🌙 مع اقتراب شهر رمضان، تعود الشوارع والمتاجر إلى ذروة نشاطها استعدادا لموسم العزومات، إذ تبقى مائدة الإفطار والسحور المحرك الأبرز للحياة الاجتماعية طوال الشهر، باعتبارها مساحة تتقاطع فيها الروابط الثقافية والعائلية. في عدد هذا الأسبوع من بعد الخامسة، تحدثنا إلى استشارية التغذية والمؤلفة ومقدمة البودكاست ياسمين الغرابلي (لينكدإن) حول رحلتها كرائدة أعمال في قطاع الأغذية، ورؤيتها لما يجعل التجمعات الرمضانية مميزة، وتقاليدها المفضلة على المائدة.

أطلقت الغرابلي منصة تيستس أند تيلز، لتكون مظلة لمشروعاتها التي تمزج بين فنون الطهي والتجربة الثقافية. تضم هذه المنصة أعمالها الاستشارية ومؤلفاتها من كتب الطهي ومنصاتها الرقمية، بالإضافة إلى نشاط تنظيم الفعاليات الحية الذي تعتبر رائدة فيه.

تتمتع الغرابلي بمسيرة مهنية متنوعة، فبعد الدراسة في كلية لندن للاقتصاد، تنوعت خبرات الغرابلي بين إدارة العلامات التجارية في يونيليفر بالإسكندرية، والاستشارات الاستراتيجية في باين أند كومباني بدبي، إلى العمل في حفظ التراث وإطلاق المبادرات الثقافية في القاهرة ولندن. “من يطالع سيرتي الذاتية قد يظن أنني لم أستقر بعد على مسار مهني واحد”، حسبما قالت الغرابلي ممازحة.

تصف الغرابلي نفسها بأنها طاهية منزلية وليست شيف، موضحة أن شغفها بالطعام بدأ في مرحلة مبكرة من مسيرتها لدى يونيليفر. تطلب عملها كمديرة لعلامتي كنور وفاين فودز إجراء العديد من أبحاث السوق، ما سمح لها بزيارة السيدات المصريات في بيوتهن: “هؤلاء السيدات كن مصدر إلهام حقيقي لي، لقد أعددن ولائم مذهلة بميزانيات محدودة، وتعلمت منهن الكثير من أسرار وفنون الطهي”.

في عام 2015، أطلقت الغرابلي مع شريكتها شهدان نيازي منصة Cairo Cooking، لتبسيط وتوثيق تراث المطبخ المصري: “أردنا إحياء أطباق مثل البصارة والخبيزة والملوخية عبر وصفات منزلية بسيطة على طريقة جداتنا، وإتاحتها للجمهور باللغتين العربية والإنجليزية”، بحسب الغرابلي. وسرعان ما تحولت هذه المنصة الرقمية إلى نشاط استشاري متكامل في قطاع الأغذية والمشروبات، يقدم خدمات احترافية تشمل تطوير قوائم الطعام وحساب التكاليف.

أصدرت الغرابلي في عام 2021 كتاب بالهنا لفنون الطهي، والذي شاركت في تأليفه مع شقيقتها مصممة الديكور المهتمة بفنون الطهي شويكار الغرابلي. يباع الكتاب حاليا في مختلف أنحاء العالم، ووصل إلى طبعته الرابعة. “تعاونت أنا وشقيقتي لتقديم وصفات إقليمية تعتمد على المنتجات الموسمية والتوابل المحلية، وعملنا لمدة عامين مع مصور الأطعمة يحيى العلايلي ومحررة أطعمة من لندن لنخرج بعمل نفخر به، ولا تزال الدموع تغالبني حين أرى الكتاب معروضا في مكتبات واترستون في لندن أو بارنز أند نوبل في الولايات المتحدة”، بحسب ياسمين.

وظفت الغرابلي نجاح الكتاب لإطلاق بودكاست يحمل الاسم نفسه، يستضيف نخبة من الطهاة ورواد الأعمال في قطاع الأغذية مثل مصطفى سيف وكريم عبد الرحمن، قبل أن يتوسع في موسمه الثالث ليشمل ضيوف طهاة عالميين يعملون في دبي.

نسقت الغرابلي عبر منصتها عددا من الفعاليات المبتكرة بالتعاون مع مجموعة من أبرز العلامات التجارية المحلية مثل: الكحال للأنوال والسجاد في المتحف المصري الكبير وعزة فهمي في الساحل الشمالي والقاهرة ولندن. كما شاركت في مشروعات للحفاظ على التراث، من بينها بيت الرزاز الذي يعود تاريخه إلى نحو 500 عام، للمساهمة في جمع تبرعات لترميم سقف البيت المملوكي.

ما يجعل تلك الفعاليات استثنائية هو التركيز على المزج بين السرد القصصي وربط الأفراد عبر سرديات ثقافية مشتركة، وفقا للغرابلي: “كل نقطة تفاعل في الحدث تصمم لهدف واضح ومحدد. ما يجعل الفعالية عالقة في الذاكرة هو التفاصيل والأصالة وخلق إحساس بالانسيابية”. تستحضر الغرابلي روح التراث في كل فعالياتها، فقد عبرت عن تقاليد شم النسيم المصرية في بيرلينجتون أركيد خلال حفل إطلاق متجر عزة فهمي في لندن في موسم الربيع الماضي، مستخدمة ديكورات من اللوتس والبردي، وقائمة طعام شملت الرنجة والجبن الرومي. ورغم غرابة هذه الأطباق على منطقة بوند ستريت، إلا أنها جسدت فلسفتها في نقل التراث بجرأة وأصالة.

تفضل الغرابلي البساطة في التجمعات الرمضانية رغم حبها للاستضافة، إذ تفضل التجمعات الصغيرة على العزومات الضخمة. “أجمل موائد الإفطار هي تلك التي تمتد لوقت طويل، إذ يجلس الجميع باسترخاء حول المائدة لتبادل الحديث مع الحلوى والشاي”. كما يعد رمضان هو أنسب وقت لإحياء الوصفات والتقاليد العائلية بالنسبة للغرابلي، إذ تحرص على تحضير أطباقها المفضلة مثل التمر المنقوع في اللبن وشوربة الزبادي التي تعدها والدتها وشوربة الجاري المغربية الشبيهة بالحريرية، وحلويات مثل عيش السرايا وأيس كريم المستكة المزين بحلاوة الشعر والفستق المكرمل.