هل يتحول المسار التجاري الطارئ نحو الخليج عبر مصر إلى واقع دائم؟ حين تقلصت حركة الشحن عبر مضيق هرمز في أواخر أبريل إلى جزء بسيط من مستوياتها الطبيعية، دُشن ممر شحن نشط يربط بين أوروبا ومصر ودول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ تصل المقطورات إلى ميناء دمياط، وتنتقل برا إلى ميناء سفاجا، ثم تعبر الشحنات بالعبارات إلى الجانب الآخر من صفحة البحر الأحمر، لتصل إلى السعودية، ثم تواصل رحلتها برا إلى أسواق الخليج الأخرى.
ويكمن السؤال الأبرز حاليا في جدوى هذا المسار وصموده بمجرد انحسار التوترات الإقليمية. تشير الدلائل الحالية إلى أنه سيستمر، ولكن مع تحفظ مهم. فبدلا من أن يصبح هذا الخط هو المسار التجاري الافتراضي الجديد، سيجري اعتماده على الأرجح بصفته بديلا استراتيجيا، أي مسار تأميني قد تفضل شركات الشحن والموانئ والمستثمرون الخليجيون الحفاظ عليه تحسبا لأية إغلاقات محتملة لمضيق هرمز في المستقبل.
إلى أي مدى من الأهمية؟ يوفر هذا المسار خيارا إضافيا من الربط يمكن لمصر الترويج له ضمن نظام إقليمي لإدارة المخاطر. وفي ظل الضغوط التي تتعرض لها إيرادات قناة السويس جراء اضطرابات الملاحة، فإن اقتناص حصة، ولو كانت صغيرة، من الشحنات المحولة التي لا تحتمل التأخير، وربط مسارها عبر الموانئ والنقل الداخلي، من شأنه أن يوفر رافدا حيويا للإيرادات.
مزايا المسار الجديد
عامل السرعة: "مقارنة ببدائل الشحن البحري التقليدية، لا تزال أوقات العبور عبر المسارات المعتادة أطول. ورغم تردد العملاء في البداية في تبني هذا النموذج، دفعهم عنصر الإلحاح في شحناتهم لتجربة هذا الحل"، وفق ما قالته رئيسة القطاع التجاري في شركة بان مارين غادة سامي خلال حديثها إلى إنتربرايز.
بلغة الأرقام: تصل الطاقة الاستيعابية على خط أوروبا- مصر إلى 420 مقطورة أسبوعيا، حسبما تشير البيانات الرسمية. في حين يسير خط سفاجا - نيوم التابع لشركة بان مارين أربع رحلات بحرية منتظمة أسبوعيا، تتسع كل منها لنحو 130 شاحنة. ويعد ذلك حجما كبيرا بما يكفي ليحدث فارقا لمستوردي السلع سريعة التلف، والسلع الاستهلاكية سريعة التداول، وقطع الغيار الصناعية، والشحنات العاجلة.
مسار نشط بالفعل: "نجحنا في تسيير شحنات متعددة من وجهات أوروبية مختلفة، شملت بضائع جافة ومبردة إلى وجهات بدول الخليج، وبدأ هذا في منح العملاء الآخرين مزيدا من الثقة"، حسبما أضافت سامي. أعلنت مدينة نيوم في الشهر الماضي أن الممر الكامل (أوروبا - مصر - نيوم - الخليج) بات نشطا ويستخدمه بالفعل المستوردون من الأسواق الأوروبية.
موثوقية وكفاءة: "نتيجة لذلك، يتزايد اعتماد العملاء على هذا النموذج؛ إذ يساعدهم في خفض مستويات مخزون الأمان وإدارة التدفقات النقدية بكفاءة أكبر"، حسبما أوضحت سامي. وأشارت إلى أن المقطورات سعة 45 قدما توفر سعة شحن أعلى مقارنة بالحاويات القياسية سعة 40 قدما، مما يسمح بنقل أحجام أكبر في وقت أقل.
طريق ذو اتجاهين: بحسب سامي، أطلقت بان مارين مؤخرا مسارات تصديرية من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاتحاد الأوروبي، "ودعمت شحنات متجهة إلى شمال أفريقيا عبر مركزنا في دمياط".
جدوى على المدى الطويل.. مع بعض التحفظات: "يستطيع هذا المسار في الظروف الطبيعية أن يصبح مجديا تجاريا عند الاستفادة من سعة المعدات الأكبر، وخدمة التوصيل من الباب إلى الباب، واختصار زمن العبور. ومع عودة أسعار الشحن إلى طبيعتها، تتقلص الفجوة في التكلفة، مما يجعل هذا الممر أكثر تنافسية"، وفق ما أشارت إليه خلال حديثها إلى إنتربرايز.
اهتمام بمسار دائم
"نجري حاليا مناقشات مع العملاء للحفاظ على هذا الممر حتى بعد انتهاء الاضطرابات الحالية. وينصب التركيز على تأمين سعة احتياطية أو مرنة في مصر ضمن خطط المرونة طويلة الأجل بدلا من الاعتماد عليه فقط في أوقات الأزمات"، بحسب سامي، التي أشارت إلى أن قاعدة أوسع من العملاء تدمج هذا المسار حاليا ضمن استراتيجيات سلاسل التوريد المنتظمة الخاصة بهم.
طالما تبعت رؤوس الأموال العقد اللوجستية المصرية: استثمرت مجموعة موانئ أبوظبي نحو 469 مليون دولار في مصر منذ عام 2022. ومنذ ذلك الحين، أمنت المجموعة تمويلا مدعوما من مؤسسة التمويل الدولية لمحطة سفاجا التابعة لشركة نواتوم للموانئ، التي ستدخل حيز التشغيل بحلول الربع الثالث من العام الجاري. ووقعت أيضا مذكرة تفاهم لإنشاء مركز لوجستي في ميناء الإسكندرية، كما وافقت على حق انتفاع متجدد لمدة 50 عاما لإدارة منطقة كيزاد الصناعية واللوجستية في شرق بورسعيد مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. بالإضافة إلى ذلك، استحوذت المجموعة على حصص في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وشركتي الخدمات اللوجستية " تي سي آي" وترانسمار، وشركة " سفينة " لخدمات الشحن.
لكن هناك بعض التحديات
على المستوى التجاري، يبدو الممر قويا في الظروف التي تكون السرعة ذات أولوية قصوى؛ فهو مسار قادر على الاحتفاظ بأهميته في أوقات السلم لبعض الشحنات التي لا تحتمل التأخير. أما بالنسبة للتجارة ذات الهوامش المنخفضة، أو البضائع السائبة، أو غير العاجلة، فإن مراحل الشحن البري الإضافية جنبا إلى جنب مع عمليات التسليم المتعددة، تجعل الجدوى التجارية أضعف بكثير.
التنفيذ الداخلي يحسم الأمر: سيعتمد أداء هذا الممر على سعة الشاحنات، والانضباط الحدودي، وتناغم الإجراءات الجمركية. إذ تقول سامي: "لا يزال توفر الشاحنات يمثل نقطة ضغط رئيسية، خاصة بالنظر إلى الطلب المشترك من جانب كل من الشحنات المحلية المصرية وتدفقات الترانزيت"، حسبما أوضحت سامي.
هنا تتجلى إشارات التحذير الإقليمية: مع استيعاب الممرات البرية لمزيد من الشحنات، ارتفع الطلب على سعة النقل بالشاحنات ليتجاوز المعروض المتاح بكثير، إذ تضاعفت أسعار النقل على بعض ممرات الخليج أربع مرات عن مستويات ما قبل الأزمة، في حين أضافت تكاليف الوقود وقيود الأساطيل مزيدا من الضغوط.
تحتاج مسارات النقل الداخلي إلى بنية أكثر صلابة، سواء من خلال ضمان سعة الشاحنات، أو زيادة أعداد السائقين، أو استقرار إمدادات الوقود، أو تحسين الأداء الحدودي. و"أدت أحجام الشحنات الكبيرة بين الحين والآخر إلى حدوث تكدس في الموانئ والمعابر الحدودية، مما أثر على الانسيابية بشكل عام"، على حد وصف سامي.
"في البداية، شكلت متطلبات نظام التسجيل المسبق للشحنات (ACI) عنق زجاجة رئيسيا، ولكن عولج هذا سريعا"، حسبما أضافت. وأعفى الإشعار الجمركي الصادر في مارس شحنات الترانزيت غير المباشرة المتجهة إلى الخليج من متطلبات التسجيل المسبق لمدة ثلاثة أشهر، مع منحها أولوية المعالجة، وهي محاولة جادة لتذليل العقبات في المسار المصري. تستطيع مصر تسريع الإجراءات داخل الموانئ، لكن استدامة المسار ستعتمد على موثوقية جزء النقل البري منه.
وقد لعب الاستثناء الطارئ لمدة ثلاثة أشهر لشحنات الترانزيت الدور الأكبر في موثوقية الممر. وفي حال انقضاء هذا الاستثناء، دون تقديم المزيد من الإعفاءات لجعل المسار أكثر جاذبية، سيفقد الممر جزءا كبيرا من تنافسيته.
رأينا
النموذج الأساسي يتغير بالفعل: ننتقل الآن من عصر تعظيم الكفاءة بمعناها الضيق إلى عصر البدائل الاستراتيجية، الذ تحدد فيه الكفاءة المرنة نجاح شبكات التوريد، وليس التكلفة الأقل. فعندما تتعرض نفس المسارات والاختناقات الملاحية لاضطرابات متكررة، يصبح بناء سلاسل توريد معتمدة على طريق واحد أكثر كفاءة، بمنزلة تركيز للمخاطر في مسار واحد.
المستقبل لا يعتمد على طريق واحد مهيمن، بل على "شبكة من الممرات". بالإضافة إلى أن القوة في التجارة العالمية تتحول من السيطرة على نقطة اختناق واحدة، إلى السيطرة على خيارات متعددة عندما تفشل تلك النقطة.