🌙 “وريحة حارة، جيب لي معك”، ربما تلخص جملة الملحن والمغني الفلسطيني فرج سليمان في أغنيته ” جبليمعك ” يأس المهاجرين ورغبتهم في طي الجغرافيا وحملها في رائحة أو منديل أو طبق. وفي شهر رمضان، تتحول هذه الرغبة من مجرد خاطرة وجدانية إلى معضلة تدفع المهاجر إلى استخدام كل وسائل الابتكار لاستعادة الوطن المفقود، وتثبيت أركان الهوية وسط ضجيج وحيوية القاهرة.

بالأرقام: خلف مجاز الأغنيات، يختبئ رقم ضخم يعكس حجم التحول الديموجرافي في مصر، إذ تقدر أعداد المهاجرين واللاجئين بنحو تسعة ملايين يمثلون نحو 8.7% من سكان البلاد، وفقا للتقرير الصادر عن منظمة الهجرة الدولية. جاء هؤلاء محملين بذاكرة من عادات ولهجات وأطباق، حولت الشوارع المصرية إلى مساحة رمادية مدهشة، تتأرجح بخفة ما بين الاندماج الكامل ومقاومة الذوبان.

عن الحنين والاستهلاكية وما بينهما

المهاجر المغترب قد يلجأ لأبسط الأشياء، في محاولة لاستعادة إحساسه بوطنه البعيد، وهذه الرغبة تنعكس حتى في أنماط الاستهلاك. هذا السلوك يعرف بالحنينالاستهلاكي، وهو ميل المهاجر لاستهلاك منتجات بعينها ليس لجودتها المادية، بل لاعتبارها ناقلا ثقافيا يربطه بجذوره، فيتحول الطعام إلى رمز للتمسك بالهوية.

يتجلى الحنين إلى الوطن في أصغر التفاصيل، حتى في قائمة المشتريات الرمضانية، بحسب ما قالته الصحفية اليمنية المقيمة في مصر سحر محمد لإنتربرايز، موضحة أنها عندما اقترحت على والدتها الذهاب إلى إحدى سلاسل التجزئة الكبرى لتجهيز مؤونة شهر رمضان، جاءها الرد حازما: “لا، سنذهب إلى محل العطارة اليمنية”.

رغم توافر العديد من المنتجات المصرية فائقة الجودة، إلا أن التوجه إلى البقالة المحلية التي تستورد المنتجات اليمنية يعد طقسا حميميا. يمثل البحث عن بهارات الباجية (الطعمية اليمنية) وأنواع الشوربة وحبوب البقوليات الخاصة والأرز الهندي أو الباكستاني المعتاد في اليمن، رحلة عابرة للحدود نتلمس فيها رائحة الوطن، بحسب محمد، التي تلاحظ أن الجالية اليمنية هي أقل الجاليات تأقلما مع الطعام المصري، مقارنة بالجاليات الأخرى التي تعرفها. فرغم مرونتهم في التعامل مع الملبس أو اللهجة، إلا أن المطبخ اليمني لا يزال يشكل لهم خطا لا يمكن تجاوزه.

خلف هذا التمسك إزدهار كبير للتجارة اليمنية في المناطق التي تتركز فيها محليا، كما أدى إلى إعادة صياغة الحياة الاجتماعية لليمنيين، من خلال القهوة اليمنية في منطقة العشرين بفيصل والتي تحولت من مساحة تقدم المشروبات اليمنية المحلية إلى أكبر تجمع للجالية، يقصدها اليمنيون بحثا عن الملاذ المفقود.

البحث عن الونس المفقود

لمات السودان في قلب القاهرة: جل ما يميز رمضان السودان هو اللمة والتواصل الإنساني، وهو ما يعكسه تقليد البساط، حسبما قالت المصورة السودانية علا أحمد لإنتربرايز. البساط عبارة عن مائدة ممتدة تجمع رجال الحي يوميا في الشوارع، حيث يتبادلون الأطباق والعصائر مع الجيران وعابري السبيل.

تجد أحمد في موائد الرحمن المصرية نموذجا قريبا من البساط، إلا أنها لا تزال تفتقد طقوس التحضير الجماعي، الذي تحاول تعويضه بتحويل مائدتها في القاهرة إلى جسر للتقارب تجمع فيه الأصدقاء والعائلة من السودانيين والمصريين، تشاركهم الطعام وتطلعهم على أسرار المطبخ السوداني.

أهم ما يميز رمضان السودان هو مشروب الحلو مر — مزيج من الذرة المطحونة والبهارات العطرية والأعشاب — لا تخلو منه أي مائدة إفطار في السودان، بحسب أحمد، التي أضافت أنه بسبب ارتفاع التكلفة وصعوبة الحصول على المكونات عادة ما تستبدله ببعض المشروبات المصرية الرمضانية مثل التمر الهندي. “أصبحنا نشتري زينة مثل المصريين ونندمج معهم في الأجواء”، حسبما قالت معبرة عن انبهارها بالهوية البصرية المصرية المرتبطة برمضان.

وبعكس أحمد، صرحت إحدى المغربيات المقيمات في مصر، أنها لا تفتقد المطبخ المغربي بقدر افتقادها للونس الرمضاني، الذي دفعها لقبول دعوات الإفطار من أشخاص بالكاد تعرفهم. “كنت جالسة على طاولة منفردة في مطعم بالمعادي، لمحتني عائلة مصرية، فقدمت لي عرضا لطيفا بمشاركتهم الإفطار، فحملت طبقي وجلست معهم”. وامتد دعم المصريين إلى منزلها، إذ فاجأها جيرانها بفانوس رمضان هدية، ما أشعرها بأنها ليست عابرة في المكان، وإنما جزء منه.

عودة مربكة وحنين عكسي

ستة رمضانات قضاها طبيب جراحة التجميل الفلسطيني يزن عماد أعادت تشكيل تجربته الرمضانية بعيدا عن الضفة الغربية: “تقاسمت السكن مع شاب فلسطيني وبدأنا تكوين دائرة صغيرة من الأصدقاء الفلسطينيين والسوريين يجتمعون في رمضان حول مائدة واحدة، نتقاسم الطهي والحنين للوطن معا”. ورغم دفء العلاقات، لا يزال عدد الفلسطينيين أقل مقارنة بجاليات أخرى ما يجعل اللقاءات أقل عفوية وأصعب تنظيما، بحسب عماد.

الحنين إلى مصر: خلف هدوء مخيم بلاطة بمدينة نابلس، اختبر عماد حالة من الاغتراب العكسي، إذ فوجئ أثناء قضائه أحد الرمضانات هناك، بافتقاده تفاصيل الحياة اليومية في مصر وزحامها الذي لا يهدأ وأصدقائه الذين صاروا جزء من طقوسه الرمضانية. وهو شعور يختبره بعض المهاجرين عند الرجوع إلى أوطانهم، حين لا تبدو لهم الأماكن كما كانت، ويكتشفون أن جزءا منهم قد انتمى إلى مكان آخر.

“وحوي يا وحوي” بلغة الشتات

لم تعد كلاسيكيات رمضان مثل “وحوييا وحوي” أو “رمضانجانا” مجرد أغنيات مصرية، بل أضحت أناشيد عابرة للحدود، تلتقي فيها اللهجة الشامية مع اليمنية والسودانية وغيرها. هذا الامتزاج نتج عنه حالة من الهجين الثقافي وحول الاندماج من مصطلح أكاديمي نظري إلى حالة متبادلة تتجسد بصورة يومية في الشوارع والموائد.

التأثير متبادل: بينما تأثر المهاجرون واللاجئون بالهوية البصرية المصرية خلال رمضان، عبر الملابس وطقوس تعليق الزينة والفوانيس وخلافه، انفتح المجتمع المصري من ناحية أخرى على ثقافاتهم الغذائية. تعد مشاركة الطعام وتقاليد الطهي من أبرز الإسهامات الثقافية وأكثرها وضوحا للمهاجرين واللاجئين، حسبما أكدت دراسة صادرة عن مركز المعلومات واتخاذ القرار بمجلس الوزراء. نتج عن هذا التأثر زيادة كبيرة في التنوع الغذائي للمصريين الذين باتوا يقبلون على المأكولات الشعبية الوافدة من السودان وسوريا واليمن.

عملية التثاقف تحدث في اتجاهين متبادلين، بحسب الدراسة، إذ يسمح للمهاجر بالتكيف مع المجتمع الجديد دون التخلي عن هويته الأصيلة، وكذلك يثري المجتمع الذي يحتضنه بعادات وتقاليد تتجاوز حدوده المحلية.

** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **