باتت الجامعات المصرية تنشر أبحاثها في المجلات العلمية الأكثر استشهادا بها في العالم بمعدلات تتجاوز متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فقد ازداد حجم الإنتاج البحثي بواقع خمسة أمثال منذ عام 2009، وتضاعف عدد الجامعات خلال خمس سنوات فقط، لكن 3% فقط من الشركات المصرية الكبرى لديها شراكات مع جهات أكاديمية للتعاون في أنشطة الابتكار.

ويبدو أن هذه الفجوة بين قاعدة بحثية تحظى بمصداقية عالمية وقطاع خاص لا يعرف كيفية الاستفادة منها هي القيد الأساسي الذي يكبل اقتصاد المعرفة لدينا، حسبما ذكر تقرير مراجعة سياسات الابتكار (بي دي إف) الصادر مؤخرا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

فقد قفز عدد الجامعات من 53 جامعة في عام 2018 إلى 100 جامعة بحلول عام 2023، في حين تخطى الإنفاق على البحث العلمي 1% من الناتج المحلي الإجمالي. كما ارتفعت نسبة الأبحاث المصرية المنشورة في أعلى 10% من المجلات العالمية الأكثر استشهادا بها من 6.6% في عام 2014 إلى 11% في عام 2022، وهي نسبة تفوق متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

نظريا وعلى الورق، يبدو هذا هو النموذج المثالي لركائز اقتصاد المعرفة. لكن كفة الطلب لم تواكب هذا التطور؛ إذ تنفق الشركات المصرية 0.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، وهي نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بمستويات دول المنظمة. كما تتعاون 7% فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات النشاط الابتكاري و3% من الشركات الكبرى مع الجامعات في مشروعات ابتكارية. أما معدل توظيف حملة الدكتوراه في القطاع الصناعي، فما زال "منخفضا للغاية"، بحسب تعبير المنظمة. ولا تزال العديد من الشركات تعتمد في تشغيلها على منتجات تقليدية قديمة، ولا تبدي سوى اهتمام محدود بالتواصل مع المؤسسات البحثية من الأساس.

وفي المقابل، تظل حركة تسجيل براءات الاختراع ضعيفة وراكدة رغم الطفرة الهائلة في النشر العلمي. ويعود السبب الهيكلي في ذلك إلى انقسام المشهد الاقتصادي إلى منظومتين متوازيتين؛ إحداهما هي منظومة الشركات الناشئة، التي تصنف ضمن الأكبر في المنطقة وتتميز بعمق قوي في قطاع التكنولوجيا المالية ووجود عدد من الشركات في مراحل التوسع يمكنها توظيف الكوادر البحثية وتحويل الأبحاث الجامعية إلى منتجات تجارية. أما المنظومة الأخرى، فتتمثل في قاعدة عريضة ضخمة من الشركات التقليدية التي تعمل في مجالات الزراعة والتصنيع الأساسي والقطاعات الريعية؛ وهي شركات تواجه ضغوطا تنافسية محدودة تدفعها للتحديث، ولذا ليس لديها حافز قوي للاستثمار في البحث العلمي.

تطلق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على هذا الوضع نموذج "إقحام العلوم"؛ بمعنى أن الجامعات والباحثون يحاولون إقحام الابتكارات في السوق بعد فوات الأوان، بدلا من ابتكار المنتجات وصياغة الأجندات البحثية بالتعاون مع القطاع الصناعي منذ البداية.

والنتيجة؟ تنتج الدولة رأس مال بشريا عالي الكفاءة وأبحاثا تحظى بمصداقية دولية، في حين تظل معظم هذه المعرفة حبيسة الأسوار الأكاديمية لأن الاقتصاد المحيط بها يفتقر إلى القدرة الاستيعابية لاستغلالها. ومن ثم يرتفع معدل البطالة بين الخريجين إلى حوالي ضعف المتوسط القومي؛ فتتصاعد أرقام النشر العلمي، بينما تظل براءات الاختراع والتطبيقات التجارية تراوح مكانها.

لكن بعض المؤسسات تعمل على سد هذه الفجوة؛ فمبادرة مركز الابتكار التابعة للجامعة الأمريكية بالقاهرة تضم عددا من الشركات الكبرى والشركات الناشئة والباحثين تحت مظلة منظومة واحدة لابتكار حلول مشتركة وتقليص الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق التشغيلي. كما تهدف مبادرة تحالف وتنمية التي طرحتها وزارة التعليم العالي مؤخرا إلى الربط بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الصناعي والمستثمرين من خلال تحالفات إقليمية.

ويؤكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هذه النماذج القائمة على الابتكار المشترك، وليس الأبحاث الأكاديمية المنعزلة، هي الكفيلة بإحداث نقلة تكنولوجية حقيقية. لقد أمضت مصر العقد الماضي في تعزيز كفة العرض لاقتصاد المعرفة، لكن المهمة الأصعب الآن تكمن في بناء اقتصاد قادر على توظيف ما تنتجه تلك الجامعات والمختبرات.