناقشة ديناميكيات سوق العمل علنا.
كيف تعكس البيانات الرسمية واقع سوق العمل؟ من أجل أن تسجل بيانات التعبئة والإحصاء أو المسوح الدولية التي تعتمد عليها أي شخص على أنه عامل أو موظف، فيجب أن يترك هذا الشخص بصمة تنظيمية، مثل عقد مسجل، أو إقرار ضريبي، أو بطاقة هوية للشركة. لكن أي خريجة من كليات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تعمل من المنزل لصالح وكالة إعلانات في دبي أو شركة استشارات في لندن لا تترك أيا من هذه البيانات، وفق ما قاله المسؤول لإنتربرايز، مضيفا أن مثل هذه الموظفة تتلقى راتبها بالعملة الأجنبية في حسابها الشخصي، ويكون مجزيا في الغالب، لكنها تُصنف عاطلة عن العمل في السجلات الرسمية.
هن خارج القطاع الرسمي: يمثل البعد الاقتصادي "حسبة براجماتية" وليس مجرد انسحاب من سوق العمل، بحسب المسؤول. وأوضح أن العمل الرسمي في مناصب المبتدئين أو الإدارة الوسطى داخل شركة محلية يعني خضوع راتب الخريجة لاستقطاعات الضرائب والتأمينات الاجتماعية، فضلا عن تآكل قيمته بفعل التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية. وما يتبقى من الراتب يُنفق على المواصلات وتكاليف الاندماج في بيئة العمل الرسمية، مثل شراء ملابس مناسبة أو طلب الطعام. ثم يأتي بعد ذلك الجهد والوقت المستنزف بسبب العمل في بيئات تهيمن عليها قيادات ذكورية بشكل ساحق.
أما العمل عن بعد لصالح شركة متعددة الجنسيات، وما يصاحبه من تلقي راتب بالعملة الأجنبية، فإنه يزيل معظم هذه الأعباء دفعة واحدة. كما يتيح للمرأة التوفيق بين العمل وما تصفه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بـ "الدوام المزدوج"، وهي أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر والأعمال المنزلية التي يشير التقرير إلى أنها تقع بشكل غير متناسب على كاهل النساء المصريات وتحد من مشاركتهن في القوة العاملة الرسمية. يفيد التقرير بأن فجوة الأجور بين الجنسين في القطاع الرسمي، التي حددتها المنظمة بنحو 77%، هي في الواقع سبب رئيسي لهذا الخروج من سوق العمل الرسمية، وهي ذاتها ما يجعل هذا الخروج مجديا اقتصاديا.
أسباب اختيار هذا المسار تبدو واضحة: يحدد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العوائق التي تواجه النساء، وتشمل: فجوة أجور بنسبة 77% في سوق العمل الرسمي، وعبء الرعاية غير مدفوعة الأجر الذي تتحمله النساء بشكل غير متناسب، ومحدودية الوصول إلى خدمات رعاية أطفال بأسعار معقولة. يُلزم قانون العمل الجديد في مصر أصحاب العمل بتوفير دور حضانة عند تعيين 100 امرأة أو أكثر، وترى المنظمة أن هذا الشرط قد يثني الشركات عن توظيف النساء من الأساس، وهو ما تعاملت معه أنظمة أخرى بشكل مختلف (مثل النموذج الممول ضريبيا في ألمانيا، وا لنظام الحكومي في كندا، الذي يخفض تكاليف رعاية الأطفال دون السادسة إلى 10 دولارات كندية يوميا).
رأينا: لا تنفي فرضية المواهب المهدرة والاختفاء الاقتصادي إحداهما الأخرى؛ بل من المرجح أن كلتيهما صحيحة بالنسبة لشرائح مختلفة من الخريجات. فإذا كان تحليل منظمة التعاون الاقتصادي هو السائد، فإن الحل يكمن في تعزيز الدمج المؤسسي، وتوفير خدمات رعاية الأطفال في القطاع الرسمي، وتطبيق سياسات لسد فجوة الأجور. أما إذا كان تحليل الاختفاء الاقتصادي هو الأدق، فإن الحل يتطلب تقنين العمل غير الرسمي وعن بعد، وتبسيط إجراءات التسجيل الضريبي للمستقلين، ودمج التدفقات الدولارية التي تتجاوز الاقتصاد الرسمي حاليا. وفي الوقت الراهن، تنفذ مصر بعض الإجراءات المتعلقة بالمسار الأول، لكنها تكاد لا تحرك ساكنا بشأن المسار الثاني.
ماذا بعد؟ سيصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مسحه ربع السنوي المقبل للقوى العاملة في يوليو. وإذا لم تُحدث المنهجية لتشمل العمل عن بعد، الذي يُدفع أجره من الخارج، ستظل الفجوة بين القراءتين بنفس الاتساع.
لمطالعة المزيد حول الموضوع يمكنكم تصفح قراءتنا السابقة لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوسع نطاقا حول فجوةالعرض والطلب في اقتصاد المعرفة بمصر. وتعد مسألة الخريجات التجسيد الأكثر وضوحا لهذه الفجوة داخل البلاد.